لم يبق من شرعية الرئيس بوتفليقة سوى صورة
لم يبق من شرعية الرئيس بوتفليقة سوى صورة
يعد الرئيس بوتفليقة من الشخصيات التي نالت حظها من الاحتفاء والتبجيل في مختلف الأوساط الرسمية والشعبية الجزائرية، ولاسيما في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي لم يفرق بينه وبين صديقه ورفيقه سوى الموت، ولو أن تقلده منصب وزير خارجية الجزائر المستقلة في ريعان شبابه لم يجعل منه طفرة بين رفاقه من الثوار الذين كانوا سواء في السن كما كانوا على درجة الولاء والانتماء ذاتها ضمن الجيل الواحد الفريد من نوعه :جيل نوفمبر.
لم يبق من أعضاء مجلس الثورة عند وفاة سي بومدين سوى سبعة كان “الأخ” بوتفليقة من أكثرهم حضورا والتصاقا بالرئيس، وقد استأثر بقول كلمة التأبين الحافلة بأرق المشاعر وأصدقها، وزاد أنه ضمخها بدموع حرى وشهقات صادقة وهو يودعه، وربما ودع معه مرحلة من العزة لم ير فيها ما يزعج نشاطه على رأس الدبلوماسية الجزائرية التي عرفت أوقات سؤدد ورفعة لم تتوفر شروطها لمعظم دبلوماسيات البلدان التي استوت مع الجزائر في مقومات نشوئها وحضورها على الساحة الدولية.
صداقة بومدين المتينة، ونجاحات شخصية في تسيير مرحلة حافلة بالمكاسب للدولة وللثورة التي صنعتها مضافة إلى الذكاء الفطري والميل إلى التأنق وإلى بلاغة في التعبير، ومرونة لا تضاهى في المزج بين العقلية الاشتراكية والسلوك الليبرالي على المستوى الشخصي كلها تعاضدت فرشحته ليكون شخصية مميزة عن غيرها من رجال الدولة في الجزائر المستقلة. لكن أبناء جيله كانوا في معظمهم من طينة مشابهة وكان كثير منهم يقبل أن يكون مشروع زعيم ناجح لما أبرزته الثورة فيهم من خصال وميزات لم تكن لتبرز من دونها، فالثورة كانت المؤسسة الأكبر التي أنجبتهم .
في غياب بومدين أضحى الرجل عرضة لما لم يكن ليحدث له مع وجوده، الأسباب موضوعية وبعضها فيه ذاتية غذتها الظروف، وطبيعة المرحلة والصراع على الحكم، وكان عليه أن يغادر ويبتعد عن البيئة السياسية الجديدة التي لم تكن مرحبة بوجوده ولا مستعدة لتوظيف ماعنده من إمكانات، لا هو ولا غيره ولو بتحفظ. ولم يكن لمراعاة مشاعره أو مشاعر الناس الذين يعتبرون وجوده استمرارا لنهج بومدين قيمة كبيرة في رأي منظري السلطة الذين ابتكروا في ذلك الوقت نظرية غريبة ولو أنها مفهومة تقول إن كل ما يذكر ببومدين سيغطي على سلطة الرئيس الجديد، ولن يساعد على إرساء دعائم الحكم الناشئ . وكان أن تم تغييب كل ما له علاقة بما سبق، ولم يكن مسموحا حتى التفوه باسم بومدين.
عندما تكفلت المؤسسة العسكرية بالشأن السياسي بعد 11 جانفي 1992 نشأت الحاجة إلى استرجاع مشروعية الحكم وإقامة مؤسسات ثم تنظيم انتخابات، وبناء الاستقرار السياسي شيئا فشيئا، وستبقى المشكلات التي أدت إلى تعيين الجنرال زروال وزيرا للدفاع ثم انتخابه رئيسا للجمهورية وتنظيم انتخابات مسبقة مادة للبحث من قبل من سيؤرخون لدولة الاستقلال ومراحل تطورها، ومن الصعب الاعتماد على التحاليل السياسية الحزبية والإعلامية لتكوين معالم الصورة الكلية لهذه المرحلة من حياة الجزائر المستقلة وحصر الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية التي تضافرت على التأثير في توجيهها.
في 1999 استلم الرئيس بوتفليقة مقاليد الحكم، وبعد خمس سنوات بدت ملامح حكمه في الاتضاح، فقد جلب الدبلوماسية إلى الساحة التي كان يهيمن عليها العمل العسكري والأمني أي الصراع والمواجهة التي تعتمد العنف منهجا للعمل، لكن الذي كان واضحا للملاحظين هو أن الدبلوماسي القديم سيصبح خصما للفريقين المتقاتلين وأن موقعه سيكون بينهما، وبدلا من أن يجعله موقعه هذا ضحية للطرفين فقد نجح في أن يجرهما معا إلى الساحة التي يحسن بل يتقن الصراع والمنافسة ضمنها وهي ساحة العمل الدبلوماسي التي لا تكتفي بوسيلة واحدة أو بفكرة واحدة دون غيرها من الأفكار والمفاهيم، وبهذه الطريقة بدأ أطراف الصراع الذي كان قائما في الانسحاب من المغالبة الواحد بعد الآخر، خصوصا بعد أن دخل سلاح البحبوحة المالية المعركة وانعكست آثاره بوضوح على الاستقطابات والاصطفافات التي عرفتها الساحة السياسية والاجتماعية. لقد استفاد الرئيس العائد من بعيد من خبرته الطويلة في تسيير علاقات العالم الثالث والحركات التحررية والأجهزة والخلفيات الظاهرة والمستترة التي كانت تؤطرها، ومع نهاية عهدته الثانية كانت دفة الحكم تسير بالسفينة في اتجاه لم يتغير تقريبا إلى يومنا، وقد نجح في تجنيب الجزائر العديد من المطبات بداية بتسديد الديون التي لم تكن أولوية في نظر الخبراء الاقتصاديين والماليين حيث نصحوا بمنح الأولوية في صرف أموال النفط على الاستثمار مع الاستمرار في التعامل مع تسيير المديونية الثقيلة بطريقة تقنية، لكنه اتخذ قرارا استراتيجيا استباقيا ظهرت فوائده لا سيما السياسية منها مع انطلاق عملية الفوضى الخلاقة التي استغلت حالة الاحتقان في العديد من بلدان العالم العربي.
لقد كانت منهجية الرئيس بوتفليقة بنت تجربته الطويلة المبنية على الصبر وعدم الاندفاع والتأني في البحث عن النتائج، وكانت ذهنيته المدنية وسعيه إلى التوفيق بين مختلف الاتجاهات والقوى المتصارعة وراء سلوك الإدارة والمصالح الأمنية المهادن في استنبات السلم الاجتماعي بتدرج وهدوء .
ليس خفيا على أحد أن الرئيس بوتفليقة عرف منذ 2005 متاعب صحية متفاوتة شكلت خطرا على صحته، كانت هذه المتاعب ومازالت إلى اليوم ضريبة الوجود في موقع الرئاسة الحساس بضغوطه التي تستمر على مدار الساعة، وبمسؤولياته الجسام التي يتآكل لها الجسد البشري، واتضح بما لا يدع للشك وللجميع محبين وخصوم أنه من طينة لا تقبل أن تنهزم أمام المرض كما لم تقبل من قبل أن تنهزم أمام التحديات المتنوعة لهذه الدنيا، وللحياة والسياسة الجزائريتين اللتين فيهما دائما ما يقال عنهما.
من ينتمون إلى هذه الطينة المميزة سيظلون يقاتلون إلى آخر لحظة، البعض رأى صورته التي نشرتها فرنسا الرسمية المزهوة بانتصار على الجزائر أيا كان هذا الانتصار ولو بصورة، وقيل وراء ذلك ما قيل، فرأى في الصورة الجانب الدرامي للمرض وما يتركه على الجسم البشري، واستخدم الصورة لإنتاج مفاهيم سياسية تلائم اتجاهه ومسعاه، وكان المسؤول الفرنسي الذي نشر الصورة قال قبل ذلك إن الرسائل قد وصلت. والبعض الآخر فهم المعنى العميق لإرادة إنسانية للسعي نحو بلوغ هدف بدافع الضرورات التي يفرضها منطق سياسي يقود كل قرارات وأعمال الرئيس التي عرفتها الفترة الأخيرة من حكمه، وهو منطق يعدّل كل ما حدث في الجزائر بعد جانفي 1992 وحتى قبله.
عندما لا ننظر إلى الصورة الكلية للرئيس بوتفليقة التي تتضمن صورته وعمله وردود فعل الناس عليه مجتمعة في كل سياسي نفسي حرك الجزائريين طيلة مدة حكمه الأطول بين رؤساء الجزائر الثمانية خلال نصف قرن، سيكون من الصعب اختزال هذه التجربة الجماعية في حكم على الرجل الشخص حكما يكون ضده أو معه. لقد أثر في كل جوانب الحياة الجزائرية، حتى أن البعض يتهمه بأنه أفرغ البلاد من مؤسساتها، ولم يعد هناك نضال ولا عمل سياسي وهذا إذا تم التحقق منه فإنه يبين أن الرجل أقوى تأثيرا من شعبه لأن المنطق يفترض أن العكس هو ما يجب أن يحدث، أما البعض الآخر فيعتبر أن الرئيس بوتفليقة هو أول من استطاع ببراعة غير مسبوقة تفكيك العلبة السوداء في النظام الجزائري الموصوف خارجيا بأنه غامض. وفي الحالين يحيلنا التصنيف النقيض والتصنيف المؤيد إلى النتيجة نفسها وهي أن السيد بوتفليقة لم يكن أبدا رجلا عاديا في تاريخ بلاده وفي تاريخ الدولة.
السؤال اليوم هو ماذا بعد بوتفليقة؟ هل بوسع من سيحكم الجزائر بعده في هذا العصر العربي المتهاوي أن يحفظ توازن الدولة؟ وأن يستمر بالحكم والنظام في السير بمنأى عن الحواجز والعراقيل الموضوعة على طريق بلدان الإقليم؟ لا أقصد وجود القدرات البشرية والكفاءات الفردية فهذا أمر مفروغ منه، بل أقصد بصورة خاصة الاستعداد الموجود لدى المجتمع للتفاعل الإيجابي أو السلبي مع مثل هؤلاء. لقد حفل التاريخ السياسي بخبراء لم ينجحوا في تنفيذ السياسات التي رسموها لبلدانهم وكانت صحيحة نظريا لكنها لم تقد إلى النتائج المرجوة في التطبيق. وكم رأينا من نماذج القادة الجيدين وبعضهم من المخلصين لمبادئهم أنهم أوصلوا بلدانهم إلى مصائر وعواقب غير محمودة .
إذا أردنا أن نحاسب الناس لا سيما القادة فعلينا أن ننصفهم كما نرجو منهم أن ينصفونا، والواقع أن إنصاف بلد بأكمله ومن ورائه الأمة، هو الغاية التي يتوخاها كل تحليل غير جزئي، وغير متحامل نحو أي طرف من أطراف الخصومة السياسية والحضارية التي لا يسمح السياق الواقعي الراهن بالقدر الكافي من الموضوعية في معالجتها.
وفيما يخص الرئيس بوتفليقة أظن أن العامل الأساس في صعوبة الحكم له أو عليه في حق كل مدة حكمه هو أنه يتمتع بحب قسم كبير من الجزائريين، بعض هذه العواطف مفسر بصفات وخلال تميزه، وبعضه يعود إلى التاريخ الذي لا يستطيع الناس فصله عنه، والبعض الآخر مستمد من طبيعة الجزائريين ورفضهم الفطري للانغماس في الظلم، وعندما نتأمل عزوف الجزائريين منذ مدة طويلة عن ركوب أي موجة من موجات التمرد على حكمه نشعر بل ربما نتأكد من أن الجماهير تنظر بعيون مختلفة عن عيون السياسيين والمنتسبين إلى الإعلام.
الباحثون عن شرعية دستورية وقانونية لأي حكم سيجادلون استنادا إلى مقولات ومفاهيم وأحكام قانونية، أو سيقولون بأهمية البراغماتية تحت شعارات مثل التغيير، والديمقراطية، والمصلحة، لكن شرعية الرئيس بوتفليقة هي شرعية سياسية مصدرها العواطف الجماعية لأبناء المجتمع، فمنذ مدة طويلة لم يعد الرئيس بحاجة إلى من يدافع عنه، كما لم يعد النظام يعتد كثيرا بالآراء التي تنتقده وتلك التي تتهمه وتتهجم عليه بطريقة صريحة أو مواربة، لأنها بغض النظر عن كونها صحيحة أو غير صحيحة فإن الناس لا ينفعلون بها ولا يتحركون في الاتجاهات التي توحي لهم بها، ولا يبدون ردود الأفعال المفترض حدوثها عليها.
لقد أصبح الرئيس رمزا لا بحكم الدستور بل بحكم ثقة الشعب في ما يفعل وفي ما وراء ما يفعل من دروس واضحة لكثير من العقلاء خصوصا الذين مستهم المأساة الجزائرية في عزيز أو مال أو عرض أو وظيفة، لأن الناس البسطاء قد لا يستخدم أكثرهم أساليب تحليل مركبة لتحليل أوضاع البلاد، لكنهم يحتكمون إلى التجربة الواقعية، وهم يعرفون حقيقة جربوها وهي أن أسلوب حكم الرئيس قد لا يكون ملائما لما يتوقعونه وهم يقارنون تطبيق القانون في الجزائر ببعض بلدان أوروبا وأمريكا، لكنهم يعرفون بشبه يقين أنه ليس من الصنف الذي يصح وصفه بصفات المستبد أو الدكتاتور.
وبالرغم من البروباغندا الخارجية والداخلية هم يرون أموال النفط صرفت عمليا على الطرق السريعة وشبكات السكك الحديدية والمطارات والتراموي والميترو، والاتصالات، والسلاح بمختلف أنواعه، والأقطاب الجامعية التي غطت كل الولايات والمدارس والإكماليات والثانويات التي انتشرت في كل حي وعبر كل البلديات حتى غدت الجزائر ورشة كبيرة لا ينغص صورتها التي ستكتمل حتما غير الوقت الذي يحتاجه الاستمرار في إنجاز هذه المشاريع.
لقد استفز الضيف الفرنسي الرسمي مشاعر الجزائريين المتشبثين بوطنيتهم وهو يتصرف مع رئيس جمهورية الجزائر بإسفاف وبطريقة طفولية، ربما يكون الرجل قد انتقم لنفسه، وربما هو مرتاح الآن، أو أنه يظن نفسه قد نجح في تحضير شروط حملة رئيسه الانتخابية المسبقة، وطرد أمريكا من شمال إفريقيا، نتمنى ألا يكون هذا هو مستوى جزء من الطبقة السياسية في فرنسا، مستوى يكشف عن الحاجة إلى إصلاحات نفسية أكثر من التكوين السياسي والرقي الإنساني والأخلاقي.
د. محمد الطيب قويدري
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)