توقيف المسار الانتخابي في التداول على السلطة وفرض الأمر الواقع هو سبب خراب الجزائر

توقيف المسار الانتخابي في التداول على السلطة وفرض الأمر الواقع هو سبب خراب الجزائر

يونيو 10, 2016 - 20:29
تم التحديث: 10 سنوات منذ
14 23.5ك
توقيف المسار الانتخابي في التداول على السلطة وفرض الأمر الواقع هو سبب خراب الجزائر

كان عبد الحميد مهري الرجل الذي ألقى بجبهة التحرير الوطني إلى الشعب بعد وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992. وكان رد فعل الشعب الجزائري على تصرف مهري تماما كما توقعه الشهيد العربي بن مهيدي منه بخصوص الثورة نفسها قبل ذلك بثلاثة عقود وكان أن استرجعت الجبهة حينها ثقة الشعب الذي احتضنها. يعود الأمر إلى جملة من المواقف المبدئية التي شعر الناس أن قيادة الجبهة تعلنها بصراحة وصدق كما تيقنوا يوما بعد يوم من أنها صادرة عن اقتناع وأنها كانت مواقف ثابتة وصحيحة.

 

لقد رفضت قيادة الجبهة اللجوء إلى العنف واتخاذه أسلوبا للعمل السياسي، واعتبرت أن الحوار بين مكونات المجتمع ليس منة تجود بها الدولة على من تشاء، وإنما هو أساس يبنى عليه المجتمع، وضرورة حتمية تلازم وجود ووظيفة الدولة. لم تبن قيادة الجبهة سياستها على رد الفعل الانفعالي السلبي ضد عملية توقيف المسار الانتخابي، و لا على ما كان مؤقتا أو ظرفيا من معطيات الحياة السياسية المحتقنة أصلا، بل استشرفت مستقبل المجتمع الذي يحتاج إلى دولة عادلة، وسلطة حقيقية فاعلة لا فعلية، بدلا من سلطة فرضها الأمر الواقع الذي لا يعبر عن طبيعة السياسة وإنما يعبر عن اختلال في موازين القوى غير المتكافئة بين مكونات المجتمع.

 

قبل ذلك، ومع نشوء جو جديد فرضته أحداث أكتوبر 1988 هو جو الانفتاح الديمقراطي والتعددية السياسية والحزبية، اتجهت كل أصابع الاتهام نحو الجبهة التي جعل منها منظام الدولة قطعة مركزية في النظام السياسي، وأشار إليها الخطاب السياسي بتسمية الحزب الحاكم، وزادت الممارسة الإعلامية الجديدة من حدة الاتهام باستهداف الجبهة بتسمية الحزب الواحد. نص الدستور على ذلك، وزادت المادة 120 من تفاقم الفرز بين المناضلين الجبهويين وبقية المناضلين السياسيين من مختلف الاتجاهات المنظمين داخل هياكل الحزب. وضاق أفق الممارسة، واشتد الصراع ، وأسقطت الأحداث المذكورة وضحاياها الكثر من الشباب قيادة، وجاءت بقيادة على رأسها مثقف وسياسي من الجيل الأول هو عبد الحميد مهري، وكما أن الحقب المضطربة من حياة المجتمعات تلهم الكتاب العباقرة فقد ألهمت تلك الفترة الصعبة ذلك السياسي المخضرم، حيث ذكرت مواقفه الناس بسير الشهداء الكبار الذين تقدموا الصفوف وأبدوا الاستعداد الضروري للتضحية الذي ينتج التغيير.

 

أصبح مهري محور كل الانتقادات الموجهة إلى الحزب الواحد، و قام كل مكبوت أو مظلوم أو مقموع بالتنفيس عن حاجته، و طيلة الفترة من أكتوبر 1988 إلى 11 جانفي 1992 جرى تحميل الجبهة كل مساوئ الحكم من 05 جيلية 1962 إلى نهاية الثمانينات، البعض لأنه اعتبرها حكمت الجزائر، والبعض لأنه اعتبرها محكوما باسمها، والبعض لم يغفر لها حتى أن يحكم باسمها دون طلب رضاها أو استشارتها. قبلت قيادة الجبهة كل نقد وجه إلى الحزب، وأبدت استعدادها لتحمل مسؤولية ذلك أمام الشعب في اقتراع عام سري شفاف ضمنت فيه كل شروط الانتخابات الحرة والنزيهة، واحتكم الجميع إلى الصندوق. وقبلت بذلك الجبهة مناضلين وقيادة حكم الصندوق ورضيت بالانتقال إلى صفوف المعارضة. جرى ذلك بشكل عملي في الواقع، ولم يكن مجرد تنظير أو إيهام للمجتمع بديمقراطية واجهة. هذه كانت الحقيقة الواقعية، ومن حق الجبهة أن يسجل التاريخ هذا المعطى الثابت لها ولقيادتها تلك التي كانت قيادة متبصرة تملك من الحصافة والبصيرة ما يؤهل الجبهة لأداء وظيفتها السياسية في بناء وإعادة بناء الدولة.

 

رضا الجبهة بقواعد اللعبة الديمقراطية، واحترامها لها، وعملها ضمن شروطها دون محاولة للالتفاف عليها أظهر أن مسؤولية الفكر والممارسة الأحاديين اللذين ألصقت بها تهمتهما كانا من مصدر آخر يقع خارج حدود نفوذ المناضلين والقيادة، مع أن القيادة الجديدة لم تتنصل من إرث القيادات السابقة، بل عملت على التخلص من الآثار السلبية لكل أنواع الممارسات الخاطئة التي يمكن تصنيفها ضمن خانة الأحادية والانغلاق، والأخلاق السياسية المرتبطة بذهنية الولاء للأشخاص، وما تمليه الاصطفافات المبنية على الطموح الشخصي، والمصلحة الذاتية المشروعة.

 

 كانت مقاومة مهري لتوجه الكل أمني ثابتة ورصينة، مبنية على ثقافته السياسية الوطنية، وعلى قدراته الفكرية الشخصية باعتباره واحدا من المناضلين الذين تلقوا تكوينهم ضمن مدرسة الحركة الوطنية، وكان ذلك وراء تشخيصه لتلك السياسة بأنها سياسة خاطئة لن تقود سوى إلى تفاقم ظواهر الانقسام داخل المجتمع، وأنها ستهدد الاستقرار وستؤدي بالنتيجة إلى تجميد عملية التنمية في بلد يعاني أصلا من آثار الاستعمار، ومن التبعية التي يحتاج إلى مكافحتها بلا هوادة إذا ما أراد السير في طريق الاستقلال.  وهكذا كان تشرب عبد الحميد مهري العميق لمعاني وخصوصيات الثقافة الوطنية بأبعادها العربية والإسلامية، والتصاقه بتراث الأمة ورسالتها الحضارية عاملا مهما في رفضه لمقولة الاستئصال التي كانت التعبير العملي عن قناعات التيار التغريبي المنتشر عبر كل البلاد العربية والإسلامية بصور ودرجات متفاوتة، وهو العامل الذي جعله لا يشعر بالقطيعة بين اتجاه جبهة التحرير الوطني وبين بعض التيارات الأخرى المحافظة من جهة، وبينها وبين التيارات الموضوعة تحت عنوان ” القوى التقدمية” . لكن قسما من التركيبة البشرية للمناضلين لا سيما في اللجنة المركزية للحزب لم يكن يستقبل تلك الأفكار على الموجة نفسها، بل إن  قسما من هؤلاء القياديين كانوا يبدون متبرمين من صلابة موقفه ويتمنون أن يروا الحزب على وفاق مع السلطة يضمن له بعض المكاسب والامتيازات، وهؤلاء هم من فضلوا في نهاية المطاف التخلي عن الرجل الأمة، الذي سماه البعض”حكيم الجزائر” والعودة نحو مسار معتدل يضمن لهم عودة الحزب إلى مرحلة ” الحزب الجهاز″  التي سبقت قيادة عبد الحميد مهري. ضمن هذا التوجه يمكن أن ندرج ما سمي ” المؤامرة العلمية” التي تعكس في واقع الأمر ذهنية “ما قبل علمية” من حيث طبيعة مضمونها وتأثير نتائجها.

 

فتحت عملية تنحية الأستاذ عبد الحميد مهري من الأمانة العامة للحزب الباب للتخفيف من تأثيره على التوجيه السياسي للحزب ومناضليه، ولو أن تأثيره في صفوف المواطنين والمجتمع ازداد قوة من حيث النوعية حيث أعطت تلك العملية  والطريقة التي تمت بها، وشعور المجتمع بتعرض قائد نزيه لنوع من خيانة رفاقه، مزيدا من المصداقية والقيمة لزعامته التي رسختها قيادته للتيار القومي العربي ورئاسته المؤتمر القومي الإسلامي، وهو عبارة عن تعويض عالي الرمزية لشخصية من هذا الطراز الرفيع، والرقي الأخلاقي المشهود.

 

كانت تلك واحدة من تجارب حزب جبهة التحرير الناضجة، وربما هي من التجارب الحزبية القليلة في العالم العربي والإسلامي التي تخلى فيها حزب كبير بوعي عن الحكم، أو واجهة الحكم مع ما يرافق ذلك من امتيازات الأشخاص والهيئة نفسها، ومباشرة العمل السياسي بين صفوف الشعب، وقد نجح خلالها الحزب وقيادته في كسب ثقة المواطنين، وتقريبهم منه، واسترجاع الكثير من نفوذه السياسي في كل الأوساط حتى التي لا توافقه التوجه، ولا تشاطره الآراء والقناعات. لكن النجاح السياسي والتعبوي قابله جمود نظامي، و حالة من توقف النشاط على مستوى القواعد التي لم تستطع إيجاد أساليب عمل ميدانية ومبادرات محلية تخصها خارج نطاق الجهد الشخصي للأمين العام وخطابه القوي.

 

انفصلت جبهة التحرير عن خط عبد الحميد مهري بتولي الدكتور بوعلام بن حمودة الأمانة العامة خلفا له، لكن قوة شخصية الدكتور بوعلام بن حمودة ورصيده من المواقف الوطنية خصوصا في مجال خدمة اللغة العربية مكنه من الإمساك بزمام القيادة بصرامته المعهودة  أي بقوة وتركيز شديدين، ومكنت علاقة الاحترام بينه وبين الرئيس زروال من حل مشكلة مشاركة جبهة التحرير الوطني في العملية السياسية الجديدة التي استهدفت استئناف عمل المؤسسات الوطنية، واستعادة مشروعية الحكم من خلال ذلك. فتحت السياسة الجديدة الباب لتلبية مطامح حزبية وشخصية للبعض، و أدت إلى نشوء ديناميكية جديدة داخل قواعد الجبهة بعد المشاركة في الانتخابات وعودة المنافسة بين المناضلين على المواقع القيادية الوطنية والمحلية. ومع وجود نوع من الانتقائية في تشكيل الفريق الذي دعم عمل القيادة الجديدة إلا أن الحزب عرف كيف يستفيد من الرصيد الذي تركته السياسة السابقة للحزب، والتي حافظت قيادة الدكتور بوعلام بن حمودة على زخمها، حتى مع تغيير الاتجاه الذي قامت به نحو الاعتدال في التعامل مع السلطة التي قادها الجنرال زروال، وهو رجل معروف عند الجزائريين بمواقفه ونزاهته.

 

عندما نقوم بتقييم تجربة بناء خط سياسي لحزب مثل حزب جبهة التحرير في الجزائر يقفز إلى صدارة الاهتمام دور عبد الحميد مهري كرجل سياسي، وكمفكر ، وكرجل دولة، ضمن هذا الأفق ينبغي أن يفهم كيف نجح هذا المناضل المخضرم في قيادة جبهة التحرير نحو عملية سياسية تندرج ضمن مسعى بناء دولة على قواعد صحيحة، لأنه عمل طيلة قيادته للجبهة على استرجاع وظيفة المدرسة السياسية المنتجة للقيم الصحيحة، القيم التي تستمد من المجتمع نفسه ومن مقاومته، ومن موروث الأمة، وهويتها والحضارة التي تنتمي إليها، كما تستمد من الرصيد المشترك الغني للفكر الإنساني في عصر يتسارع التطور فيه، ولا يتيح للدول والمجتمعات الوقت لمجاراته إلا بقدر ما تكون مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية قابلة للتميز والتفوق.

 

لم يكن مسعى جبهة التحرير في عهد عبد الحميد مهري يهدف إلى مناكفة السلطة، وافتعال صراعات هامشية معها، بل كان الرجل والحزب معه يعارض سياسات رآها خاطئة ومحدودة الأفق، لا تعترف بالحوار والمشاركة منهجا للحكم، وتستخدم الديمقراطية ذريعة لفرض رأي معين ليس محل إجماع داخل المجتمع، في حين كان الحزب يرى المصلحة الوطنية والمهمة ذات الأولوية هي استئناف بناء الدولة، لذلك كانت الدعوة المستمرة إلى الحوار والمشاركة وسيلة لإعادة السلطة إلى المنهجية الموضوعية التي اكتشفت فيما بعد ومازالت تكتشف إلى غاية اللحظة الراهنة أنها المنهجية الكفيلة برص وتمتين اللحمة بين المجتمع والدولة، مع السماح للمجتمع بالتطور ضمن الأطر والحدود الطبيعية الخاصة به قبل أن يوجه من الخارج نحو أوضاع وإشكالات وانقسامات لا تتناغم مع مبادئ الوحدة والسلم التي يقوم عليها انسجام وتماسك كل من البلد والدولة والمجتمع.

 

 

د. محمد الطيب قويدري

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (14)

User
رحمة
رحمة 10 سنوات منذ
<strong>لالا يا الصادق المارق</strong> الإنقلاب وتزوير الإنتخاب ومنغ تطبيق الكتاب هو الإرهاب يا منافق يا كذاب تحارب ديبنك وتسميه&quot;إرهاب&quot;
صحراوي من الركيبات مهاجر بالمانيا
صحراوي من الركيبات مهاجر بالمانيا 10 سنوات منذ
في الجزائر حوت يأكل حوت و قليل الجهد يموت &nbsp;!
NIDAL
NIDAL 10 سنوات منذ
<strong>تحرير الأرض لم يرافقه تحرير الإنسان</strong> مشكلة الجزائر هي أن جبهة التحرير توقف الزمن بالنسبة لها مع تحرر الجزائر من الفرنسيين مطلع ستينات القرن الماضي وتوقف معه التاريخ لدرجة أن لا يمكن لأي حدث تاريخي السمو على التحرير، والكلمة الأولى والأخيرة لحاملي بطاقة التحرير والسباق للإنتماء لجبهة التحرير ولا صوت يعلو على صوت جبهة التحرير ولا مصير ولا تدبير ولا تقرير إلا ما يمليه زعماء التحرير لدرجة أصبح مفهوم التحرير يفقد محتواه بل يتناقض والواقع المعاش فتحرير الأرض لم يرافقه تحرير الإنسان . فما الفائدة من ربح الأرض وسجن الإنسان؟ أي تحرر هذا الذي تتم من خلاله مصادرة حق الإنسان في المشاركة السياسية بالتزوير أو الإنقلاب ؟ أي تحرر هذا الذي يجعل المحررين ينهبون مداخيل البلاد ويتركون العباد ؟ أي تحرر هذا الذي يجعل أولياء التحرر يتناقضون ومبدأهم التحرري بمصادرة حق الشعب في التفكير وتنصيب أنفسهم أولياءه لاختيار مستقبله ؟ أي تحرر هذا الذي يعيشه ركاب سفينة مختطفة تحت رحمة قراصنة متهورين وربان لا يعصى الأوامر ؟ أي منطق هذا الذي جعل بلد النفط والمليون شهيد يلد ملايين الفقراء والعاطلين والتعساء ويتصدر قائمة الدول دات الإقتصاد الهش ؟
mami
mami 10 سنوات منذ
فرنسى لم تخرج جيوشها من الجاء زائر حتى تأكد أنها قتل الرجال الأحرار منهم و تركت الشياتة و أولاد القح
اسامة عيسى الجزائري القح
اسامة عيسى الجزائري القح 10 سنوات منذ
<strong>حتى لا يغيب عن أذهانكم من هو &amp;quot;الصادق&amp;quot;</strong> بكل بساطة ووضوح &quot; الصادق&quot; هو مجرد لقب ل&quot; حمار&quot; من &quot;كوانتانامو الجزائر&quot; ، لقيط من فئة بوزبال بدون هوية ولا عنوان، مجرد كلب للنباح، أمه من دولة مالي، تعيش حاليا بالرابوني بمعية بناتها الثلاث تتعاطين الدعارة، أبوه مجهول، دراسته لم تتجاوز التعليم الأولي، يعتقِد أن شعبان يأتي بعد رمضان ، بوزبال، تائه، متشرد، لا يشرب إلا من الماء العكر، كان منذ طفولته يتعاطى بيع السجائر المهربة، ثم انتقل بعد ذلك إلى تهريب البشر من جنوب الصحراء الراغبين في الوصول إلى أروبا، إلى أن استقَرَّ به المَطاف عند مصلح دراجات يعمل لصالحه مقابل الإيواء بمقر العمل والتغذية، يتقاضى 1660 دج من البلدية كأجر له على النُّباح. هذا نوع من الحشرات الضارة التي في آخر المطاف وبعد تفكيك بوزبال وعودة الجزائر إلى صوابها سيَهيم على وجهه في الصحاري اتجاه مالي أو غيرها ليستمر في الاسترزاق بمؤخرته.