علي بن فليس:“العصرنة السياسية ” العدوّ اللّدود للانتقال الديمقراطي في الجزائر
علي بن فليس:“العصرنة السياسية ” العدوّ اللّدود للانتقال الديمقراطي في الجزائر
لقد جعل حزب “طلائع الحريات” من قضايا العصرنة السياسية والتجديد الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي الركائز الثلاث لمشروعه الذي يقترحه على الشعب الجزائري ليقوّمه، ويبدي رأيه فيه ويحكم له أو عليه.
إنه مشروع حقيقي واعد للمجتمع، ومشروع طموح بأتم معنى الكلمة، ومشروع صادق لما يكتنفه من رؤية مستقبلية، ومن تصور بعيد المدى، ومن مسار إصلاحي جذري démarche refondatrice سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
لا نقترح في حزب “طلائع الحريات” مجرد برنامج سياسي عادي من أجل جذب الاهتمام لصالحنا وتحقيق الانضمام لصفوفنا ومغازلة القواعد الانتخابية. فلو كانت هذه سمات مشروعنا لكان مشروعا شعبويا خاويا وسياسويا أجدب. ولكان مشروعا يبعث على النفور والإعراض أكثر مما يثير من القبول والاستقطاب. ولكان مشروعا ناقصا في محتواه وزهيدا في مغزاه. ولكن المشروع الذي نقترحه يمتلك مواصفات الغنى والثراء والعمق؛ لأن ما ينقص الجزائر اليوم هو مشروع مجتمع فيه روح الجمع والتجنيد واليقظة. أي مشروع مجتمع يجعل الجزائر في مستوى تحديات زمانها، ويمكّنها من امتلاك حظوظ ووسائل مواجهة هذه التحديات بحزم و عزم و ثقة بالنفس.
لا نقترح في حزب “طلائع الحريات” مجرد برنامج نشاط سياسي ظرفي تفرضه شروط راهنة وعابرة، ولا نركز على المشكلات ذات الصبغة الاستعجالية الملحة؛ لأننا لا نمعن النظر في الحاضر فقط، رغم خطورته، بل إننا نحوز نظرة مستقبلية استشرافية لتحضير الجزائر لما ينبغي أن تكونه: بلد ذو طموحات كبيرة، بلد يحدد رهاناته بنفسه ليرفعها ويسير باستمرار نحو الأمام، وبلد لا ينتظر أن تفرض عليه التحديات فرائضها ويضطر إلى مواجهتها في ظروف غير ملائمة إطلاقا.
لا نقترح في حزب “طلائع الحريات” مجرد مخطط استعجالي يقتصر على العناية بالمشكلات الآنية بما تتسم به من خطورة وما يرافقها من قلق، واقتراح حلول تسكينية لها. فلو نلقي ببصرنا إلى الوراء، فإننا نصادف أن نظرتنا تتوجه نحو تاريخنا الوطني وصوب إرث آبائنا وأجدادنا لنستمد منهما قوة المثل وغزارة الإلهام. وإذا لم يكن من الممكن تجاهل معالجة مشكلات الحاضر، فلأن ذلك مرتبط بتعبيد الطريق للمستقبل الذي نريد شقها جنبا إلى جنب واليد في اليد. ويجب أن تتركز اهتماماتنا على المستقبل، لأن تشييد هذا المستقبل يبدأ من حاضرنا الآني. وإذا ابتغينا تدارك التأخير الكبير الذي يفصلنا عن الأمم الأخرى، وتحرير بلدنا من كل تبعياته التي أثقلت كاهله، وجعله في وضعية الاستجابة التلقائية لاحتياجات وتطلعات شعبنا، وإذا رغبنا أن نكون المتحكمين الفعليين في مصير نبنيه بأنفسنا، وليس مصيرا ينزل علينا مفروضا علينا من أطراف أخرى، فعلينا أن نشمر على سواعد العمل من الآن.
لكن هذا لا يكفي وحده؟؟.
يجب أن نحمل في وعينا وقلوبنا الطموحات المشرفة لبلدنا، ويجب أن تكون لنا صورة واضحة عن المكانة التي يستحقها بين بلدان المعمورة، وأن ندرك سعة الآفاق الواعدة التي نسعى لاقتحامها وفتحها أمامه. وإذا كان تاريخ الأمم يصنع حاضرها، فكيف لا يحدد حاضرها معالم مستقبلها؟.
إن مشروع أي مجتمع يُستمد من الماضي الذي يضع علامات راسخة يسترشد و يقتدي بها. كما أنه الحاضر الذي تكمن علة وجوده في تحضير مستقبل أفضل وأرقى. وهكذا تسير الشعوب والأمم نحو تحقيق مصائرها التي ترسمها لنفسها بنفسها.
لنعرف، إذن، كيف ننظر إلى تاريخنا الوطني ليس بهدف تمجيده وتعظيمه، فحسب. بل، وخاصة، لنستلهم منه القوة والتصميم والجرأة على مواجهة هذه التحديات، التي تتحول، بعد مواجهتها بصبر واقتدار، إلى إنجازات كبيرة تسجل في رصيد الأمة. ولنعرف كيف نستفيد من إخفاقاتنا كي تكون لنا الشجاعة لتصحيحها حتى لا نكررها، ونعيد معها مراكمة الإخفاق وتكديس اليأس والإحباط. ولنعرف كيف نعترف بأننا اخترنا الطريق الخاطئة عندما يتضح لنا أن هذه الطريق مسدودة. ولنتجنب الهروب إلى الأمام الذي هو أسوأ سلوك بشري يُتبع في مثل هذه الحالات. ولتكن لنا الحكمة و اليقظة والذكاء لاختيار طريق أخرى سالكة في سلام عوض التمادي في السير في دوائر مفرغة، وطرق ملتوية لا مخارج لها.
لقد تغذى مشروع حزب “طلائع الحريات” من كل هذه الدروس، وتشرب من كل هذه المعاينات. وبهذه القناعات تمت صياغته. فمن التاريخ الوطني تستحضر الثوابت والقيم المميزة، ومن حاضر البلد، تستشف المعاينات الواضحة والمتنكرة للمجاملات. وبذلك تُقترح لهذا الحاضر رؤى جديدة تُحدد بكل صدق وواقعية. ومن مجموع هذه المعطيات قطف مشروع حزبنا كل خصائصه المميزة له، والتي صنعت فرادته وصوّرت تميزه.
إن العصرنة السياسية هي الركيزة الأساسية في مشروع حزبنا. ومن دون التواجد المسبق لركيزة العصرنة السياسية، فلا جدوى من الحديث عن ركيزة التجديد الاقتصادي وركيزة الإصلاح الاجتماعي.
تكمن علة تخلف بلدنا في نظامه السياسي القديم البالي (الأركاييكي). ولن يكون في مقدور الجزائر أن تقف من جديد إذا لم يتعصرن هذا النظام السياسي.
ما المقصود بعبارة: “الأركاييزم السياسي” التي هي مصدر كل المصائب التي حلت ببلدنا، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟. فـ “الأركاييزم السياسي” هو السلطة الفردية، وهو عبادة الرجل المنقذ، وهو تولي السلطة مدى الحياة بغير وجه حق. ويتمظهر “الأركاييزم السياسي” في المؤسسات غير الشرعية التي تعرت من صفة التمثيل من القاعدة إلى القمة. و”الأركاييزم السياسي” هو تلك الوساطات الزبائنية، العُصبية والريعية التي تحل محل القواعد والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، والتي لا يمكن أن تُصادف إلا في مجتمع مدني نشط ومبتكر وفعال. و”الأركاييزم السياسي” هو استعمال الدولة بمواردها وسلطتها لأغراض خاصة. ويتجلى “الأركاييزم السياسي” في تحويل مهمات المؤسسات والهيئات التي يفترض أن تكون مؤسسات جمهورية، ولكنها تخلت طواعية عن ممارسة مهامها الدستورية لتتحول إلى أجهزة خاضعة للنظام السياسي القائم، ولا تلبي سوى خدماته بصورة حصرية، وتقوم بتنفيذ أوامره وحده دون سواه. و”الأركاييزم السياسي” هو المواطنة التي انشقت وانقسمت إلى مواطنة من الدرجة العليا ومواطنة من الدرجة السفلى، وإلى مواطنة مطلقة ومواطنة نسبية، وإلى مواطنة أولى تجري بسرعة قصوى وأخرى تعرج متمايلة بسرعة دنيا. و”الأركاييزم السياسي” هو منع القانون من أن يكون فوق الجميع، وحرمان الأفراد من حقهم في التساوي أمامه. وهو، أيضا، القفز على العدالة التي لا طاعة لها ولا ولاء لها في أصلها سوى للقانون بمفرده وللضمائر وحدها.
إن قائمة مظاهر هذا “الأركاييزم السياسي” البارز في وطننا بروز النجوم في السماء عديدة، وهي أكثر من أن يأتي عليها عد أو حساب. ولذلك أكتفيت بما ذكرت فقط. لكن، وفي نفس إطار هذا “الأركاييزم السياسي” الذي يشبه المرض العضوي الذي لا تنجو منه أي خلية من خلايا الجسم المصاب ، أود طرح مجموعة من الأسئلة الأساسية مع محاولة إرفاقها بإجابات.
فمن غير “أركاييزم سياسي”، هل كان من المعقول أن يبقى بلدنا من دون رأس مدبرة في مثل هذه اللحظات الحاسمة التي يمر بها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟. وهل كان من الممكن أن يعيش بلدنا هذه الوضعية الفريدة من نوعها في العالم حيث لم يجتمع مجلس الوزراء منذ أربعة أشهر؟. وهل كان من المعقول أن يضرب بلدنا رقما قياسيا عالميا في البطالة البرلمانية إذ لم يعتمد ولو قانونا واحدا طيلة هذه الأشهر الأربعة؟. وهل لم يعد هناك أي شيء نقوم به في بلدنا حتى يصبح مجلس الوزراء لا يجتمع والبرلمان لا يشرع؟. ولولا “الأركاييزم السياسي”، هل كان من الممكن أن يصبح مركز القرار السياسي فريسة لقوى غير دستورية تستعمله لصالحها، وتوظفه لمآربها حينما وكيفما أرادت؟. ولولاه، هل كان من الممكن أن تبقى عدالة بلدنا متفرجة ومكتوفة الأيدي أمام الانتشار الفظيع لآفة الرشوة والإجرام المالي الكبير، وهي آفات يزداد انتشارها من دون أن تقابل بأي ردع أو قمع أو عقاب؟. ولو لم يتسلط “الأركاييزم السياسي”، هل كان من الممكن أن تكون الحياة السياسية بئيسة ومتراجعة، بما تزخر به فضاء الوطن من أحزاب سياسية، ومجتمع مدني بما يعده من منظمات ذات تمثيلي حقيقي، وحركية في الاقتصاد، بما يشمله من صانعي الثروة، ونشاط المجال الإعلامي، بما يتنافس فيه من جرائد وقنوات تلفزيونية مستقلة. وهل كان من الممكن، من دون “أركاييزم سياسي”، أن تكون كل هذه الموارد ضحية لتصفية حقيقية بتهمة عدم الولاء وإنكار الرضوخ ولشقها عصا الطاعة؟؟. ومن دون “آركاييزم سياسي” لا يتضمن قاموسه السياسي الرقابة والمطالبة بتقديم الحساب، هل كان من الممكن تبديد 800 مليار دولار، أو تعريضها للنهب لتكون النتيجة، في الأخير، اقتصادا وطنيا نازفا، وفاقدا للمناعة وعاجزا عن مواجهة الآثار الأولى للتقلبات الطاقوية العالمية؟. ومن دون “الأركاييزم السياسي” الذي يرافقه ضياع المعالم les repères واندثار القيم الأخلاقية، هل كان من الممكن أن يفقد العمل قيمته، وأن يشتد السباق نحو الربح السريع والمال المشبوه، ويكون هو المتحكم في الممارسات الاجتماعية للكثيرين في الوقت الحالي؟. وهل كان من الممكن أن تسود الجهوية وتطغى عقلية العُصب المفرقة بهذا الشكل الواضح؟. وهل كان من الممكن أن تغدو الرشوة بمثل هذا الانتشار الذي صيرها من الأمور العادية بينما هي مؤشر عن الدولة المريضة والاقتصاد العليل والمجتمع الموبوء.
لا يعرف “الأركاييزم السياسي” سوى ترياق واحد. وهذا الترياق الذي يعد بمثابة علاج فعال هو: العصرنة السياسية. ومع تغييب مثل هذه العصرنة، سيبقى بلدنا محكوما عليه بارتكاب نفس الأخطاء وتكرارها باستمرار. وسيستمر يعاني من الضعف بسبب الوقوع في مطبات نفس الإخفاقات، وسيتيه أكثر فأكثر أمام هذه الانسدادات.
إنهم يتحدثون عن الدولة المدنية وعن الديمقراطية المسؤولة وعن الديمقراطية الهادئة. وهي للأسف مفاهيم خاوية فرغت من مضامينها، وأمست مجردة من محتوياتها ومعانيها. فكل الأنظمة الشمولية تلجأ، عندما تضيق بها السبل، إلى هذه المفاهيم المُحولة لتتجنب الاحتكام إلى ما هو أهم وأنفع، والأهم والأنفع هو: دولة القانون. وبالفعل، فإن علة وجود وهدف كل عصرنة سياسية هما تشييد دولة القانون. ودولة القانون هي دولة الجميع وليست دولة بعض من “المتميزين”؛ وتتجسد في مؤسسات شرعية وممثلة أحسن تمثيل، وتؤدي المهام المسندة إليها من طرف الشعب السيد. إنها مؤسسات ترضخ للرقابة على الكيفية التي تمارس بها مهامها وتقدم الحساب حول هذه الممارسة. ودولة القانون هي حكام لهم مصداقية ويتمتعون بثقة المحكومين. كما أنها تعني التداول السلمي على السلطة، حسب الإرادة الوحيدة للشعب الحر والسيد، وليس أبدا التمسك بها مدى الحياة. ودولة القانون هي الدستور الذي يجب أن يكون دوما هو القانون الأسمى للجمهورية، والعقد الاجتماعي الفريد للأمة، والذي لا يمكن أبدا أن يُنزل إلى رتبة مجرد ورقة طريق لنظام سياسي يستعملها للذهاب حيثما شاء ومثلما شاء، ويرعى أن تظل اهتماماته تصب في ترقية مصالحه الخاصة على حساب مصالح الأمة، ولا تستجيب سوى لمطامحه ومطامعه، ولا تمنح بالا لإرادة وخيار وحكم الشعب بأكمله. ودولة القانون هي مؤسسات تستدر سلطاتها وصلاحياتها من الدستور، ولا تأخذها من سلطة فردية تستعملها حسب مزاجها ورغباتها. وعليه، فإن دولة القانون هي النقيض التام للاستيلاء بل للسطو على السلطات من طرف مؤسسة دستورية؟؟ على حساب المؤسسات الدستورية الأخرى لأغراض خاصة بها. ودولة القانون هي سلطة تنفيذية لا تتحول إلى عبادة الشخصية، وهي سلطة تشريعية تشرع للصالح العام، وهي سلطة قضائية مستقلة تجيد الدفاع عن استقلاليتها وتحكم فقط باسم الشعب السيد وليس باسم من يعدون من أقوياء الساعة. فهذه، بصفة عامة، هي دولة القانون بالمعنى الشريف والمقدس للعبارة. ودولة القانون لا تجمع بين أقلية ساحقة وغالبة وأغلبية مسحوقة ومغلوبة.
كنت ومازلت أعتقد أن لموضوع العصرنة السياسية أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل بلدنا، مما جعلناها نرمي به في قلب مشروع حزب “طلائع الحريات” التجديدي المقترح على شعبنا. ويتبادر إلى أذهاننا سؤال ينبغي طرحه، وهو: لماذا يخشى النظام السياسي القائم هذا التجديد السياسي؟. والجواب أسهل وأيسر من السؤال. فالتجديد السياسي يزعج المصالح الخاصة للأقلية الساحقة مادام النظام السياسي القائم يريد أن يستمر في إقصاء الأغلبية المسحوقة من تسيير شؤون الأمة. وإن التجديد السياسي يعني، وكما يبرز من اسمه، وضع الجديد محل القديم، أي إخراج بلدنا من وضعية الجمود القاتل إلى وضعية الديناميكية الحيوية، إنه يعني منح طموحات جديدة للبلد وعدم الاكتفاء بالاستجابة للطموحات الأنانية للأقلية. كما أن التجديد السياسي يعني إعطاء الكلمة للذين لا كلمة لهم، و إعادة الحقوق لمن هضمت حقوقهم، و تمكين كل الجزائريات وكل الجزائريين، حيثما وجدوا، من التمتع بكامل حرياتهم الطبيعية والدستورية، والتعجيل بإحلال اليوم الذي تستفيد منه كل المواطنات وكل المواطنين من ثروات بلدهم دون ترك أية مكانة للمدللين أو المميزين وللمصالح غير الشرعية، من بعد طرد الظلم والتهميش والإقصاء. فهذه هي الأسباب التي تجعل النظام السياسي القائم يخشى التغيير والتجديد، وهي الأسباب ذاتها التي تجعله يستعمل كل قواه لمواجهتها وإجهاضها.
كم من مرة عمل النظام السياسي القائم على إقناعنا بأن التغيير هو مرادف للانهيار والفوضى حتى تستمر سيطرة وجبروت واحتقار الأقلية القاهرة؟. أفلا يسعى النظام السياسي القائم إلى إقناعنا بأن وراء المطالبة بالتغيير تختبئ اليد الأجنبية المحركة، وكأن شعبنا هو شلة من الدمى بإمكان أي كان أن يتلاعب بها، وكأنه لم يفطم، وعاجز عن المطالبة بالتغيير والتجديد بمفرده وبمحض إرادته؟. ألم يستنفد النظام السياسي القائم كل قواه في محاولات إقناعنا بأنه لا يوجد وراء المطالبة بالبديل الديمقراطي سوى مؤامرة دولية، وكأن شعبنا لا يحق له حتى أن يحلم بممارسة الديمقراطية، ولا يرغب سوى في الحياة الأبدية تحت أقدام نظام فرداني وشمولي؟.
لا ينكر أي واحد منا بأن الجزائر مهددة، ولكن ما طبيعة مهدداتها؟. فلئن كان هذا التهديد يتمثل في الإرهاب الذي يواصل نشاطه التهديمي والتخريبي داخل حدودنا، فإن ذلك بات معروفا عند الجميع منذ مدة بعيدة. فبلدنا لم يشف بعد، ولم يتحصن كلية ضد هذه الآفة التي يفرض علينا أمر وجودها الحيطة والحذر والتجند حول قواتنا المسلحة والأجهزة الأمنية للجمهورية التي تستحق كل الاعتراف والتقدير والتبجيل من طرف الأمة قاطبة. وإذا كانت الجزائر مهددة بالتقهقر المستمر للوضعية الأمنية على حدودها الشرقية والجنوبية، فهذا نعرفه أيضا منذ زمن طويل؛ ونعرف أيضا دور قواتنا المسلحة وقواتنا الأمنية وحضورها الرادع. والواجب يفرض علينا أن نسدي لها تحايا الإكبار. ولنا أن نفتخر بنخبة فلذات أكبادنا البواسل في صفوف جيش الجمهورية، جيش الشعب، وجيش الأمة والجيش الوطني الشعبي الذين يسهرون للدفاع عن حرمة أرضنا المقدسة والدفاع عن الوطن المفدى ولضمان أمن شعبنا وطمأنينته وهنائه. وإن كل عنصر من عناصر جيشنا الوطني الشعبي يعلم يقينا أنه يحظى بحظوة ومكانة ومنزلة يعبر عنها بإجماع وطني شامل ومتين وصادق لا يتزعزع اعترافا بتأديته لكل مهامه الدستورية التي أسنده إياها الشعب الجزائري بأسره.
إننا معاشر الطلائعيين، وقبل كل شيء وفوق كل شيء، وطنيون. ووطنيتنا أصيلة ونابعة، وهي تجري في كل عرق من عروقنا. ووقد اقتبست صفاء أصالتها من أصالة ذاكرة العمالقة الذين فجروا ثورة نوفمبر المجيدة. فمنهم نستمد المرجع والرمز ونستنشق الإلهام، ومنهم تسلمنا الأمانة، وعلى خطاهم نسير بإرادة صلبة مواصلين الطريق، ومحافظين على ذكراهم، ومتشبعين بالدروس التي لقنوها لنا. وهي من الدروس الجادة التي لا تنسى ولا تمحى ولا تزول.
إن الورثة الشرعيين لجيل العمالقة هذا هم من يسهرون اليوم على هذه الأرض، وفي طليعة هؤلاء الورثة نجد أفراد الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني الذي يعلم العدو قبل الصديق بأنه الدرع الواقي والحصن الحصين للأمة.
هذان هما، إذن، التهديدان الإرهابيان الحقيقيان اللذان تقف في وجههما قواتنا المسلحة وأسلاك أمننا بفاعلية الند للند، وتكيل لهم، في كل مرة، الكيل بمكيالين. ولكن هناك تهديدات أخرى وهمية يتحدث عنها النظام السياسي القائم لأغراض بقائه ودوامه.
إن النظام السياسي القائم يطلق تسمية الاستقرار على الجمود ويعتبر التغيير تهديدا. إننا مدعوون إلى التفكير الجدي حول مغزى السؤال التالي: كيف يمكن أن تمثل محاولة الخروج من الجمود والانسداد ووضع حد لإخفاقاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تهديدا للوطن؟؟.
ومن جهة أخرى، يتهم النظام السياسي القائم المعارضة الوطنية بأنها تصنع تهديدا آخر للبلد؛ لأنها وبكل بساطة تملك الجرأة للمطالبة بالتغيير الديمقراطي في بلدنا. وهنا أيضا ينبغي أن نفكر بعمق في السؤال الموالي: كيف يمكن أن تمثل معارضة وطنية شرعية ومسؤولة، وتناضل من أجل بديل ديمقراطي توافقي و تدريجي وهادئ، كيف يمكن أن تشكل تهديدا يرجف البلد؟؟.
أخيرا، إن النظام السياسي القائم يقدم نفسه على أساس الدرع الوحيد ضد الفوضى والاهتزاز. ويزعم أن الجزائر كدولة وكأمة وكشعب وكمجتمع ستتعرض للطوفان لو تغرب “شمسه”. وأمام هذا التصوّر البشع، ألم يعد أمامنا سوى الاختيار بين نظام سياسي يقودنا من إخفاق إلى إخفاق آخر، وينزلق بالوطن من فرص ضائعة إلى فرص ضائعة أخرى، وبين الطوفان الذي يتوعدنا به كي يقتل فينا كل تعلق بأهداب التغيير؟؟.
لا، وألف لا؟؟. إن ذلك غير ممكن. لقد أنجبت هذه الأرض المقدسة نساءً ورجالا يعرفون كيف يقودون بلدنا في طريق التغيير والإصلاح والتطور، ويعرفون كيف يجنبونه كل القطائع والتمزقات والانقسامات وهو يسلك مسلك التغيير المنشود والمحمي.
ينسى هذا النظام بأنه هو نفسه صانع أزمة النظام؟؟. وهو نفسه من أوصل البلد إلى الانسداد التام. وإن هذا النظام ذاته وعينه هو المسؤول عن الإخفاق الاقتصادي الرهيب الذي تسبب فيه لبلدنا رغم الوفرة المالية التي لم يعرف كيف يصونها وفيمَ يصرفها؟. وهذا النظام نفسه هو الذي يتوجب عليه تحمل مسؤولية عدم الاستقرار الاجتماعي المقلق الذي بدأت مظاهره تلوح أمام الأعين.
على كل واحدة، وعلى كل واحد أن يعلم بأننا الآن، في وطننا، نواجه نظاما لم يعد نظاما. ونقابل مؤسسات زهدت في أداء مهامها الدستورية. ويتولى أمورنا حكام لم يعد لهم من الحكم سوى الاسم. وإننا نرى سلطات فعلية لم تعد أية واحدة منها تقوم بمهامها بمصداقية ومسؤولية وشرعية.
كل هذه الدلائل تجعل أمر التغيير أكثر استعجالا؛ لأن الوقت لم يعد في صالحنا. فالأيام معدودة وكل يوم يمر إلا ويجعل فاتورة التغيير أكثر ثقلا وتكلفة ومعاناة. ويحبذ أن يتحقق التغيير الآن قبل أن يحل متأخرا جدا.
علي بن فليس رئيس حكومة أسبق، ورئيس حزب “طلائع الحريات” ـ الجزائر، حاليا.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)