الجزائر بين خيارين مع تونس أحلاهما مر جدا
لم يكن تصريح الرئيس التونسي بوجود سبعين خبيرا عسكريا أمريكيا على أرض بلده، تحت عنوان الاتفاقيات التي أبرمت بين البلدين، و التي أشرنا لها في مقال سابق بتحليل واسع تحت عنوان: تونس حين تجلب الطاعون إليها….” في 29 من الشهر الماضي. لذلك لا أرى داع للعودة لهذه الاتفاقية الأمنية الخطيرة جدا على الأمن…
لم يكن تصريح الرئيس التونسي بوجود سبعين خبيرا عسكريا أمريكيا على أرض بلده، تحت عنوان الاتفاقيات التي أبرمت بين البلدين، و التي أشرنا لها في مقال سابق بتحليل واسع تحت عنوان: تونس حين تجلب الطاعون إليها….” في 29 من الشهر الماضي. لذلك لا أرى داع للعودة لهذه الاتفاقية الأمنية الخطيرة جدا على الأمن الإقليمي. و نختصر الرد على تصريح الرئيسي التونسي، الذي عصف بشكل رسمي و علني، بكل من كذّب من التونسيين الرسميين وجودا عسكريا أمريكيا بتونس، في النقاط الآتية:
أولا- المتابع للشأن الأمني يعلم يقينا بأن الجزائر عملت بكل قوتها و رمت بكل ثقلها، لمنع أي تواجد عسكري أمني في الاقليم المغاربي و دول الساحل عموما، بل منعت التواجد الإداري لقوات أفريكوم. هذا يفند بشكل قاطع زعم بعض قيادات حزب نداء تونس، بأن الخيار التونسي هذا تم بتنسيق و تفاهم مع الجزائر.
ثانيا- الدفع من جهة أخرى بأن هذا الخيار سيادي، و يخص تونس وحدها، و لا يحق لطرف أجنبي (المعني هنا الجزائر طبعا) التدخل فيه، شعار حق مراده باطل بامتياز.
ثالثا- من لا يريد رؤية الهدف من التواجد العسكري الأمريكي في تونس، إنما يتعامى رؤية واقع الصراع الدولي. و بكل بساطة لو لم يكن الأمر كذلك، فلماذا ترفض الجزائر هذا الوجود على أرضها، و قد عُرض عليها من قبل أن تستجديه السلطة التونسية؟.
رابعا- السؤال الجوهري: هل تونس بحاجة لطائرات من دون طيار؟ أم بحاجة لقوات عسكرية أمريكية؟ السؤال موضوعي و واقعي و لابد من الإجابة عليه؛ ذلك كما أشرنا في مقالنا السابق، إذا كانت بحاجة لطائرات من دون طيار فقط، فضلا عن خبرات تسيريها، فمروحة الخيارات أمام تونس مفتوحة بسعة 180 درجة، أولها و أهمها استراتيجيا و أمنيا “الجزائرية”، و إمكانية الحصول عليها من روسيا قائمة و من جنوب إفريقيا و من إيران، و جميع هذه الطائرات من دون طيار، لها قدرة و خصائص تكنولوجية، إذا لم ترقى لمستوى الصناعة الأمريكية، فمن المؤكد أنها تستجيب لحاجات تونس الأمنية.
عند مواجهة هذا السؤال الجوهري، نجد أنفسنا أمام صلب الواقع، فالأمر لا يتعلق بطائرات من دون طيار، و إنما بجلب قوات عسكرية أمريكية لتونس، و هنا عقدة الخلاف الرئيسي بين الجزائر و تونس.
خامسا- تسويق وهم خبرات الولايات المتحدة بمحاربة الإرهاب، يمكن أن يبتلعه السذج و الحمقى، و لعل أخر من يلتفت لهذا الشعار الأجوف هي الجزائر؛ و حبذا لو يستدل صاحب هذه القناعة بمثل واقعي واحد.
سادسا- كل الدول العظمى تعترف و تقرّ للجزائر بخبراتها العالية (العسكرية و الأمنية و اللوجستية) في مكافحة الجماعات الإرهابية، بل و تعتبر الجزائر مرجعية رئيسية في هذا الشأن، و على رأس هذه الدول الولايات المتحدة ذاتها.
سابعا- استدلال الرئيس التونسي بأن الولايات المتحدة تملك حاملة طائرات، ما يجعلها مستغنية عن قواعد في تونس، دفع لا يستحق الرد، لكون الاجابة عليه قائمة بنصها في الاتفاقية المبرمة بين البلدين.
ثامنا- بعملية مسح سطحية و بسيطة لنشاط الولايات المتحدة، بذات المبررات التي اعتمدتها القيادة التونسية، نقف على نتائج تدخلها بطائراتها من دون طيار، و خبرائها العسكريين، سواء في أفغانستان أو اليمن أو العراق، و لا نعتقد أبدا أن تونس ستنتهي إلى نتائج مختلفة.
تاسعا- الجزائر تعتبر هذا الخيار الخطير يهدد الأمن الإقليمي الهش أساسا، بفضل التدخل الأجنبي، و على أمنها الوطني بدرجة أعلى؛ هذا التقدير الاستراتيجي و الأمني لا يرتكز على رغبة صبيانية للتدخل في الشأن التونسي كما يريد البعض طرحه، و لا سعيا منها للحجر على القرار السيادي التونسي، و إنما يستند على قراءة معمقة، و معطيات ملموسة و حقائق و واقع عنيد لا يقبل الجدل و المناكفة، و قد عرضت كل ما لديها من تحفظات على السلطة التونسية، التي وفق قرارها هذا قدّرت أنها غير معنية به.
أخيرا، تجد الجزائر نفسها محشورة في زاوية بين خيارين أحلاهما مر، بل و مر جدا، نقول ذلك و في الحلق غصّة.
الأول- أن تتدخل بنفوذها و قوتها الناعمة في الشأن التونسي، لتضع حدا نهائيا لهذا الخيار الخطير، و يعاد النظر بشكل مسؤول و واعي في طبيعة العلاقة بين البلدين، و صياغة معاهدة دفاع مشترك ملزمة للجانبين؛ هذا الخيار الأقل خطورة، غير أنه محفوف بكثير من الصواعق المتفجرة، لعل أهمها هشاشة السلطة التونسية و تفكك روابطها، ما قد يؤدي لانهيارها بدل تقويم خياراتها.
الثاني- أن تتخذ نفس الاجراءات مع تونس كالتي اتخذتها بداية تسعينيات القرن الماضي مع المغرب؛ لعل أولها غلق الحدود البرية بشكل كامل، و وقف أهم مجالات التعاون خاصة منها الطاقة و الأمن، و بهذا الخيار الأمر -و الذي لا نرى مع الأسف مفرا منه إذا استمرت السلطة التونسية في هذا الاستفزاز- نكون قد تخلينا على تونس و سلّمناها بشكل كلي لفوضى لا تقل تفصيلا و إجمالا عن فوضى ليبيا و ذلك ما تسعى إليه الولايات المتحدة، تماما كما سعت له في بلدان عربية و إسلامية سبق ذكرها مثلا.
لكم أتمنى أن تعي النخب التونسية التي نعوّل على وعيها كثيرا، واقع نتائج هذا الخيار الخطير و تداعياته على استقرار تونس و على مستقبلها، التي من مصلحتنا جميعا أن تكون دولة قوية مستقرة مزدهرة.
اسماعيل القاسمي الحسني.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (17)