الدول العربية تدفع الفاتورة الأكبر للإرهاب
بات الإرهاب اليوم أحد أخطر الظواهر والمشكلات التي تواجه المجتمعات الإنسانية وتهدد كيانات الدول وتضرب استقرارها بعد أن استفحل وتمدد كالنار في الهشيم. ورغم تحوله إلى كارثة تهدد كل دول العالم دون استثناء، إلا أن الفاتورة الكبرى تدفعها الدول العربية التي تمثل في الكثير من الأحيان مرتعا خصبا للمتطرفين…
بات الإرهاب اليوم أحد أخطر الظواهر والمشكلات التي تواجه المجتمعات الإنسانية وتهدد كيانات الدول وتضرب استقرارها بعد أن استفحل وتمدد كالنار في الهشيم. ورغم تحوله إلى كارثة تهدد كل دول العالم دون استثناء، إلا أن الفاتورة الكبرى تدفعها الدول العربية التي تمثل في الكثير من الأحيان مرتعا خصبا للمتطرفين نظرا لجملة من الظروف والمعطيات الموضوعية التي مهدت لهذا الوضع. وما من شك أن العراق الذي مزقت أوصاله الحروب لسنوات طويلة يقبع على رأس قائمة الدول الأكثر تحملا لتكاليف الإرهاب على جميع المستويات ولا سيما الاقتصادية.
وأدى تصاعد الحروب والعمليات والأنشطة الإرهابية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تحمل دول مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا تكاليف باهضة جدا على المستوى البشري والاقتصادي لا سيما في الخمس سنوات الأخيرة. علما وأن صدى هذه الأوضاع في هذه البلدان تجاوز حدودها وانتقل لدول جوار مثل مصر وتونس خاصة واللتين دفعتا ثمن القرب الجغرافي أولا وانخراط شبابها في التنظيمات الإرهابية وانتقال العنف إلى أراضيها ليضرب قطاعات حيوية في اقتصادهما.
وفي تقرير أصدره معهد الاقتصاديات والسلام، أكد أن 13.6 تريليون دولار فقدها العالم نتيجة الحروب والصراعات التي تعيشها العديد من الدول في الوقت الحالي، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح التقرير أن معظم هذه الأموال أُنفقت في التسلح والأمن، أو تبخرت في دول تشهد صراعات، في وقت تكبدت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكبر خسارة اقتصادية لها بسبب استمرار العنف والحروب.
إذ توقف نشاط شركات وتراجع الصادرات، وارتفعت مؤشرات البطالة والتضخم، وتوقف تدفق العملة الصعبة، وانهارت البنى التحتية مقابل زيادة الإنفاق والتداين لأجل تمويل الحروب، وصفقات التسلح والأمن في هذه الدول التي تكابد جراء الحروب ونشاط التنظيمات الإرهابية المختلفة على أراضيها.
وكشف المعهد عن حلول سوريا في المرتبة الأولى، كأكبر خاسر اقتصاديا جراء الحروب، إذ فقدت أكثر من نصف حجم اقتصادها بنحو 54 بالمئة عام 2015، فيما ورد العراق وشعبه كثاني أكبر خاسرين للأموال، بسبب استمرار مستويات عالية جداً من العنف. وأفاد التقرير أن أثر العنف في منطقة الشرق الأوسط على اقتصاداتها، زاد بنسبة 21 بالمئة بين عامي 2007 و2014، قبل أن يتراجع قليلا بين عامي 2014 و2015.
وساهمت أنشطة الإرهاب والحرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في زيادة التكلفة الاقتصادية، إذ تضررت قطاعات كثيرة بسببه وحرمت قطاعات أخرى من التمويل بسبب زيادة الإنفاق على الأمن. إذ تقول احد التقديرات الأخيرة أن حجم إنفاق المنطقة العربية فيما يتعلق بالحروب ومواجهة الإرهاب بلغت بنحو 500 مليار دولار. وهو ما أضر باقتصاديات دول عربية كثيرة، وأثر سلبا على مستوى إنتاج مؤسسات وشركات، فضلا عن قطاعات السياحة والتجارة والاستثمار.
وتعانى الدول العربية التي تشهد موجهة عنيفة من الإرهاب من ارتفاع معدلات الفقر، فوفقا لتقرير للبنك الدولي ارتفع عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر باليمن بنسبة 12 نقطة مئوية في عامين فحسب، وارتفعت نسبة الفقر من 35 بالمئة في العام 2005 / 2006، إلى 54.4 بالمئة بنهاية العام 2011، وفى مصر زاد عدد الفقراء في المدن الكبرى ثلاثة أمثال خلال فترة الخمس سنوات.
كما أدت عمليات الإرهاب في كثير من الدول وخاصة ليبيا وسوريا والعراق إلى تدمير البنية التحتية وقطعت الطرق التجارية وتراجعت ثقة المستثمرين والمستهلكين وتدمير البنية التحتية للمدارس والمستشفيات.
وقد تتحمل الاقتصاديات الكبرى أثار الهجمات الإرهابية لكنها تكون مدمرة بالنسبة للاقتصاديات الصغيرة والفقيرة، فقد بلغت خسائر الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر أيلول 2001 نحو 80 مليار دولار، ورغم ضخامة الرقم إلا أنه يمثل 0.1 بالمئة من الناتج المحلى الأميركي الذي يقدر في ذلك الوقت بنحو 10.6 تريليون دولار، في حين دمرت اقتصاديات الدول الصغرى تماما جراء هذه الظاهرة وقد يحتاج بعضها إلى معجزات حقيقية حتى يستعيد عافيته.
العراق نموذجا
يوجد الكثير من النماذج العربية التي تنزف اليوم جراء الإرهاب والحروب، لكن يبقى للعراق خصوصيته في هذا السياق لعدة اعتبارات أهمها طول فترة الحرب التي انطلقت منذ 2003، وتفرعات نتائجها. فهي السبب المباشر في ولادة التنظيمات الإرهابية، وهي سبب تعميق الطائفية وصراعاتها الدموية المستمرة حتى اليوم، وهي سبب الفساد الذي ينهش البلاد، وهي سبب انهيار اقتصاد بلد من اكبر البلدان النفطية في العالم.
وقد يذهب البعض للقول أن الإرهاب ليس بالمعطى الجديد على العراق الذي عاش على وقعه لأكثر من عقد وتحديدا منذ الاحتلال الأميركي للبلاد والذي أدى لانهيار مفهوم الدولة التي تحولت إلى ما يشبه حلبة صراع لتصفية حسابات طائفية لم تقف عند المستوى الشعبي بل بلغت حتى الساحة السياسية التي استفادت من هذا الوضع ومارست فنون السرقات الكبرى لمقدرات وموارد الشعب في مشهد أدت تراكماته إلى تحول العراق إلى ما يشبه المسرحية التراجيدية التي انبثق عنها مولود خطير تكفل برسم الخريطة النهائية الدموية ونعني بذلك ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية".
فقد أدت الظروف السالف ذكرها إلى وجود حاضنات لهذا التنظيم في مناطق مختلفة من العراق على غرار محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين التي سيطر عليها التنظيم بدعم من متساكنيها بسبب اللامساواة السياسية والاقتصادية التي كانت تميز المشهد العام.
وتصدر العراق قائمة الدول الأكثر تضررا على مستوى العالم من الإرهاب على الصعيدين البشري والاقتصادي بين الدول الأكثر تضررا من حيث الخسائر والحوادث الإرهابية و عدد الحوادث والوفيات والمصابين والخسائر في الممتلكات خاصة بعد ب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية.
وحسب تقرير معهد الاقتصاديات والسلام فقد ارتفع الانكماش الاقتصادي في الناجم عن الحرب وعدم الاستقرار بالعراق، إذ ارتفع حجم الإنفاق العسكري لما يقرب من نصف حجم اقتصادات بعض دول المنطقة (49.1 بالمئة)، بينما بلغ مستوى الإنفاق على الأمن الداخلي بين 14 بالمئة و23 بالمئة، علما وأن الحرب كلفت نحو 84 مليار دولار حتى الآن
وأشار التقرير إلى زيادة الأثر الاقتصادي للعنف بنسبة 77 بالمئة بالعراق منذ عام 2007، إذ أن الأثر الاقتصادي للإرهاب في العراق ارتفع بنسبة 185 بالمئة بين عامي 2009 و2015، بسبب صعود تنظيم الدولة الإسلامية وحرب التحالف الدولي ضده في الموصل.
ويضيف التقرير بأنه رغم انخفاض الإيرادات بسبب تراجع أسعار النفط، فقد زاد العراق نفقاته العسكرية بنسبة 14 بالمئة عام 2015.
هذا وتوقفت مشاريع الاستثمار في العراق وخاصة المناطق التي تشهد عمليات عسكرية وأوقف تنفيذ المشاريع في قطاعات الإسكان والبنى التحتية وتوقف القطاع الخاص وكذلك القطاع الحكومي ما أدى إلى تضخم مستويات البطالة، حيث بات هناك أكثر من أربعة ملايين شخص من قوى العمل عاطلين عن العمل.
هذا وتشهد الموازنة العامة في العراق عجزا كبيرا أدى إلى تقليص الإنفاق الحكومي بشكل اثر على الإنفاق الاستثماري بل إن الموازنة لم تتمكن من تلبية المتطلبات الاستثمارية وتوقفت بشكل تام.
وفضلا عن الفاتورة الاقتصادية كان للإرهاب والحروب في العراق أثار أخرى لعل أبرزها موجات النزوح الكبيرة التي تشهدها عدة مدن بسبب حروب التحرير من التنظيم الإرهابي والتي بلغت أعدادهم مستويات قياسية تجاوزت الثلاثة مليون نازح يعانون أوضاع إنسانية كارثية جراء طول فترة معركة التحرير حينا، وعدم استعداد الدولة لإعادة إعمار المناطق المحررة، فضلا عن تعنت بعض المليشيات وخاصة الحشد الشعبي ومنعهم عودة الكثيرين إلى منازلهم رغم تأمينها بشكل كامل. كما ارتفع عدد الضحايا منذ بداية عام 2015 إلى أكثر من 7300، وفقا لقاعدة بيانات منظمة ضحايا حرب العراق وأفادت التقارير بمقتل أكثر من 17 ألف خلال عام 2014.
فاطمة بدري
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (7)