اللعبة الروائية الجزائرية مغلقة وتثبط عزائم الكتاب الشباب الواردين
نتقدم بعمق للتحليق في المشهد الأدبي الجزائري وكان في ضيافتنا عبر هذا المنبر وجوه أدبية شجاعة كشفت لنا الكثير من خصوصيات هذا المشهد وتعقيداته، اليوم نستضيف شخصية جديدة لتكشف لنا المزيد. ضيفنا الشاعر والروائي فيصل الأحمر يحب كتابة القصص والروايات ويشاكس الواقع بالشعر وهو يرى أن المحرك الأساسي…
نتقدم بعمق للتحليق في المشهد الأدبي الجزائري وكان في ضيافتنا عبر هذا المنبر وجوه أدبية شجاعة كشفت لنا الكثير من خصوصيات هذا المشهد وتعقيداته، اليوم نستضيف شخصية جديدة لتكشف لنا المزيد.
ضيفنا الشاعر والروائي فيصل الأحمر يحب كتابة القصص والروايات ويشاكس الواقع بالشعر وهو يرى أن المحرك الأساسي للنشاط الأدبي والحياة الثقافية هو المبادرات الشخصية والمجهود الفردي، كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا مهما وخلقت فرصا كثيرة لكسر الحواجز الرسمية التي تعودت عليها الحياة العقلية في البلدان المتخلفة لتعبر النصوص وتخترق الحدود.
ضيفنا الأحمر يكتب روايات الخيال العلمي وله ثلاث روايات منشورة كونه يرى أن الخيال العلمي هو فلسفة في التفكير وليس طريقة للتجنيح في المستحيلات أو نوع من إطلاق الخيال على غير هدى..سنناقش قضايا متعددة وسنتوقف في محطات عديدة منها قصيدة الهايكو التي سيكون لضيفنا معها وقفة تستحق النقاش…لنرحب بضيفنا وإليكم الحوار.
1/ توجهت إلى أدب الخيال العلمي ..ما واقع هذا النوع الأدبي في الجزائر؟ وما الدافع لتجاربك؟
ف.ا: ردود الفعل تجاه كتابات الخيال العلمي غالبا ما تبدأ بنوع من الرفض لعدة أسباب منها السباب القديمة التي هي انه أدب غير واقعي، أو مناسب للأطفال أو لا طائل منه لأنه لا يهدف إلا للمتعة ، ومنها ردود الفعل العربية البحتة التي تنطلق من انه أدب لا يتماشى مع أمتنا المتخلفة علميا وقليلة الحظ من التكنولوجيا…ولكن الوضع بدأ يتغير ببطء وبثقة، فقد انتشرت في السنوات الأخيرة الأعمال الجامعية والنقدية التي تتناول القلة القليلة من الإبداعات المنتمية إلى هذا النوع، وفي هذا نوع من الاعتراف بجدوى هذا النوع على الأقل على المستوى الجماهيري، فأنت إذا نظرت إلى أنجح الأفلام شعبيا وجدتها دائما من أعمال الخيال العلمي وفيها نوع من الإقرار بأن لهذا النوع قبولا كبيرا… وإذا دفعنا التحليل أبعد سنجد أن الخيال العلمي هو فلسفة في التفكير وليس طريقة للتجنيح في المستحيلات أو نوع من إطلاق الخيال على غير هدى…إنه طريقة في التفكير لأنه يشبه برنامجا ينطلق من عناصر وفرضيات محدودة ليصل إلى تشكيلة من الصيغ الممكنة للواقع الذي يحتمل تحققه…وهي اللعبة الفلسفية بامتياز: لعبة طرح السؤال: ماذا لو؟
2/ كيف كان تلقي القارئ لرواياتك التي تخوض في بحر أدب الخيال العلمي؟
ف.ا: من أغرب ما حدث معي شخصيا أن أصعب أعمالي على الهضم كان له قبول لا باس به، اقصد طبعا روايتي “أمين العلواني” وهي عمل تجريبي يمثل سيرة لكاتب يعيش في المستقبل ، كتبت سيرته وتخيلت له حياة أدبية عامرة بالتجارب ثم خصومات وصراعات وصورت حياة أدبية مستقبلية ما…ثم مقاطع من أعماله…الخ الخ الخ… وهو عمل على صعوبة بنائه غير المألوف (فهو رواية مكتوبة على شكل كتاب نقدي، أو على شكل سيرة نقدية من التي نعرفها، ولكنها سيرة حقيقية لشخص عاش وصار معروفا كما ألفنا) لاقى نجاحا لا باس به، فقد أقيمت حوله ندوتان في المغرب وأخرى في تونس وثالثة في الولايات المتحدة…، ودرس عدة مرات في الجامعات الجزائرية…منحني العمل إمكانية التلاعب بقواعد التخيّل البسيطة أو القاعدية، فقد تخيّلتُ في مقطع منها أن الشخصية الأدبية المسمّاة (أمين العلواني) ستجد كتابي حولها وتقرؤه، ثم رحتُ أتصوّر ردود فعلها إزاء كاتب يرسم حياتها بأدقّ التفاصيل، ثم قبلت أنه ربما سيثيره ذلك الكاتب المغمور والفاشل المسمّى فيصل الأحمر، والذي رسم حياته، فيبحث عن أسراره ويكتب حول تجربته. هكذا، أنشأت لعبة مرايا كبيرة يحاور من خلالها كلّ كاتب من الاثنين صورة الآخر في زمن … ويمكنني شخصيا أن أستدل من خلال ردود الفعل إزاء هذا العمل على درجة القبول التي يمكن لعمل من هذا القبيل أن يحصل عليها…
3/ ما المقلق لدى شخصياتك؟ وهل تحمل هذه الشخصيات فجائع وبؤس الواقع؟
ف.ا: أعتقد أن المسألة الأساسية لدى شخصياتي سواء كانت تلك التي في كتب الخيال العلمي أو غيرها التي في الكتب الواقعية أو شبه الواقعية ( من باب التفرقة بينها وبين الخيالية العلمية) هي المسألة الأخلاقية، شخصياتي مهوسة بتحليل أفعالها ومحاولة اتخاذ قرارات صائبة، وقد يكون في كل ذلك هاجس يعود إلى طبيعة تكويني أنا شخصيا…بطل روايتي الأولى “رجل الأعمال” يتلقى في دخيلته حديثا طويلا عريضا بصيغة المخاطب يشكل الرواية كلها، فهي رواية مكتوبة بصيغة المخاطب حيث يتحدث ضمير هذا البطل إلى صاحبه طيلة صفحات الرواية كاشفا كل خلجة من خلجات هذه الشخصية المركبة… روايتي الثانية أمين العلواني بطلها كاتب يعاني من أزمة النجاح السهل ويتوقف عن الكتابة بسبب شعوره بتأنيب الضمير لأنه نجح بيسر كبير في عالم كل ما فيه عسير وعصي وإشكالي… روايتي الثالثة تتحدث عن مواجهة بطل هو إرهابي تائب في سياق الأزمة الجزائرية، ومحاولته شبه الفاشلة لأجل العودة إلى الحياة المدنية بعد صدور العفو عنه؛ وهو كاتب وأستاذ جامعي وشخص معروف مارس الإفتاء لفائدة الجماعات المسلحة… وكذاك بطل روايتي الأخيرة (من حيث الصدور) “حالة حب” هو رجل يعيش تأملا عميقا في آليات الخيانة الزوجية ويحرك الرواية كلها السؤال الإشكالي: ماذا يحدث في قلب رجل واحد لكي تسكنه امرأتان او أكثر في الآن نفسه؟ ومن الواضح ان طبيعة المسائل المطروحة هي إشكاليات أخلاقية.
4/ ما المختلف في كتابة رواية الخيال العلمي؟ وهل ثمة تقنيات خاصة؟ وهل يجب وجود مرجعية علمية صحيحة ينطلق منها الكاتب؟
ف.ا: لا توجد قواعد خاصة لكتابة الخيال العلمي…هو فقط سجل خاص من الموضوعات التي نتعود عليها: تصوير المستقبل…حياة الأجنبيين عن الأرض…اختلال الزمن…الحلم…العلم وتأثيره على الحياة…تطور الحياة في ظل اختياراتنا السياسية والايديولوجية…الخ. الخيال العلمي يشبه لعبة تركيب القطع…وهو إضافة إلى ذلك لعب بقواعد الكتابة…تلاعب بعناصر القص المعروفة… لخيال العلمي عندي مغامرة في الكتابة أكثر من كونه نمطا محددا محصورا بالتعبير عن هواجس الغد القريب المتربصة بإنسان اليوم نتيجة لما يعتور العالم من تطور علمي، و من تبدل لأحوال الحياة. الخيال العلمي مغامرة في الكتابة بسبب إمكانيات الكتابة الكثيرة التي يمنحها للكاتب من المنطلق الأول الأصلي الرئيسي للخيال… أليس الخيال في تعريفه القاعدي هو تفكيك للواقع إلى قطع صغيرة ثم إعادة تركيبه حسب استراتيجيات معطاة ؟ ثم الباقي هو كما أسلفت موضوعات جرت العادة على عدها موضوعات الخيال العلمي…وهي عادة فقط…فكثيرا ما رفض بعض الكتاب عد أعمالهم تنتمي غلى الخيال العلمي في حين كل المعلقين والنقاد يعتبرونها كذلك… وذلك سببه أن كثيرا من طرقنا في التفكير في حياتنا العادية ينتمي إلى الخيال العلمي…فتفكيرنا في مشاريع ننجزها في العامين المقبلين هو نوع من الخيال العلمي…
5/ كيف تصف لنا المشهد الأدبي الجزائري؟
ف.ا: الوضع الأدبي في الجزائر يشبه غيره في بلدان أخرى… إمكانيات كثيرة وطاقات ضخمة تعاني تغييب الثقافة عن الفضاء الحيوي…كتاب كثيرون وقراء يعانون عطش الثقافة ومؤسسات رسمية تسيطر على الحياة الثقافية في جو تعوزه الحرية التي هي الشرط الباني الأساسي لنمو الحياة الثقافية السليمة… ويبقى المحرك الأساسي لهذه الحياة هو المبادرات الشخصية والمجهود الفردي. لقد خلقت مواقع التواصل الاجتماعي فرصا كثيرة لكسر الحواجز الرسمية التي تعودت عليها الحياة العقلية في البلدان المتخلفة…وصار من اليسير جدا انتقال نص ما بين الحدود … الأدب الجزائري يعرف تطورا كبيرا للغة الأدبية تتجلى ربما في تطور الحركة الشعرية الكبير الذي شهدته الساحة بحيث ظهرت أسماء كثيرة تكتب بمستوى يمكنه بلوغ العالمية لولا الحصار الذي هو خاصية البلدان المتخلفة، ولولا قلة حظ الجزائر من الدعاية الثقافية ومن المنابر الأدبية والنقدية الهامة… كذلك النقد الذي عرف نقلة نوعية بفضل جيل جامعي شديد الولع بالمذاهب الجديدة …ولكنه جيل مفتقد إلى المشروع النقدي الطموح …مشروع ليبس عسيرا تشكله..وهو ما أتوقعه في السنوات القليلة المقبلة. أما الرواية فالأعمال كثيرة والمستوى دون الكثرة…والغالب في تفسير هذه الوضعية هو أن سياق الأزمة قد حول الروائيين الجزائريين إلى صحفيين ينقلون تفاصيل الإرهاب ويصورون مشاهد السنوات العجاف التي مرت بها الجزائر دون المسافة الفنية والفلسفية اللازمة لتحقيق شرط الإبداع… ويؤجج الوضع خلل الدعاية الكبير الذي ذكرته من خلال تكريس ثلاثة أسماء أو أربعة تتكرر فتجعل اللعبة الروائية عندنا مغلقة أو شبه مغلقة وتثبط عزائم الكتاب الشباب الواردين…
6/ لديك اهتمامات بشعر الهايكو نود أن نعرف ما موقع شعر الهايكو ضمن الخارطة الأدبية الجزاىرية؟
ف.ا: الهايكو فن شعري جميل يتماشى مع روح العصر…السرعة والمضي بكل شيء دون اهتمام كبير لأن سيف الوقت يلاحقنا… يأتي الهايكو كإمكانية لقول شعري يقف بما يلزم وبما لا يتنافى مع سرعة إيقاع العصر مع أعمق تجارب البشر وأبعدها غورا: فهم سر الحياة… الهايكو وقفة سريعة وعميقة تحاول بكلمات قليلة وفي فضاء ثلاثة أسطر(عموما) أن تستخرج حكمة ما…نظرة ما صوب زاوية من الزوايا المألوفة الأليفة للحياة. ان خصام الشعر الحديث عندنا نحن العرب قد أفضى على ضرورة البحث عن منابع جديدة للإبداع، وذلك بالبحث عن منابع شرقية تشبه أصولنا بدلا من البحث في الميراث الغربي كما هو معهود…إن الهايكو بهذا الاعتبار يعد محاولة الخروج من أسيجة الجماليات الغربية التي ظلت تمثل خلفية أساسية لشعرنا العربي الحديث منذ ظهور حركة الشعر الحر. وأنا أصر في تعليقاتي وفي كتاباتي على عنصر أراه هاما وهو أن الشعر العربي قد جاء من التقاليد الفنية التي هي الغناء ، وليس الشعر بناء كلاميا كما هي الحال عند اليونان ( الذين جاؤوا بالشعر لأجل الأداء المسرحي) بل هو بناء فني غنائي موسيقي إيقاعي…والهايكو لدى اليابانيين ، آت في منابعه من التأمل الفلسفي في الحياة وليس من التفنن في الكلام…فكاتب الهايكو حكيم يحاول فهم الحياة في مظاهرها الطبيعية البسيطة….وليس شاعرا يتفنن بالكلام لأجل إثارة الإعجاب…وهو بهذا أقرب إلى الشاعر العربي الذي كان ينسجم مع الطبيعة من خلال الغناء ولم يكن يحاول تطويع اللغة لتقول أشياء خاصة…
7/ لدى البعض مخاوف وتحفظات على قصيدة الهايكو كونها قادمة من منبع حضاري وثقافي مختلف تماما عن الثقافة العربية…كيف تنظر للقضية من وجهة نظرك؟
ف.ا: العالم الآن قرية صغيرة…الغريب فيه لم يعد موجودا. والحياة والتاريخ ومنطق المصلحة الذي جبل الله سبحانه الناس عليه حول مسألة مثل الاختيارات الجمالية لدى الأدباء إلى مسالة ذات طبيعة تداولية…فالساحة الأدبية لا تطرح السؤال حول هل الشكل أصيل أو دخيل أو نشاز على الذوق أو خطر على الهوية؟ …بل المحك الوحيد هو قبول الناس له، وهو اعتبار منوط باعتبار آخر: ماذا يمكن لشكل ياباني أو أميركي أن يوفره للكاتب وللقارئ معا؟ وهل يستجيب لتطلعات الأمة الدلالية والجمالية؟
بهذا الشكل تطرح القضية، وهنا نجد للهايكو جمهورا أكيدا بما يحمله من دعوة أصيلة للتأمل وللبحث عن معنى الحياة وجدوى ما يحيط بنا في الحياة…اي البحث عن الحكمة التي هي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها كما يقول النبي الكريم.
8/ كيف تنظر لزخم وكثرة من كتاب الرواية في الجزائر ومن هم أهم الأقلام المؤثرة؟ هل لهم مسارات جديدة؟
ف.ا: أنا شخصيا انظر إلى المسألة بشكل مختلف؛ الروائيون في رأيي تصنعهم ظروف الحياة، الحياة تتشعب فنتشعب نحن الروائيين، والحياة تقف عند محطات بعينها كناقة مأمورة فنقف نحن عند تلك المحطات بالضرورة…لذلك يصبح أمر الهيمنة والأسماء غير ذي أهمية عدا الجانب الذي أسلفت القول فيه حول تكريس الجهاز الحاكم لمجموعة من الأسماء تابعة لنمط الخطاب الذي تسوقه السلطة القائمة، كتاب كبار يستقطبهم النظام بشكل ذكي فيحولهم إلى ممثلين غير معلن عنهم وشيئا فشيئا يصبحون لا يقولون شيئا ذا أهمية، ولكن المنابر الرسمية في خدمتهم ما داموا في خدمة الخطاب الرسمة كواجهات أمام الراي العام في الخارج ثم في الداخل…
وما نلاحظه من ميل للقراء الحاذقين والجمهور الجامعي صوب الأسماء الجديدة يعود إلى عناصر الاستجابة لمتطلبات الحياة من خطابات ليست مهادنة ولا تحسب حسابات كثيرة تصل بها حد الإقلاع عن التعبير من اجل مراعاة متطلبات الجهات الوصية…
يبدو لي من خلال الندوات التي أقيمها أو أشارك فيها أن هنالك بحثا عن معنى الحياة يرتبط بعملنا كروائيين؛ إذ تستوقفني بالتحديد نزعة موجودة في بعض من القراء ومن أصحاب الأسئلة يبدو انهم الأكثر قربا من موضوع الرواية التي أكون بصددها، وقد تساءلت لماذا يكون في كل مرة المعني بالموضوع هو الأكثر شغفا بالنص؟ أليس من المفروض ان يكون هو أقل الناس اهتماما بها؟
إجابة السؤال تكمن بكل بساطة في أننا نمارس الحياة بشكل تلقائي وسريع ومتشابك،وهذه الصفات الثلاث تمعنا من خلق مسافة الأمان والتأمل الكافية لفهم ما نخوض فيه، لهذا يحتاج الناس إلى الروائي هذا العالم المتوفر لدينا والفيلسوف الذي نطاله بخيالنا ويطالنا بحروفه، هذا الأخ الأكبر الذي يجيد فهم ما يحدث لنا والذي يعيننا على فهم العالم وعلى اتخاذ القرار المناسب…
شيء مثل المرافقة العقلية قياسا على المرافقة النفسية أو المرافقة البيداغوجية.
8/ هناك من يرى أن السرد الروائي الجزائري له خصوصيته بصمات خاصة تميزه مثلا عن السرد في المشرق العربي ..نود أن توضح رأيك في هذا الطرح وتشرح لنا أهم خصوصيات الرواية الجزائرية؟
ف.ا: أعتقد أن منعرجا هاما قد تم عندنا في الجزائر عام 1988 مع بداية الأزمة أو ما عرف بالعشرية السوداء، إذ تشكل الأزمة مناسبة جيدة لتجريب أشكال كتابية لأنها ؛ في إطار تعبيرها عن القلق السياسي والاجتماعي، عبّرت أيضا عن رغبة الجيل الجديد في رفض القيم الروائية القديمة التي قاد أصحابها إلى ما صار الأمر عليه.
إن الأزمة قد زلزلت كثيرا من الحدود و خلطت أوراقا كانت متباينة فيما مضى، و الأمثلة على هذا الكلام كثيرة مثل تحول المرأة /الكاتبة من راصدة للحدث المسلط على المرأة (عليها؟) إلى منتقدة محللة مفككة لبواعث الأفعال والأحداث، و حاكمة بشدة و قسوة على العالم الذي يشكله و يسيره الرجال (مستغانمي، زنير، الفاروق).
كما عملت الأزمة على ظهور الرواية الجزائرية المعاصرة كمنبر ديموقراطي يسمح للجميع بإبداء الرأي، وكتابة المرأة نموذج جيد على هذا الرأي، مع ملاحظة الظهور التدريجي ولكن القوي للهويات الصغيرة على سطح الرواية: الفنانون، النساء الاستثنائيات اللواتي أهملتهن الرواية الواقعية، الشخصيات التراثية، الإرهابيون، الإسبان، الزنوج من أفارقة وجزائريين طوارق، الفرنسيون المساندون للثورة، الإرهابيون التائبون والنساء المثليات… هؤلاء كلهم لم يكونوا فيما سبق ممن يملك صوتا، وها نحن أولاء نراهم بكل سلاسة وانسجام و راحة على متون روايات جيدة…ويمكن تعداد عناصر أخرى كالعودة إلى التراث الشعبي والتراث المحلي…الخ الخ
9/ هناك محاولات للساسة ورجال الدين لتطويع الأدب لخدمتهم .. هل سيصمد الأدب كصوت مستقل ومعارض وما تأثير هذا على المنتج الأدبي ؟
ف.ا: أعتقد انه معطى شديد التعقيد، فرجال الدين (ومن ورائهم رجال السياسة) يعملون دائما على استقطاب الأدباء لاستعمالهم لأجل صياغة خطابات التبريرية لوجودهم…والحال هو أن القطيعة بين مجتمعاتنا وبين مصادر الثقافة الغربية التنويرية قد عمل على خلق فجوة ثقافية اشتغل على ردمها بطرق شنيعة ساسة المرحلة…
لهذا نشأت نزعات شبه دينية تستنكر الرواية على أساس ديني فلا طائل من وراء القص والسرد…وهي أدوات العدو فلا يجور استعمالها…
والغالب عندي هو أن الرواية ستخرج من كل هذا سالمة غانمة …ولكن هنالك مرحلة حرجة عظمى وردة قوية ستمر بالضرورة قبل أن يكبر الطفل الذي هو البلاد العربية وتتحول مرجعياته فتعود هذه النزعات إلى العدم الذي كانت فيه.
10/ أنت تكتب في عدة أجناس أدبية مختلفة…أين تجد نفسك أكثر وما الذي يغريك في الكتابة الأدبية؟ وأهم ما نشرته؟
ف.ا: الشكل عندي شخصيا واقعة هامشية فمنذ أن بدت الكتابة وأنا أمارس كتابة الأنواع الأدبية جلها ولا شيء في ما اكتبه يزعج شيئا آخر داخلي يزعج شيئا…تأتي النصوص ومعها تأتي النصوص…ولا يمكنني أن اعرف هل ما سأكتبه من جنس كذا أو كذا قبل أن اكتبه…
أحب كتابة القصص والروايات ويبدو لي إنني قصاص ممتع وذو مهارة سردية “تقنية” محترمة…ويأتي على هامش هذا الميل الميل ولعي بالخيال العلمي…
كما ان جل جوائزي الأدبية الكبرى كانت في الشعر: سعاد الصباح – مفدي زكريا – رئيس الجمهورية- وزارة الثقافة…الخ الخ…وأنا اكتب الشعر منذ ان بدأت احمل القلم…فلا أظن انه سيأتي يوم اكف فيه عن خربشاتي الشعرية.
أهم ما نشرته في الرواية “رجل الأعمال” و”أمين العلواني” و”ساعة حرب ساعة حب”…وفي الشعر لي 5 دواوين منشورة أهمها “الخروج إلى المتاهة”و”مساءلات المتناهي في الصغر” و”المعلقات التسع″…
11 / رأيك لماذا يوجد جفاء وفجوة اليوم بين السينما والرواية العربية ؟
ف.11: السينما عندنا أداة متخلفة شيئا ما .. والصناعة السينمائية يشرف عليها جهاز متسلط (أجهزة الدولة) قد لا يكون أهم شيء يثيره هو رؤية الإخاء المخيف بين السينما الجادة والأدب الجاد…فهو خطاب تنويري ربما تكون السلطة المهيمنة في بلداننا كارهة له اشد الكره…وهذا تفسير تمويل اعمال سخيفة وغلق الأبواب امام المبادرات الجادة. والغالب انه بعد مرحلة الاحلام العربية في الستينات والسبعينات حدثت قطيعة شديدة بين الكتاب وصناع السينما …ولا يستطيع الامر ان يكون وليد الصدفة طبعا…بل انها وجدت رغبة من الاجهزة الحاكمة عملت على تقريب هؤلاء وأولئك ثم وجدت سلطة بديلة لديها رؤية مختلفة.
حميد عقبي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)