الجزائر تترنح مابين وضع اقتصادي هش و مأزق اجتماعي وسياسي ملتهب؟
الجزائر تترنح مابين وضع اقتصادي هش و مأزق اجتماعي وسياسي ملتهب؟ ~
أثار القرض الذي وقّعته الجزائر مع «البنك الأفريقي للتنمية» في تشرين الثاني الماضي، نقاشاً حاداً بشأن عواقب العودة المُمنهجة للجزائر للاقتراض من الخارج.
فهذا القرض الذي يأتي في إطار تمويل «برنامج دعم التنافسية الصناعية والطاقية» المُندرج ضمن «النموذج الجديد للنمو الاقتصادي»، والذي تبنّته السلطات الجزائرية بداية تموز 2016 هو الأول من نوعه كقرض خارجي تلجأ إليه الحكومة منذ عشرة أعوام، والبالغة قيمته 900 مليون يورو من «البنك الأفريقي للتنمية».
تهدف هذه الاستراتيجية الجديدة في الجزائر إلى إجراء تحوّل هيكلي وتنويع مصادر اقتصادها، من خلال تقليل الاعتماد على العائد من النفط في ظلّ فترة تشهد انخفاضاً ملحوظاً في أسعار مواد الوقود منذ عام 2014، كما يأتي هذا القرض ليُضيف حلقة جديدة في تعزيز التوجّه الذي تسلكه الحكومة منذ أشهر عديدة، القائم على الاقتراض لتمويل المشاريع الكبرى للبنية التحتية.
في شباط 2016، وجّهت السلطات الجزائرية دعوة لمقرضين صينيين، لتمويل مشروع بناء ميناء في شرشال على البحر المتوسط، بتكلفة تُقدّر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، وهو القرار الذي أثار سجالات حادّة في البلاد، لا سيما بين خبراء المالية.
وتزامنت هذه الدعوة مع إعلان شركة «سونلغاز»، المملوكة للدولة والمُكلّفة توليد ونقل وتوزيع الكهرباء والغاز الطبيعي في الجزائر، بالبحث عن قروض خارجية من الآن وحتى عام 2018 في إطار إنجاز مشاريع تُقدّر قيمتها بأكثر من تسعة مليارات دولار، والتي ستطرح الدولة الجزائرية نفسها كضامنة لها.
اقتصاد هش
تكشف العودة الحالية للاقتراض الخارجي بعد عشرة أعوام من قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بإدخال بلاده في طريق وقف الاستدانة، عن حقيقة لا يُمكن التغاضي عنها، وهي نضوب الموارد المالية لهذا الاقتصاد، الذي طالما يقوم بتعويض ضعف أدائه الإنتاجي باللجوء إلى العائد النفطي.
غير أن هذا الوضع، في ظل استحواذ مواد الوقود على الجزء الأكبر من الصادرات، عزّز هشاشة الاقتصاد الجزائري، المعتمد على تقلبات أسعار البترول والغاز في الأسواق العالمية، حيث أظهر التقرير الأخير لـ «البنك الدولي» في نيسان 2016، بشأن أداء الاقتصاد الجزائري، أن «صادرات الوقود تمثل 95 في المئة من الصادرات الإجمالية ونحو ثلثي الإيرادات العامّة. وقد انخفضت صادرات الوقود من ذروتها البالغة 36 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011، إلى 19 في المئة من الناتج في العام 2015، فيما انخفضت عائدات النفط والغاز من ذروتها بنسبة 27,4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 14 في المئة من الناتج أيضاً.
من الممكن أن يقود هذا الوضع الجديد للاقتصاد، المجتمع الجزائري إلى اضطرابات سياسية، ولا سيما أن سياسات توزيع عوائد النفط عزّزت على مرّ التاريخ شرعية السلطات في شراء السلم الاجتماعي، إذ سلط تغيّر المسار الاقتصادي الذي رافق السقوط المدوّي لأسعار مواد الوقود، الضوء على ضعف استراتيجيات التنمية، سواء في نسختها في القطاع المملوك للدولة «الاشتراكي»، أو الذي يحمل اسم «ليبرالي»، البادئ منذ ثمانينيات القرن الماضي.
مخاطر سياسية
في نهاية المطاف، تُخاطر الدولة بوضع شرعيتها على برميل بارود إذا لم تتمكّن من إرضاء المطالب الاجتماعية، لا سيما المطالب الصادرة عن الطبقات الشعبية.
ففي سبعينيات القرن الماضي، حاولت السلطة تثبيت شرعيتها من خلال استراتيجية تصنيع مُكثّفة، تم تقديمها كنموذج للتنمية الاشتراكية الذي ينبغي أن يسمح بتلبية التطلعات الشعبية وأهداف «حرب التحرير»، إلا أن هذه الاستراتيجية حفّزت ثراء طبقة مُرتبطة بالدولة التي رأت في العائد أداة للتحديث الاقتصادي من الأعلى، من دون أن يكون هذا التحديث مدعوماً بجهود إنتاجية من المجتمع. ونتيجة لذلك، وصلت سياسة التنمية لاقتصاد وطني إلى نهايتها سريعاً، حيث كشفت الوفرة النفطية التي حطمت أسعار النفط في عام 1986، وكذلك أزمة الدين خلال الثمانينيات، عن فشل هذا النموذج الاقتصادي والاعتماد المُتزايد على القطاعات الأكثر تقلّباً لمواد الوقود.
جراء ذلك، تمّ النظر إلى التمرّد الشعبي الذي اندلع في عام 1988 كنتيجة مُباشرة لليبرالية اقتصادية مُرتبطة بطبيعة استبدادية للدولة.
خلال العام الحالي، وجه مسؤولو «صندوق النقد الدولي» دعوة للسلطات الجزائرية بتبني «استراتيجية ملائمة» بداية من عام 2016، مقترحين خفض الانفاق العام، وإعادة النظر في سياسة الدعم على السلع الأساسية، كما دعا «البنك الدولي» الحكومة إلى تحقيق إصلاحات هيكلية، خاصّة بزيادة الضرائب على الكهرباء والوقود.
لكن هذه التوصيات التي تستعد الدولة لتنفيذها تضع المجتمع الجزائري على طريق أزمة اجتماعية وسياسية محتملة. فمنذ الاستقلال، لم تنجح الدولة الجزائرية في إيجاد طريق آخر بديل عن اقتصاد يعتمد فقط على تصدير مواد الوقود، وبديل عن ضغوط المؤسسات المالية الدولية، وهو تحدّ مستمرّ ينبغي تخطيه من أجل السماح للجزائر الوفاء بوعود الاستقلال الذي حقّقته بصعوبة.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (24)