العشرية الدموية قامت بعملية تجريف الى حد التصحر للعقل السياسي في الجزائر
العشرية الدموية قامت بعملية تجريف الى حد التصحر للعقل السياسي في الجزائر ~
السياسة علم قائم الأركان، ليس فهلوة ولا فذلكة ولا فرك اللسان، علم يجمع بين القواعد النظرية والممارسة التطبيقية، وكغيره من العلوم البشرية يهدف لخدمة المجتمع، مستفيدا من التجارب الانسانية السابقة، متفاعلا مع التطورات المعاصرة، مستثمرا قدراته الابداعية لرسم خطوط المستقبل.
يبدوأن العشرية الدموية في الجزائر، قد قامت كذلك بعملية تجريف حد التصحر للعقل السياسي في البلد، ما شجع على بروز كائنات رخوية لها القدرة على التمدد والتقلص وفق حاجتها هي فقط، تتميز بالخلايا ذات العصب الواحد والوحيد، همّها الأول والأخير إشباع النزوات لا غير؛ مفهوم “الوطن” ودلالة “الدولة”، مفردات معدومة في قواميسها الخاوية إلا من البطن والنفوذ وما تحت البطن. وإن جازفت باستخدام احدى المفردتين، نظرت اليك خزرا، كأنما شطحت بلسانك خارج منظومة شمسهم، وبعيدا جدا عن أفلاك اهتماماتهم.
مازلت أذكر دهشتي حدّ الصدمة، من جواب الناطق باسم الحكومة في لقاء خاص 2013، حين قال لي: نتابع باهتمام شديد مقالاتك في صحيفة “القدس العربي” (أيام كانت تحت رئاسة الاستاذ عبد الباري عطوان)، ونثني على كثير مما تتناوله، غير أن لي ملاحظة أراها جوهرية، فأنت تخاطبنا ناقدا على اعتبارنا نحن الوزراء وغيرنا ممن يحتلون وظائف سامية، أننا “رجال دولة”؛ وأصدقك القول أننا لسنا كذلك أبدا، فهمنا الوحيد هوالعقارات والبنات وضمان مستقبل مريح لأسرنا، ابعد من هذا لا نرى، ولغير هذا لم نجتهد للحصول على هذه المناصب، إن مفهوم الدولة الذي تخاطبنا به منعدم لدينا تماما، وإني صراحة لأشفق عليك وعلى قلمك من هذا الالتباس، وأنت المحسوب قامة جزائرية أثبتت جدارتها في صحيفة بحجم القدس العربي”.
منذ بدأ ما يسمى بالربيع العربي، تجنبت التعرض إلا نادرا للشأن الداخلي الجزائري، خوفا من أن أكون سببا في إشعال فتيل لطالما تطلع إليه العدو، وما أكثر كوم القش اليابس في الجزائر، واكتفيت بمقالات سابقة بين عامي 2009 و2012، التي تناولت فيها جهدي وما أمكنني الواقع الجزائري.
اليوم وكاستثناء كذلك، أجدني مضطرا للوقوف على حالة لا يمكن أن تجدها في اي بلد بحجم الجزائر تاريخا وعنصرا بشريا خلاّقا وثروة. إنها حالة المهاترات غير المسؤولة، والفقيرة حد العوز المدقع للوعي السياسي، التي تدفقت بها عقيرة قائد حزب من أقدم الأحزاب الجزائرية، وأشهرها وأكثرها تمثيلا ولوصوريا في ما يسمى المجلس الشعبي الوطني.
وأوضح بما يقطع الشك أني لا أدافع عن رئيس جهاز المخابرات الجزائرية السابق، ولا على قرين السياسوي هذا، والذي سبقه على ذات الكرسي الذي تعفن خلال الربع قرن الأخير. بل أتوقف عند المبادئ العامة لسياسة شؤون دولة، وعن دور مؤسساتها التي توصف دجلا بأنها مستقلة.
فأول ما يلفت الانتباه، أن صاحب هذه الضجة من التصريحات غير المسؤولة، أنه أدرجها في خطاب أمام الاعلام تحت عنوان “الدفاع عن تأسيس الدولة المدنية”؛ في حين أنه قام بأول خرق فج ومتعجرف لقواعد وأصول الدولة المدنية. ذلك أن المسؤول العااقل، والذي يتمتع بأدنى حس من الوعي السياسي، متى تحصلت لديه قناعة، قائمة على أدلة موثقة، بأن موظفا ساميا عميل لطرف أجنبي، يرفع الملف بشكل آلي للنائب العام للتحقيق، وإذا كان المنصب عالي الحساسية والخطر، بحجم رئيس جهاز المخابرات أو رئيس حكومة ووزير خارجية وممثل شخصي لرئيس الجمهورية، فالقضاء وحده المخول بإذن تناوله عبر وسائل الاعلام أومنعه، وفقا للصالح العام وحماية لروابط الشعب بدولته؛ بل من حق النائب العام أن يلزم المعنيين المباشرين بالملف بواجب التكتم الى غاية الفصل فيه. ذلك أن تداعيات اتهامات جنائية عالية الخطر لا تقتصر على أشخاص بعينهم (خاصة وهم خارج السلطة)، وإنما تسري كالنار في هشيم الوطن، ما قد يسبب حالة من الارتباك والفوضى، لا يملك “المدعي” نفسه سبيلا للجمها.
هنا يستوقفني كذلك دور النائب العام الذي يخول له القانون الصلاحية المطلقة لفتح تحقيق بشكل تلقائي، فتصريحات من هذا المستوى وبتلكم المفردات، تمس أمن الدولة في الصميم، وتضرب مصداقيتها لدى الشعب في العظم؛ السبات الشتوي بل السنوي للنواب العامين في الجزائر أمام قضايا عالية الحساسية، تتدوالها الطبقة السياسوية بأسلوب سوقي أحيانا ومبتذلا عبر منابر إعلامية، دون أن يحرك النائب العام ساكنا، تثير علامة استفهام بحجم سماء الجزائر، ليس فقط حول صحة تلكم الجنايات بحق الشعب والدولة الجزائرية، وإنما تساؤلات عن غياب مؤسسة العدالة، التي باتت لصمتها أشبه بمقبرة للنواب العامين والقضاة، غير أن أمواتها يأكلون ويشربون ويتقاضون أجورا عالية من خزينة الشعب، ولا تجوز قراءة الفاتحة عليهم لانعدام الشواهد.
أعتقد جازما، في ظل الأوضاع الدقيقة خاصة التي يمر بها عالمنا العربي عموما، والجزائر خصوصا، أن تصريحات من هذا القبيل، خاوية من كل وعي بالمسؤولية، والتي باتت تميز سلوك أغلب باعة “الأكشاك” (الأحزاب) السياسوية، تشكل خطرا جديا على استقرار البلد؛ وما لم يسارع العقلاء إن وُجدوا أعلى هرم السلطة فيي الرئاسة والمؤسسة الأمنية لوضع حد نهائي، لهذه “التحوت” التي تبوأت قيادات الأحزاب -من أقصى يمين الاسلماويين الى أقصى شمال الماركسيين- فمستقبل الجزائر لا يبشر بدا بخير.
الجزائر تايمز اسماعيل القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)