سيبقى كتاب أزمة النظام الكبرى مفتوحا رغم طي صفحة التعديلات الدستورية
سيبقى كتاب أزمة النظام الكبرى مفتوحا رغم طي صفحة التعديلات الدستورية
دامت المراجعة الدستورية الأخيرة فترة فريدة من حيث نوعها في طولها ودوامها؛ مدة أراها قد حققت رقما قياسيا مقارنة بمسارات مماثلة حدثت في دول أخرى. وبالفعل، ففي أقل بكثير من خمس سنوات، تمكنت دول أخرى من دعوة جمعيات تأسيسية أنجزت دساتير كاملة وليس مجرد تعديلات دستورية محدودة.
بالنسبة لبلدنا، فإنه لمن البديهي أن النتيجة لم تأت بالتحولات النوعية التي تنبأ بها وروّج لها بعضهم، و لم تكن في مستوى التطلعات التي تولدت عن كل هذه المدة الزمنية الاستثنائية التي استنفدتها هذه المراجعة الدستورية.
لقد نقلت وسائل الإعلام، بكل صرامة وجدية وموضوعية، الأحكام الصادرة حول هذه المراجعة الدستورية منذ الكشف عن محتواها للرأي العام الوطني يوم 5 يناير 2016. وبالنظر لهذه الأحكام الصادرة عن الأحزاب السياسية – التي لم تقتصر على أحزاب المعارضة الوطنية فقط ـ، والمنظمات الوطنية الناشطة في مجال حقوق الإنسان، ومجموعة كبيرة من تشكيلات الحركة الجمعوية، وجاليتنا المقيمة بالخارج، ووسائل الإعلام و نخب أكاديمية، وبالنظر لكل هذه الأحكام، يصبح من نافلة القول أن هذه المراجعة الدستورية لم تكن توافقية ولا جامعة كما أرادها أصحابها.
لقد جعل حزبنا، حزب طلائع الحريات، من بين واجباته نحو مواطناتنا ومواطنينا الإعلان عن موقفه بصفة متواصلة حول هذه المراجعة الدستورية. ولقد عبّر عن رأيه واتخذ بكل وضوح موقفه في كل مرحلة من المراحل التي قطعتها عملية المراجعة الدستورية.
مع اكتمال هذه المراجعة، رأى حزبنا بأنه من المفيد ومن الضروري أن تكون مواطناتنا ومواطنونا على بينة وعلى علم، من خلال إصدار كتاب أبيض، متضمن للأهداف غير المعلنة، والغايات الحقيقية والطابع غير المفيد وغير المجدي لهذه المراجعة الدستورية.
لماذا هذا الكتاب الأبيض؟، وما مغزاه؟، وما هي غايته؟. وهناك أربعة أسباب لإعداده و إصداره:
السبب الأول: يعود لكوني دعيت شخصيا مرتين للمشاركة في المشاورات المنظمة حول المراجعة الدستورية المرتقبة. ولم ألبّ الدعوة في المرتين كلتيهما. وسبق أن شرحت أسباب عدم تلبيتي للدعوتين في أكثر من مرة. و اليوم، وقد انتهت عملية المراجعة الدستورية، فإن هذا الكتاب الأبيض يهدف إلى إظهار صدق ما أثير حولها من ريب وشكوك وتخوفات. كما يهدف إلى إظهار هذه المراجعة الدستورية في حقيقتها المتجلية للجميع، وهي مراجعة غير مناسبة، و بلا داع، وفي غير محلها من حيث وجهة نظرنا.
السبب الثاني: يتعلق بكون الشعب الجزائري – الفاعل التأسيسي الأصلي- قد أُقصي بشكل كامل من مجمل مسار المراجعة الدستورية. وإنني أعلم جيدا بأن شعبنا، وبخلاف ما يظنه البعض، من أنه مغفل أو غير مبال، أعلم أنه واع جدا مدرك تمام الإدراك بأن لا شيء يُنتظر من هذه المراجعة الدستورية. كما أنه مقتنع بأن هذه المراجعة الدستورية لم يتم تصورها أبدا لمساعدة بلدنا على الخروج من الانسداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي قاده إليه النظام السياسي القائم. ومن هذا المنظور، فإن الكتاب الأبيض يحمل الدلالة والحجة والتبيان بأن المراجعة الدستورية ليست سوى “لعبة سَرَايا”. وهي مجردة من أية فائدة أكيدة. وإنما تهدف فقط لتأجيل معالجة أزمة النظام الراهنة وليس حلها النهائي والدائم.
السبب الثالث: هو أن من حق شعبنا أن يعرف بأن هذه المراجعة الدستورية، وعلى خلاف ما يدعيه أصحابها، لا تغيّر أي شيء أساسي أو مهم في طبيعة النظام السياسي الجزائري. فالكتاب الأبيض يبين بوضوح بأن النظام السياسي الجزائري يبقى، بعد المراجعة الدستورية كما كان قبلها، فردانيا وشخصانيا إلى أبعد الحدود، وسيستمر نظاما مؤسسا على عبادة الرجل المنقذ، ونظاما استبداديا وشموليا. ويبين هذا الكتاب الأبيض، في نفس السياق، كيف دعمت المراجعة الدستورية فردانية السلطة وحشد جل السلطات بين يدي رجل واحد.
السبب الرابع: هو أنه من حق رأينا العام أن يعلم بأن البلايا التي ابتلي بها بلدنا لا تكمن إطلاقا في الدستور حصريا بل في النظام السياسي نفسه، أي في العقليات، وفي الثقافة، وفي الممارسات وفي سلوكات هذا النظام الذي يعتقد جديا و يؤمن إيمانا بأن مكانته هي فوق الدستور وفوق قوانين الجمهورية.
يهدف الكتاب الأبيض إلى إعطاء الدليل بأنه ومن دون إعادة تأسيس المنظومة السياسية القائمة فإن المراجعات الدستورية مهما كانت نوعيتها، وكيفما كان حجمها ستبقي عقيمة وجوفاء ومجردة من أبسط مفعول على بنية وحركية المنظومة السياسية الوطنية القائمة. وإن دولة القانون هي التي تمنح الدستور قدسيته، وهي وحدها من يفرض احترامه. وأما في غياب دولة القانون، فإنه لا جدوى ولا معنى ولا فحوى للدستور الذي يتحول إلى مجرد واجهة لانعدام قانون وإلى ستار لغياب الديمقراطية.
هذه هي الحوافز الحقيقية التي دفعتنا في حزب طلائع الحريات إلى إصدار هذا الكتاب الأبيض، وهذه هي الدوافع التي حركتنا بغية إطلاع الرأي العام الوطني بظاهر وباطن هذه المراجعة الدستورية التي حملها النظام السياسي القائم الكثير، و لم يتمخض عنها سوى النزر القليل.
لم ينجز هذا الكتاب الأبيض من طرف حزب معارض يكتفي بمعارضة دغماتية وممنهجة ولا يكف عن التلذذ بها؛ بل أن نشره هو مسؤولية سياسية وواجب وطني: مسؤولية سياسية وجب تحملها بإعلام شعبنا برأينا في هذه المراجعة الدستورية التي تجعل حتى الأكثر ميولا إليها في وضعية شك وريبة؛ وواجب وطني ينبغي القيام به لإعلام مواطناتنا ومواطنينا بأن المراجعة الدستورية لا يمكنها في أي حال من الأحوال أن تضع الأزمة الشاملة الحالية وراءنا بل ستبقيها أمامنا.
لم ينجز هذا الكتاب الأبيض بهدف تسجيل نقاط سياسية ضد بعض المنافسين السياسيين أي كانوا؛ لأنه لو سارت هذه المراجعة الدستورية في اتجاه الخروج من الانسداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لما تردد حزبنا في الاعتراف بذلك. ولو ساهمت هذه المراجعة الدستورية بحق في حل أزمة النظام التي يتخبط فيها بلدنا لبارك حزبنا هذا المسعى. و لو صبت هذه المراجعة الدستورية في مصب بروز نظام ديمقراطي وتشييد دولة القانون لساهم حزبنا في ذلك قدر المستطاع.
لا تكمن الأهداف الحقيقية لهذه المراجعة الدستورية على هذا المستوى بل على مستويات أخرى. ولمعرفة هذه المستويات الأخرى، أو الأهداف الأخرى يجب أن نتذكر بأن هذه المراجعة الدستورية مرت بمرحلتين متميزتين وبارزتين:
ـ فقد كانت هناك مرحلة انطلاق الثورات العربية التي تسببت في المبادرة بهذه المراجعة الدستورية يوم 15 أفريل 2011. وأمام الرعب والخوف الذي أصابه، رأى النظام السياسي القائم أنه من المستعجل جدا القيام بهذه المبادرة لتحصين نفسه من عدوى الثورات العربية. وكان النظام السياسي وقتها جاهزا إذن للقبول بإعادة النظر في طبيعته والموافقة على تنازلات سياسية مؤلمة بالنسبة إليه لكونها تحميه من المصير الذي عرفته أنظمة شبيهة في العالم العربي.
ـ لكن، وبمجرد أن لاحظ النظام السياسي القائم بأن بعض الثورات العربية حادت عن دربها الأصلي وتحولت إلى حروب أهلية، أحس بأن العاصفة قد مرت، وأنه خرج منها سالما وأنه في مقدوره استعادة كل ما كان يفكر في التنازل عنه.
هكذا عرفت المراجعة الدستورية اتجاها آخر ومرحلة جديدة غير معها النظام السياسي القائم مساره بمائة وثمانين درجة من خلال استعادة طبيعته الحقيقية وممارساته وتصرفاته القديمة. وهكذا ولدت أيضا خرافة الرجل القوي الذي يحتاجه البلد وهي الخرافة التي يرتكز عليها الخطاب السياسي الحالي للنظام السياسي القائم وممثليه.
-
رجل قوي لمواجهة التدخلات الأجنبية في شؤوننا الداخلية؛
-
رجل قوي لضمان استقرار وأمن البلد؛
-
رجل قوي للقيام بالإصلاحات الكبرى في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي لم يتمكن من القيام بها طوال سبع عشرة سنة كاملة؛
-
رجل قوي لإقامة دولة مدنية مزعومة، بينما حقيقة الأمر أن كل ما تم خلال سبع عشرة سنة المنصرمة كان يهدف إلى القضاء على المكتسبات الديمقراطية القليلة المحققة سابقا، وإلى تشييد نظام شخصاني وسد كل الآفاق المؤدية إلى دولة القانون.
إني أسأل، هل خرافة الرجل القوي الذي يحتاجه البلد لها مصداقية عندما تكون السلطة شاغرة ورأس الدولة فارغا؟.
هل تتوافق عبادة الرجل المنقذ مع دولة القانون؟. فمن يستطيع تصديق هذا الخطاب الطفيلي الذي يريد تمرير فكرة الرجل الواحد والأوحد القادر بمفرده على بناء دولة، وحماية أمة وضمان استقرار مجتمع وينسى بأن الدولة والأمة والمجتمع هي قضايا شعب وقضايا مواطنات ومواطنين؟.
إنكم تتذكرون معي بلا شك بأن النظام السياسي القائم كان قد حدد خمسة أهداف لمبادرته المتعلقة بمراجعة الدستور، وهي:
-
تدعيم الوحدة الوطنية،
-
توسيع فضاء الحقوق والحريات،
-
تدعيم دور ومكانة المعارضة في الحياة السياسية والمؤسساتية للبلد،
-
إدخال توازن أفضل بين السلطات،
-
وضمان جدية ونزاهة وشفافية المسارات الانتخابية المستقبلية.
إن أي متمعن في هذه الأهداف النبيلة والمحترمة لا يسعه سوى أن يوافق عليها ويمهرها بيديه الاثنتين؛ لكن معرفتنا بالنظام السياسي القائم جعلتنا ندرك بأن الهوة شاسعة بين الأقوال والنتائج، والفجوة واسعة بين الوعود والوفاء بها. وهذا ما بلغته المراجعة الدستورية: تصريحات بقيت على مستوى التصريحات، وتمنيات ورعة بقيت على مستوى التمنيات الورعة. لنسترجع، إذا سامحتم، هذه الأهداف الخمسة لنرى معا ماذا فعلت بها المراجعة الدستورية في الواقع.
و لنبدأ بتدعيم الوحدة الوطنية:
كيف يمكن التطلع لتدعيم الوحدة الوطنية في الوقت الذي يقصى فيه الشعب برمته من مجمل مسار المراجعة الدستورية التي تهمه بالدرجة الأولى؟. وكيف يمكن التطلع لتدعيم الوحدة الوطنية بفرض تمرير مراجعة دستورية مرفوضة من فئات عريضة من مجتمعنا؟. وكيف يمكن ننشد تدعيم الوحدة الوطنية بمنح الأمازيغية مجرد صفة لغة رسمية مشروطة وبالحد الأدنى؟. وكيف يمكن التطلع لتدعيم الوحدة الوطنية مع تصور وصياغة، ومن دون أي تردد أو حياء، المادة 51 المشينة التي تجعل من مواطناتنا ومواطنينا المقيمين بالخارج مواطنات ومواطنين من الدرجة الثانية، و تشتبه فيهم العمالة للخارج وتحتمل فيهم التخابر مع العدو.
لنمر ، ثانيا، إلى توسيع مجالات الحقوق والحريات:
إذا استثنينا الحق في التظاهر، فإن المراجعة الدستورية لم تدخل أي حق جديد، ولم تجلب أية حرية جديدة في فضاء الحقوق السياسية والمدنية. وعند الاطلاع على نص المراجعة الدستورية، نلاحظ بأن أحكامها المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان قد استفادت طوليا. لكن ذلك لا يغدو أن يكون مجرد إحساس بصري. فهذه الأحكام كانت متضمنة سابقا في القوانين ولا يتعلق الأمر سوى بأحكام تشريعية غير محترمة وغير مطبقة رفعت إلى مصف الأحكام الدستورية. فهل بترقية هذه الأحكام إلى مستوى أعلى يمكن تطبيقها بطريقة أفضل؟. إنني أشك في ذلك شخصيا ؛ ففي بلدنا لا تتعلق إشكالية الحقوق والحريات بصرامة ودقة النصوص ومكانتها في سلم وثائقنا القانونية، بل أن هذه الإشكالية مرتبطة بالإرادة وبالقناعة السياسيتين. ومن هذا المنظور، فان نظاما سياسيا شموليا، والذي هو بطبعه معاد للحقوق والحريات، لا يمكنه أن يصبح حاميا لها ومدافعا عنها نتيجة مفعول سحري ما للمراجعة الدستورية.
فيما يتعلق، ثالثا، بتدعيم دور ومكانة المعارضة في الحياة السياسية والمؤسساتية للبلد:
هنا أيضا، ظن صناع المراجعة الدستورية أنه بمقدورهم بيع الأوهام بدسترة البديهيات والجنوح إلى التغليط بالإعلان عن عموميات والتضليل بقطع التزامات من دون جوهر أو معنى. مهما ادعت المراجعة الدستورية، فإنها لا تستطيع فعل أي شيء أمام حقائق واضحة ودامغة:
-
إن تقديس الرجل القوي والرجل المنقذ الذي يعتبر ركيزة السلطة الفردية لا يتماشى و فكرة تحبيذ فكرة المعارضة والقبول بها واحترام حقوقها.
-
كما إن نظاما سياسيا كنظامنا لا يقبل التعددية السياسية، ولا يتخيل إمكانية مجيء بديل سياسي؛ لا يمكنه إطلاقا أن يتصور بأن يكون مسؤولا أمام سلطة أخرى، وبأن يرضخ للرقابة، و بأن يخضع للمحاسبة أي كان مصدرها أو شكلها.
-
إن رفض السلطات المضادة والنفور من توازن السلطات أو الفصل بينها، والعزوف عن كل ما يتعارض مع بسط سلطة فردية مطلقة هي كلها حقائق ووقائع. وما هذه الحقائق والوقائع سوى عينات من الإرث الجيني لهذا النظام السياسي ولا يوجد أي دستور يستطيع محوها أو الحيلولة دونها.
على مستوى رابع، قيل أن المراجعة الدستورية تهدف إلى إدخال توازن أفضل بين السلطات.
سيطلعكم الكتاب الأبيض على الكثير في هذا المجال. وما ألاحظه هو أن النظام الفردي يخرج من هذه المراجعة الدستورية مدعما أكثر وفي راحة أفضل. سأكتفي هنا بتقديم أربعة أمثلة:
-
المثال الأول: يبين توسع السلطة الرئاسية فيما يتعلق بالتعيينات إلى حد يتجاوز المعقول،
-
المثال الثاني: أن المراجعة الدستورية لم تزعزع في قبضة السلطة الفردية على الجهاز التنفيذي شيئا خارقا للعادة، ولم تزد البرلمان شيئا لافتا في المساءلة والمراقبة والتحقيق. ولم تحرر المجلس الدستوري من تبعيته العضوية والسياسية للمؤسسة الرئاسية،
-
المثال الثالث: حتى الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات تتبع للسلطة الرئاسية من حيث الانتقاء و التعيين،
-
المثال الرابع: كل المجالس العليا تابعة للمؤسسة الرئاسية.
لكن الأهم في كل هذا لا يتحدد في ذلك، وإنما يكمن في كون نظامنا السياسي قبل وبعد المراجعة الدستورية يبقى بعيدا عن النظام السياسي المبني إما على أساس الفصل بين السلطات، وإما على أساس التوازن بينها. ويبقى دوما نظاما يمركز السلطات بين يدي الرجل الواحد. ويبقى نظامنا السياسي قبل وبعد المراجعة الدستورية خارج كل ترتيب لنوعية الأنظمة الدستورية المعروفة في العالم: رئاسي، شبه رئاسي، برلماني أو نظام جمعيات: «Régime d’assemblée ».
Le régime politique algérien n’est ni un régime présidentiel, ni un régime présidentialiste, ni un régime semi-présidentiel, ni un régime parlementaire ni régime d’assemblée.
إننا في وضعية نظام دستوري شاذ وفريد من نوعه. أنه نظام وصفناه، في الكتاب الأبيض، بالرئاسي الفائق d’hyper- présidentialiste. لكني أخشى أن لا تعكس هذه التسمية بدقة حقيقة نظامنا الدستوري الذي لا يمكن ترتيبه في أية خانة من الخانات المتعارف عليها والمعمول بها عالميا.
وأخيرا، وخامسا، قيل إن المراجعة الدستورية تتوجه نحو ضمان جدية، وتحقيق نزاهة وشفافية المسارات الانتخابية المستقبلية:
إذا أردتم رؤية أحد حكامنا وقد أصابه الهلع وتصبب عرقا وظهر الرعب في عينيه وارتجت ركبتاه وارتجف جسمه كاملا فلا يتطلب منكم الأمر سوى أن تحدثوه عن هيئة مستقلة لتحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات. إن مجرد التفكير في هيئة كهذه يرعبه لأنه يرى فيها تهديدا قاتلا له. وقد يكون له الحق في ذلك؛ لأن هذا النظام لا يمكنه العيش بدون التزوير الانتخابي الذي رفعه إلى مصف منظومة بكامل أركانها ووضعها بين أيدي جهاز سياسي- إداري يفعل بالانتخابات ما يريد، ويوجهها كما يريد، ويستنتج منها ما يريد. إن الهيئة التي جاءت بها المراجعة الدستورية لا هي عليا ولا هي مستقلة. نعم، ليست عليا لأنه يوجد ما هو أعلى منها: الجهاز السياسي الإداري المحضر والمنظم والمؤطر للانتخابات والمجلس الدستوري الذي يسير بأوامر المؤسسة الرئاسية والذي يشفع أو يبطل أو يفسد ما تقوم به الهيئة المذكورة. وهذه الهيئة ليست مستقلة لأنها مزدوجة الارتباط من خلال الانتقاء والتعيين المخولين للسلطة الرئاسية التقديرية. وهكذا، وبعدما كانت آلية من آليات التزوير تتمثل في هيئتي مراقبة أحدثهما قانون الانتخابات الساري المفعول، ها نحن شهود على ميلاد آلية جديدة سيأخذ منها شريكا في التزوير بموجب الدستور الجديد للنظام السياسي القائم. وعليه، فالجهاز السياسي- الإداري المزور سيبقى سيد المسارات الانتخابية مستقبلا، ولا يغير شيئا في الاستيلاء على حكم الشعب السيد ومصادرته الكاملة.
لنقل إذن، و هذا أقل ما يمكن قوله، إن نهاية التزوير الانتخابي لم تدق ساعتها بعد، ولم يقترب أجلها بمقتضى التدبير الدستوري الجديد الذي- و على عكس ما كان مطلوبا- يمدد في عمر التزوير، ويبعد أفاق القضاء عليه والتخلص منه كخطوة أولى لإعادة الاعتبار للمواطنة واحترام خيار الشعب السيد وبناء صرح دولة القانون.
وبينما تصرف المراجعة الدستورية الأنظار في إطار عملية هروب إلى الأمام وتشغل الناس عن التحديات الحقيقية التي تواجه البلد، تبقى أزمة النظام من دون تكفل ومن غير معالجة وبحل مؤجل.
إن التحديات الناتجة عن أزمة النظام معروفة، ولكني أود التذكير بها مجرد تذكير عابر، ويتعلق الأمر بما يلي:
-
أولا، شغور السلطة،
-
ثانيا، عدم شرعية المؤسسات من القاعدة إلى القمة،
-
ثالثا، استيلاء قوى غير دستورية على مركز صنع القرار الوطني،
-
رابعا، تفتت مركز القرار الوطني تحت تأثير الاختلافات والتناقضات بين هذه القوى غير الدستورية،
-
وخامسا، التوقف شبه الكامل للمؤسسات وللإدارة العمومية عن النشاط بسبب شغور السلطة في الوقت الذي يواجه فيه البلد انسدادا سياسيا شاملا ووضعية اقتصادية بالغة الخطورة وآفاقا اجتماعية جد مقلقة.
هذه هي التحديات الحقيقية التي، للأسف، لا تجد حتى بداية رد أو إجابة في المراجعة الدستورية. ولهذه الأسباب تبقى هذه المراجعة الدستورية، بالإضافة لطابعها التسويفي والتقسيمي، جوفاء وعقيمة حيث أنها لا تصب في اتجاه حل أزمة النظام الفتاكة التي يعاني منها البلد، ولا ترقى لمستوى التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهز أركان الدولة الوطنية و تغذي الاخفاق الاقتصادي و تزيد صدع الاستقرار الاجتماعي صداعا فوق الصداع.
لقد طويت صفحة دستور النظام، لكن كتاب أزمة النظام الكبرى يبقى كتابا مفتوحا.
ا. علي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات ـ الجزائر
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)