التحوّل الديمقراطي في الجزائر أصبح فرض عين بعد ان كان كفاية

التحوّل الديمقراطي في الجزائر أصبح فرض عين بعد ان كان كفاية

مارس 01, 2016 - 16:56
تم التحديث: 11 سنوات منذ
12 10.3ك
التحوّل الديمقراطي في الجزائر أصبح فرض عين بعد ان كان كفاية

منذ أسبوعين أعدت الأمانة الوطنية لحزبنا، حزب طلائع الحريات، المكلفة بالدراسات والتكوين كتابا أبيض حول المراجعة الدستورية التي تمت في السابع من فبراير الجاري. و لدى إعدادهم لهذا الكتاب الأبيض واجه كل ما يضم الحزب من قانونيين، ولاسيما خبراء في القانون الدستوري وفي القانون العام و من ذوي الاختصاص في العلوم السياسية وفي علم الاجتماع السياسي؛ واجه قلت كل هؤلاء الخبراء و المختصين تحد مذهل و مضن: ألا وهو محاولة تصنيف النظام السياسي الجزائري في قائمة الأنظمة الدستورية الموجودة على وجه المعمورة؟؟.

لقد تساءل خبراؤنا ومختصونا عما إذا كان نظامنا السياسي رئاسيا؟. وأجابوا بالنفي. وتساءلوا عما إذا كان رئاسويا و أجابوا بالنفي القاطع كذلك. وتساءلوا عما إذا كان شبه رئاسي، وأجابوا بالنفي الجازم. وتساءلوا عما إذا كان برلمانيا، و أجابوا بالنفي المطلق؛ و تساءلوا عما إذا كان ينتمي إلى صنف نظام الجمعيات، وأجابوا بالنفي الثابت.

فكم استعصت عليهم عملية تصنيف نظامنا السياسي ووضعه في أي قائمة من قوائم الأنظمة السياسية المتعارف عليها و المتبناة دوليا. وما كان لهم في وجه هذه المعضلة سوى اللجوء إلى استحداث مفهوم جديد، – وهو مفهوم أقرب و أكثر ملاءمة لطبيعة النظام السياسي الجزائري-، و هذا المفهوم الذي ابتكروه واستحدثوه هو مفهوم: “النظام الرئاسوي الفائق”.

إن نظامنا السياسي فريد من نوعه، ولا مثيل ولا نظير له على وجه الأرض. و يستحيل مقارنته بأي نظام سياسي آخر معمول به عالميا.

ما هي يا ترى هذه المميزات وهذه الخصائص التي ينفرد بها نظامنا السياسي، والتي تفسر غرابته و تفرده؟؟. وما هي طبيعته الشاذة والمنحرفة عن القواعد والمقاييس السياسية والمؤسساتية التي تخضع إليها باقي الأنظمة الدستورية في العالم؟. و ما هي نوعيته التي تحول دون ترتيبه و تصنيفه؟.

إن نظامنا السياسي لا يقوم على مؤسسات تراعى استقلاليتها و تحترم صلاحياتها، وإنما هو مبني على عبادة الشخصية وعبادة الرجل القوي وعبادة الرجل المنقذ وعبادة “الزعيم”. ولقد بلغت هذه العبادة قمما في التجاوزات والمبالغات والإفراط لم يشهدها بلدنا عبر تاريخه الطويل.

إن هذه العبادة غريبة عن قيّمنا ودخيلة على ثقافتنا ومشوّهة لتصورنا للقائد أوالحاكم. وبالفعل فإنه لم يسبق لبلدنا وأن مرّ بمرحلة وُضِعَ فيها رجلٌ – ورجل واحد- فوق الدولة وفوق الأمة وفوق المجتمع وفوق المؤسسات وفوق الدستور وفوق القانون.

وللعلم، فإن هذه العبادة لا تخلو من توابع وتداعيات.

  • فعبادة الرجل المنقذ تضرب بباقي المؤسسات الدستورية عرض الحائط، وتؤدي إلى حشد كل السلطات بين يدي رجل واحد غير قادر بمفرده على تحملها والاضطلاع بها على وجه التمام والكمال.

  • وعبادة الرجل المنقد تسكت النقد وتسقط المحاسبة وتبطل المساءلة وتمنع حدوث فصل أو توازن بين السلطات. ومن هذا المنظور، يتوجب علينا أن نلاحظ بأن المؤسسات الدستورية – أي مؤسسات الدولة ومؤسسات الجمهورية – لم تعد مؤسسات تمارس صلاحياتها دون تدخل أو تأثير. وإنما تحولت إلى مجرد أجهزة في خدمة السلطة الفردية، و أصبحت هياكل تابعة وأدوات خاضعة للسلطة الوحيدة وللسلطة البارزة وللسلطة المهيمنة وللسلطة الطاغية في منظومتنا السياسية، ألا و هي سلطة رجل ـ ورجل واحد – يُقَدَّمُ على أنه الرجل المنقذ والرجل القوي الذي يحتاجه البلد أيما حاجة.

أقولها بصدق وإيمان راسخ وبضمير مرتاح وبصوت عال و بلسان طليق: لا وجود بتاتا لتوازن السلطات أو الفصل بينها في منظومتنا السياسية. وكل ما في الأمر هو تمركز للسلطات في يدي رجل شكل حوله من الزبائنيات و الولاءات ما يكفيه ليضمن تقديمه كالرجل المعجزة و كالرجل المنقذ.

  • وعبادة الشخصية قد جرتنا إلى وضع لم يعد فيه وجود للوساطات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية. و كل ما هناك هي زبائنيات سياسية واقتصادية واجتماعية تدور في فلك النظام الفردي والشخصاني، و تُكَوِّنُ عنده الانطباع الخاطئ بأن صداه في المجتمع مضمون، وأنه يحضى فيه بالتجاوب والرضى و القبول.

إن معشر المواطنات والمواطنين يعلمون علما يقينا، وكما أعلم علما يقينا، بأن المؤسسات الوطنية لا تمثلهم تمثيلا أكيدا، وأن المؤسسات المحلية ليست من خيارهم السليم والصحيح، وأن أبواب التمثيل الجمعوي مسدودة أمامهم، و أن الإدارة العمومية ليست لهم و إنما لغيرهم.

  • وعبادة الشخصية، أخيرا، تولدت عنها هيمنة السلطة الفردية والشخصانية على كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهنا تكمن الطبيعة الشمولية لنظامنا السياسي. فمن طبيعة الأنظمة الشخصانية ومن ذهنياتها أن تصبو إلى فرض قبضتها الحديدية على المؤسسات وعلى الإدارة العمومية وعلى المجتمع المدني وعلى الفضاء الاقتصادي وعلى المشهد الإعلامي.

وليس في كل هذا مجال للمفاجأة أو للتعجب أو للاستغراب؛ فالنظام الفردي والشخصاني لا يطيق سلطة مضادة أيا كانت. ولا يقبل بأن يكون مسؤولا أمام أي كان، و لا يتحمل الرقابة من أية جهة تأتي، ويتعالى فوق واجب تقديم الحساب لأي كان.

 ومجمل القول في هذا الموضوع، أن عبادة الرجل المنقذ أو الرجل القوي الذي يزعم أن البلد بحاجة إليه هي أول مرض تعاني منه منظومتنا السياسية، ولكنه ليس المرض الوحيد. فمنظومتنا السياسية تعاني، أيضا،  من مرض غياب الشرعية و انعدام التمثيل.

فكل واحد منا يدرك إدراكا كاملا بأن مؤسسات البلاد من القاعدة إلى القمة فاقدة للشرعية الأصلية ومسلوبة للطابع التمثيلي الحق.

إن انعدام الطابع التمثيلي في مؤسساتنا مرده المباشر والمكشوف عزوف مواطناتنا ومواطنينا عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية كيفما كان مستواها أو نوعها: رئاسية، تشريعية أو محلية. فلقد حطم هذا العزوف خلال العشرية المنصرمة أرقاما قياسية كما أفصحت عن ذلك حتى الإحصاءات الرسمية المضخمة؛ وبالنظر إلى حجم هذا العزوف يحق الحديث عن احتجاج مدني عارم.

فما هي، يا ترى،  مسببات هذا العزوف المقلق بالنسبة لكل من يعرف بأن قوة أي دولة ولحمة أي أمة واستقرار أي مجتمع هي كلها مبتغى لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الثقة التي تمنحها المواطنات ويمنحها المواطنون للحكام ومن خلال المصداقية التي يعترفون لهم بها، وعبر سلطتهم التي يقبلون بها، و لا يطعنون فيها؛ لأنها غير قابلة للطعن حقا.

إن أول سبب العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية هو أن كل جزائرية و كل جزائري يحس أنه لا يتمتع بمواطنة حقة وأصلية فوق أرضه. و يعي أن في بلده مُواطَنتين: مواطَنة فوق العادة، أو مواطنة مطلقة محفوظة ومضمونة ومصونة لأقلية محظوظة، و مواطنة تحت العادة أو مواطنة نسبية ترضخ تحت نيرها أغلبية مهمشة ومقصية لا يحسب لها أدنى حساب. فمن لا يشعر بمواطَنة كاملة غير منقوصة يحجم عن المشاركة في الانتخابات، ولا يدلي بصوته فيها. وهذه هي طريقته الخاصة والمبتكرة للتعبير عن رفضه لتسيير شؤون الأمة من طرف أقلية بعينها، وللإعلان عن رفض معاملته كقاصر سياسي، وعن إقصائه أو تهميشه عن صنع القرارات التي تهمه قبل غيره.

والسبب الثاني هو أن كل جزائرية و كل جزائري قد استنتج من التزوير ما توجب عليه أن يستنتج منه، و هو انعدام  الجدوى من الإدلاء بصوته؛ فصوته ليس ملكا له و إنما هو حبيس قرار غيره.

إن نظاما فردانيًّا و شخصانيًّا كالذي فُرض على شعبنا فرضا لا يتجانس ولا يتناغم مع التعبير المواطناتي الحر وغير المقيد وغير المكره. ولكن كل الأنظمة الشمولية تتصور نفسها عليمة بكل شيء و قادرة على كل شيء ومعصومة من الوقوع في الخطأ والسقوط في الضلال. و النظام السياسي القائم في بلدنا لا يمثل استثناءً لهذه القاعدة. فهو يظن أنه العارف الوحيد بما هو خير لنا أو بلية علينا. ولا يتورع من أمرنا بوضع مصيرنا ومصير البلد كله بين يديه بدون جدل أو نقاش. ويضع نفسه في الخط الأمامي ويطلب منا المشي وراءه دون مساءلة عن السير الذي يفرضه علينا، أو عن الاتجاه الذي اختاره لنا، أو عن الوجهة التي ينوي قيادتنا نحوها، والتي لا أحد يدري بها إلا هو.

إن النظام السياسي القائم في بلدنا يحدث نفسه ولا يحدثنا، ويشاور نفسه ولا يشاورنا، ولا يتواصل إلا مع نفسه و لا يتواصل معنا. إنه نظام يحدد الأهداف ولا يكلف نفسه عناء التأكد من مطابقتها لأهدافنا، و يحدد طرق السير دون الأخذ برأينا فيها. و لا ينتظر من كل واحدة و من كل واحد منا سوى الطاعة والولاء أو ـ وهذا ما يستحسنه و يتلذذ به أكثر- التمجيد و التهليل و الإجلال.

أما السبب الثالث لعزوف الجزائريات والجزائريين عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، فإنه يكمن في معرفتهم بأن دولتهم لم تعد دولة الجميع، بل أصبحت دولة البعض فقط. كما أنهم يعرفون بأن المؤسسات لا تعبر عن لسان حالهم، وأنها لا تدافع عن مصالحهم ولا تحمي حقوقهم. وهم يعرفون بأن حتى الإدارة العمومية منشغلة بملاطفة النظام السياسي القائم وكسب رضاه أكثر مما هي متمسكة بالتكفل بحاجيات المواطنات والمواطنين، ومعالجتها على الوجه المطلوب والمنتظر منها.

هكذا تعمقت الهوة وتوسعت يوما بعد يوم بين الحكام والمحكومين. وأصبح الشعب في واد والحكام في واد آخر، و بينهم أكثر من سوء تفاهم وأكثر من عدم تفاهم. وتجلى للجميع أن بين الحكام والمحكومين هناك انفصاما في الحوار وفسخا لعلاقة الثقة و تصدعا في هيبة الدولة و سلطتها.

لما يحتمي الحكام بأبراج عاجية ولما يرفعون الأسوار بينهم وبين كل ما هو نقدي أو مغاير أو مزعج بالنسبة لهم، ولما يعتقدون بأنهم وحدهم على صواب و كل الآخرين على خطأ، فإن تصرفات وممارسات كهذه تضعف الدولة و تهز أركان المجتمع وتضع لحمة الأمة في خطر.

هذا ما أردت لفت الانتباه إليه في موضوع انعدام الطابع التمثيلي في نظامنا السياسي. لكن مآسي هذا النظام لا تقتصر على هذا فحسب، وإنما تمتد إلى انعدام الشرعية فيه.

يعرف كل واحد منا مكمن انعدام هذه الشرعية. إن مكمنها متجل في التزوير المخجل والمشين الذي يغتصب إرادتنا و يصادر أصواتنا و يشوه خياراتنا. وإن ورقة التصويت التي تُقَوَّل ما لم تقل ليست مجرد ورقة يتم التلاعب بها، وتُرمي مع المهملات؛ وإنما مغازيها و رموزها أكبر من هذا وأخطر. إن ورقة التصويت التي يتم التلاعب بها و تُرمى مع المهملات تعني أن مواطنات و مواطنين قد حرموا من حقهم في اختيار قادة الأمة الشرعيين. و تعني أن مواطنات و مواطنين قد تم إقصاؤهم من المشاركة الحقيقية في تسيير الشأن العام، و تعني أن مواطنات و مواطنين قد تم المساس بأقدس ما تشتمل عليه مواطنتهم، ألا وهو الشعور واليقين بالانتماء إلى دولة فاضلة… دولة الحق والقانون… والدولة العادلة والمنصفة وغير المنحازة.

ويعني التزوير، أيضا، أن شعبا تنتزع منه سيادته غصبا عنه. وهو شعب لم يعد مصدرا لكل السلطات، أي شعب يرى أن الدولة والمؤسسات التي وضعها لتخدمه قد جرى تحويلها نحو أغراض أخرى غير أغراضه.

لما نتكلم عن تطلعنا لبعث حكم راشد في بلدنا فإننا نعني بذلك، وفي المقام الأول، شرعية المؤسسات المؤكدة وطابعها التمثيلي الحق. وفي هذا الإطار تتكاثر الأسئلة المطروحة، وإنني أكاشفكم عن هذه الأسئلة التي أطرحها على نفسي:

  • هل من الممكن بناء دولة قوية ومحترمة في الداخل والخارج في غياب الشرعية وانعدام الطابع التمثيلي لدى مؤسساتها و قادتها؟. لننظر حولنا وسنجد الجواب عن هذا السؤال. فلا توجد دولة في العالم ضمنت أمنها و استقرارها و رقيها ورفاهيتها من دون مؤسسات وحكام شرعيين وممثلين لشعوبهم نزهاء وصادقين في التمثيل.

  • هل من الممكن الحفاظ على تجانس وتلاحم الأمة في غياب الشرعية وخسوف الطابع التمثيلي لدى مؤسساتها و قادتها؟. انظروا من جديد حولكم، وستجدون الجواب عن هذا السؤال أيضا. إن الانشقاقات داخل الأمة الواحدة والتناحر بين الأشقاء والحروب الأهلية لا تجد الظروف المساعدة على اندلاعها وتفجرها كما تشهد على ذلك الكثير من التطورات المأسوية في العالم العربي الذي أنهكته واستنزفت قدراته ومقوماته الكثير إلا في الأنظمة الشمولية التي عاثت في أراضيه ظلما وباطلا وطغيانا وتعسفا.

  • هل من الممكن الحفاظ على استقرار المجتمعات وضمان تطورها ونموها في غياب الشرعية وانعدام الطابع التمثيلي لدى مؤسساتها وقادتها؟. انظروا حولكم مجددا، وستلاحظون أن المجتمعات الأكثر حركية و إبداعا وتطورا ورفاهية هي المجتمعات التي نجحت في تزويد نفسها بمؤسسات و قادة شرعيين يتوفر فيهم الطابع التمثيلي غير القابل للطعن أو التشكيك.

  • هل من الممكن أن تقوم دولة الحق والقانون في بلادنا في غياب الشرعية وانعدام الطابع التمثيلي لدى مؤسساتنا وحكامنا؟. هذا بالذات ما يريد النظام السياسي القائم إيهامنا به. فبالرغم من كل ما يُدَرِّسُهُ تاريخ البشرية، وبالرغم من كل ما تشهد عليه تجارب الأمم الأخرى، فإن حكامنا يصرون ويتفانون في محاولة إقناعنا بأنهم حاملون لمشروع بناء دولة الحق والقانون في بلادنا. انظروا حولكم مرة أخرى، وستتأكدون بأنه لم يسبق وأن شُيد نظام شمولي دولة حق وقانون، وبأنه من المستحيل على نظام شمولي أن يصمد و يدوم في ظل دولة حق وقانون تتنافى و كل خصائص ومميزات أي نظام شمولي مهما كانت طبيعته.

تبنى دولة الحق والقانون على يد مؤسسات وحكام تتوفر فيهم حقا الشرعية والطابع التمثيلي. فلا شك ولا ريب و لا تلاعب ممكن مع هذه القاعدة التي أثبتت صلاحيتها وصلابتها العشريات بعد العشريات من التحولات الديمقراطية في عالمنا المعاصر.

  • هل من الممكن رفع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة المطروحة في بلدنا في غياب الشرعية وانعدام الطابع التمثيلي لدى مؤسساتنا وحكامنا؟. انظروا حولكم مرة أخيرة، وستلاحظون أن العالم كله شاهد على أن في وقت الصعاب، وعند اشتداد الأزمات ليس هناك من سبيل صالح ومن أداة ناجعة للتصدي للصعاب و تجاوز الأزمات إلا في شرعية المؤسسات والحكام وطابعهما التمثيلي الأكيد. فلا غرابة ولا عجب في هذا؛ لأن المؤسسات والحكام الشرعيين و المعترف لهم بطابعهم التمثيلي هم وحدهم من يقدرون على تعبئة شعوبهم وتحسيسهم بجسامة الرهانات، و مطالبتهم بما يستلزم من جهد وتضحيات بغية كسبها.

لقد رأينا كيف أصيبت المنظومة السياسية الوطنية بمرض الرجل المعجزة والرجل المنقذ والرجل القوي، و لقد رأينا كذلك ما فعل بذات المنظومة مرض غياب الشرعية وانعدام التمثيل. وإلى جانب هذين المرضين، هناك مرض ثالث تعاني منه المنظومة السياسية الوطنية، وهو المرض الذي تسبب فيه غياب مشروع وطني شامل وجامع ومعبئ ومجند. فماذا نعني بمشروع وطني كهذا؟.

ـ إننا نعني به مشروعا وطنيا يعرض على مواطناتنا ومواطنينا تصورا لنظام الحكم الذي نريده لبلادنا ويسعى لإقناعهم بالقبول به،

ـ ونعني به، كذلك، مشروعا وطنيا يقدم لمواطناتنا ومواطنينا نموذجا اقتصاديا لائقا ببلدنا، ويحثهم على الالتفاف حوله والمشاركة في تجسيده،

ـ ونعني به، أخيرا، مشروعا وطنيا يحمل نموذج مجتمع يثير في مواطناتنا ومواطنينا رغبة العيش فيه والتجمع من أجل تشييده.

إن المنظومة السياسية الوطنية لازالت في انتظار إصلاحها وعصرنتها. ومن هذا المنظور، لا يمكن الجزم بتاتا بأن المراجعة الدستورية الأخيرة قد خطت خطوات مفصلية في هذا الاتجاه. فبعد حدوثها تجلى للعيان أنه لم يكن في مقدورها تغيير طبيعة نظامنا السياسي الشخصاني والشمولي؛ لأن ذلك لم يكن من بين أهدافها إطلاقا. فهدفها كان و لا يزال ممثلا في ترسيخ حكم فردي مدى الحياة.

إن بلدنا لا يزال ينتظر ميلاد دولة القانون التي تعيد الاعتبار للمواطنة الحقة، وتفرض احترام سيادة الشعب، وتحمي الحقوق والحريات، وتكرس مبدأ مسؤولية الحاكم عما يفعل، وتضع الدستور والقوانين في مأمن من التجاوزات والخروقات، وتجعل من الدولة حامي الصالح العام وصائن المصلحة الوطنية.

هذه هي الركائز الأساسية للعصرنة السياسية التي يصبو إليها بلدنا، والتي من دونها لا يمكنه كسر الانسداد السياسي الذي يتخبط فيه، أو رفع التحديات التي تلاحقه من كل جانب، أو مواكبة مقتضيات محيطه و عصره.

وإلى جانب المنظومة السياسية الوطنية العصرية التي طال انتظارها، هناك إشكالية النموذج الاقتصادي المرجو لبلادنا، والتي تنتظر هي الأخرى التكفل بها وفكها.

كلنا يعلم أن بلدنا لا يُسيَّرُ طبقا نموذج اقتصادي واضح المعالم والمراجع والأدوات والأهداف. وما يزيد هذا الغموض انغلاقا، وهذه الضبابية دكانة هو ظهور حكامنا وكأن الوضع المعيش لا يحرجهم ولا يقلقهم، ولا يحرك لهم ساكنا قصد تقويمه وتصويبه.

لقد كرر حكامنا مرارا بأنهم يرفضون النموذج الليبرالي والنموذج الاشتراكي على حد سواء. غير أن رفضين لنموذجين معروفين لا يمكن أن يصلحا لابتكار نموذج ثالث غير معروف. وعليه، فإن المنتظر من حكامنا هو أن لا يكتفوا بتشخيص النماذج الاقتصادية محل رفضهم، وإنما أن تكون  لهم من الجرأة والبصيرة والابتكار ما يخبرنا بالنموذج الذي يرتضونه لبلادنا، ويطلعوننا على أشكاله وأوصافه.

لعل النظام السياسي القائم في بلدنا لا يعرف ما هو النموذج الاقتصادي المطلوب في بلدنا، و لا يدري كيف يشرع في تشييده؟؟، لكن شعبنا يدرك ذلك.

إن شعبنا لا يريد اقتصادا ريعيا يعصف به كل تقلب في الظرف الطاقوي العالمي، ولا يرغب في اقتصاد تابع تبعية شبه كاملة للخارج من حيث سد أبسط حاجياته. ولا يبغي اقتصادا يستنزف قدراته التبذير والاختلاس والرشوة والممارسات الاقتصادية والتجارية المخالفة للتشريعات الوطنية على نطاق واسع. ولا يميل إلى اقتصاد تنهكه الزبائنية و المحسوبية والمحاباة. ولا يستسيغ اقتصادا خاضعا لأوامر فوقية سياسية أو بيروقراطية متسلطة.

يحن شعبنا إلى اقتصاد وطني تُثَمَّنُ فيه كل الموارد، وتسهم فيه كل القدرات البشرية التي يزخر بها البلد. ويهفو إلى اقتصاد وطني تُعبأ وتستغل فيه كل مواطن تنويع خلق الثروات، ويريد اقتصادا وطنيا يعيد الاعتبار لحرية المبادرة ويشجعها ويحميها. إنه يطمح في اقتصاد وطني يسهل إنتاج  الخيرات، و ويحارب بلا هوادة المضاربة والممارسات الاقتصادية الطفيلية بكل أشكالها. ويطمع في اقتصاد وطني نشط وخلاق وتنافسي و متفتح على محيطه العالمي.

لم تستوعب حكامتنا الاقتصادية الراهنة، ولم تقتد بدروس إخفاقاتنا الاقتصادية الماضية. ولقد ارتكبت نفس الأخطاء، ومُنيت بنفس الفشل. بل أكثر من هذا وذاك، فإنها أجهضت الإقلاع  الاقتصادي للوطن بالرغم من كل الظروف المواتية التي حضي بها في ظل وفرة مالية غير مسبوقة.

لقد أنتج النظام السياسي القائم انسدادا سياسيا كاملا، وهذه هي مأساة البلد الأولى. وتسبب في إخفاق اقتصادي، وهذه مأساة البلد الثانية. وتولد عن الانسداد السياسي و الإخفاق الاقتصادي وضع اجتماعي غير مريح، وهذه هي مأساة البلد الثالثة.

إن مجتمعنا قد ضيع معالمه و مراجعه الأخلاقية. و ابتعد عن منظومة القيم العريقة والأصيلة التي ورثها أبا عن جد. وفقدت فيه قيّم المساواة والتضامن والعدالة الاجتماعية معناها وفحواها. واستخلف في سلم قيمنا السباق نحو الثراء السهل – أو حتى المشبوه – العمل والجهد والكسب الحلال، وتفشى الإقصاء والتهميش اللذان لا يثيران سوى التجاهل و انعدام المبالاة، و أخذت العصبية والجهوية والأنانيات و الانكماش على الذات أبعادا لم نعهدها من ذي قبل.

فقد مجتمعنا حيويته وصار مجتمعا ضعفت إرادته واضمحل حزمه وعزمه. ولنا أن نسأل: لماذا؟. لأن النظام السياسي القائم حرص كل الحرص على إبقائه في حالة ركود و رقود، ولأنه لو خُيِّرَ هذا النظام السياسي لفضَّل مجتمعا خاضعا ومنقادا على مجتمع نشط ويقظ ومتحمس ومبدع ومتسامح ومتفتح.

إننا لا نطالب بانتقال ديمقراطي من منطلق مطالبة دوغماتية غير ناضجة وغير هادفة. ولا نطالب بانتقال ديمقراطي لأننا نُسيء فهم دورنا ونحشره في التحرش الممنهج ضد النظام السياسي القائم. وليس لنا من هدف في ذلك سوى أن نكدر طمأنينته ونعرقل مشاريعه  ونعكر صفو اجتهاداته ونصعب أداء واجباته ونحول بينه وبين الاضطلاع بمسؤولياته.

ولا نطالب بانتقال ديمقراطي؛ لأن الانتقال الديمقراطي موضة أثارت و لعنا بها، وولّدت فينا ميولا لتقليدها.

  ولا نطالب بانتقال ديمقراطي من منطلق اقتدائية عفوية، وآلية بما يجري خارج حدودنا ومن دون تقدير أو تمييز، ومع غياب للتبصر.

إننا لا نطالب بانتقال ديمقراطي بغرض الهدم، وإنما بقصد البناء. ولا نطالب به من باب التخريب وإنما من أجل الإصلاح. و لا نطالب به من منطلق عدمي، وإنما من منطلق التجديد المثري والتغبير الإيجابي.

إننا نطالب بانتقال ديمقراطي؛ لأنه في مصلحة البلد العليا، ولأنه مقتضى استعجالي وحيوي بالنسبة له. كما أننا نطالب بالانتقال الديمقراطي؛ لأن فيه عصرنة منظومتنا السياسية وإقلاع البلد الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي. وهذه أهداف لا يمكن تحقيقها في غيابه. و أننا نطالب بالانتقال الديمقراطي لأن لا سبيل للقضاء على الركود و الجمود والانسداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في بلدنا إلا به كوسيلة وأداة.

إن ديمومة النظام السياسي القائم هي رديف الاخفاق المتكرر والفشل المتجدد. وأما الانتقال الديمقراطي، فهو من صنو السير إلى الأمام سيرا جامعا ومجندا. وهو لازمة الطموحات الوطنية المعبئة، وهو عنوان الأفاق الجديدة الواعدة.

إن هذه المنظومة لم تَعُدْ تواكب مستلزماتُ عصرها ومقتضياتُ محيطها. وبالتالي استوجبت عصرنتها قصد تمكين بلدنا من سبل تطوره ورقيه وازدهاره.

وإن عصرنة منظومتنا السياسية تعني إعادة تأسيسها. وإعادة تأسيسها تمر حتما عبر انتقال ديمقراطي قد يكون محل تأخير أو إرجاء لكنه قادم و زاحف لا محالة.

الأستاذ علي بن فليس  رئيس حزب طلائع الحريات ـ الجزائر

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (12)

User
اشهبار
اشهبار 11 سنوات منذ
<strong>عمار وقادة</strong> نعم النقاش هو. و نعم الاخوة و تحية.
عمار
عمار 11 سنوات منذ
<strong>إبن الجزائر</strong> إعتذارك مقبول يا أخ قادة، ألم أقل لك يا صديقي بأن في هذا الشعب الذي ننتمي إليه من الرجال من يعتذر عندما يشعر بالخطأ في حق أخيه، و إنه لتصرف يقوم به الرجال و فقط. قلت بأن السلطة تتحمل المسؤولية كاملة و أمامها خيارين، 1- توضيح الخطأ مع الإعتذار و بعده تصحيح المسار؟ 2- مواصلة التسلط و الغطرسة و بالتالي الإنتحار؟ فما فائدة هذه الأحزاب التي لا تعد و لا تحصى أليس للتفرقة و التشتيت؟ و رؤساء أحزاب يعترفون بأنفسهم بأن همهم الوحيد المناصب و الكراسي، و أحزاب معارضة لا تستطيع أن تجتمع في حزب واحد لتعطي مثالا للمعارضة الحقيقية، و تسمي نفسها حزب المعارضة مثلا ؟ و كثيرة هي الأخطاء التي على السلطة أن تعترف بها ؟ و الشعب نفسه بريء من كل هذا. أما الأخيار من هذا الشعب فيجب أن يتكلموا ليس بإسم حزب أو شخص بل بإسم الجزائر و شعارهم : نجمع و لا نفرق، نوحد و لا نشتت، نبصر و لا نكفر ، نيسر و لا نعسر كلمات قرأتها في محل من المحلات، فحفضتها في دقيقة لأنها معبرة. يا أخ قادة الأمل موجود و التفاؤل قائم و الجزائر بخير. و لله في خلقه شؤون؟
قادة
قادة 11 سنوات منذ
<strong>عرفنا الداء وسيهدينا الله للدواء</strong> إلى عمار إبن الجزائر إن لم تكن من الشياتة فإني أعتذر لك ومن خلالك لك جزائري حر غيور على وطنه يحبه في الله ، لكنني لابد أن أنبه إخوتي لما قلتَ بأننا وافقنا على المصالحة ومسحنا دموعنا وحاولنا نسيان مأساتنا فما رأيك هل كان حكامنا في مستوى هدوء الشعب واستجابته وحسن نيته ، طبعا لا فقد تمادوا في غيهم وافتعلوا الصراعات فيما بينهم وخذلونا وغدروا بنا لأنهم كذلك يفعلون منذ 53 سنة ، لم يتعظوا مما جرى لنا ولم يظهروا حسن النية بل بالعكس قلبوا للشعب ظهر المجن أولا بتبذير خيراتنا وعدم تسطير أي برنامج للتنمية الاجتماعية حتى ضاع الأمل في أي تطور نحو الأمام والخروج من دائرة التخلف ، واليوم بعد انهيار أسعار النفط والغاز وضياع الفرصة ها هم يعودون لنا بمخططات التقشف التي عشناها منذ سنين .. تطلب مني البديل أنا والله في حيرة من أمري لكن المهم أننا عرفنا سبب الداء وهي خطوة أولى للبحث عن الدواء ولاشك أن فطنة الشعب الجزائري - بفضل الله - سيهتدي للدواء .. اللهم احفظ بلدنا من كل هزة تعيده إلى أسفل سافلين .. آمين
عمار
عمار 11 سنوات منذ
<strong>إبن الجزائر</strong> و أضيف شيئا آخر يا أخ قادة، هو أن المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار؟ و ثقتنا في الله كبيرة لقوله تعالى في صورة هود:&nbsp;(&nbsp;( و ما كان ربك ليهلك القرى و أهلها مصلحون&nbsp;)&nbsp;) فالصلح و المصالحة التي قام بها الشعب و لبى نداءها ستكون بإذن الله خير واق، و قد يصبح المفسد مصلحا، و لله في خلقه شؤون؟؟؟؟
عمار
عمار 11 سنوات منذ
<strong>إبن الجزائر</strong> يا قادة نحن أبناء الجزائر ، أنا ذكرت بعض سلبيات السلطة كما ذكرت أنت مجموعة من الخسائر و كل ما قلناه صحيح، و لكنني أعطيت حلا أراه شخصيا صائبا في هذه المرحلة و لا ألزم به أحد ألا و هو: الصبر و الحذر؟ أعطيتك حلا و لكنك و صفتني بالشيات و لم تذكر الحل البديل؟ لقد تسرعت، فما بالك لو يتسرع الشعب بأكمله؟ نعم فقدنا الكثير و خاصة الأرواح، و أعطى الله الصبر و الإيمان لهذا الشعب فدخل في مصالحة لا تتحقق إلا في الجزائر، لهذا يا صديقي أنا شخصيا أكن لهذا الشعب كل التقدير و الإحترام. دعت السلطة الشعب للمصالحة فأستجاب ومسح الدموع و دفن بداخله الألم و الحقد و الإنتقام و قال نعم لجزائر السلم و الهناء و الرخاء، فالمسؤولية اليوم على السلطة وحدها و الحبل في عنقها؟ إذا كان الشعب قد لبى نداء المصالحة فكيف لهذا الشعب ألا يكون رائدا في كل شيء؟؟ أتدري يا صديقي ما الشيء الذي يحرك الشعوب هي القادة &nbsp;(القائد&nbsp;)، و الشعب اليوم ليس كشعب الستينات و السبعينات فهو يعي بأن القائد يجب أن يكون محل ثقة، و الثقة معناها: قدوة و همة و أفكار و حلول و قوة إقناع. و نحن يا صديقي نثق في الله، و الآية الثامنة و الأربعون من سورة الطور و هي قوله تعالى: &nbsp;(&nbsp;( و أصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا و سبح بحمد ربك حين تقوم&nbsp;)&nbsp;)،......... هذا تصورنا فما هو حلكم و تصوركم يا قادة؟ مع العلم أنك تسرعت و وصفتني بوصف لا يليق؟ و شكرا.