هاجس مقاطعة الانتخابات البرلمانية في الجزائر يؤرق السلطة!
هاجس مقاطعة الانتخابات البرلمانية في الجزائر يؤرق السلطة!
تستعد الجزائر لإجراء خامس انتخابات برلمانية منذ إقرار التعددية السياسية، دون احتساب الانتخابات التي جرت سنة 1991، وألغيت نتائج الدور الأول منها بعد فوز الإسلاميين بأغلبية المقاعد فيها، ورغم أن هذه الانتخابات لا تحمل في طياتها ظاهرياً أي رهان، إلا أنها تعتبر كذلك بالنسبة إلى السلطة، التي تريد أن تجعل منها اختباراً للإصلاحات السياسية التي شرعت فيها منذ 2011، والتي شهدت إعادة النظر في كل ترسانة القوانين المسيرة للحياة السياسية، وتوجت سنة 2016 بتعديل موسع للدستور.
وتأتي هذه الانتخابات في ظرف سياسي واقتصادي ضاغط، فالسلطة حتى وإن استطاعت أن تحافظ على التوازنات الكبرى سياسياً واقتصادياً، إلا أنها لم تستطع المرور بعد إلى بر الأمان، فالوضع الصحي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة مازال يؤثر على أداء السلطة، وعدم ممارسته مهامه بالشكل الذي كان يمارس به قبل إصابته بوعكة كشف الكثير من عيوب الجهاز التنفيذي، كما أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد تزداد صعوبة، في وقت تبدو فيه الحكومة عاجزة عن تقديم حلول للأزمة التي تعصف بالبلاد من جراء انهيار أسعار النفط، خاصة أن الحلول التي تقدمها الحكومة منذ أكثر من سنتين، تبدو ارتجالية ومتسرعة ويغلب عليها الغموض.
وفي هذه الأجواء تبدو الانتخابات البرلمانية كمشروع تسعى السلطة إلى إنجاحه للتغطية على الإخفاقات الأخرى، واستغلاله كمنبر لإثبات صلاحية الإصلاحات التي أدخلتها على الحياة السياسية خلال الست سنوات الماضية، بغرض إعادة إرساء قواعد جديدة للممارسة الديمقراطية، والأهم من ذلك الخروج بجرعة إضافية من الشرعية، تمكن السلطة من المواصلة حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، علما وأنها خرجت محرجة من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي حصل بموجبها الرئيس بوتفليقة على ولاية رابعة، انتخابات لم يقم بحملتها، ولم يخاطب فيها الجماهير، بسبب وضعه الصحي الصعب، علماً أنه كان خارجاً للتو من جلطة دماغية أدخلته المستشفى لمدة تجاوزت الـ80 يوماً، ثم فترة نقاهة دامت أشهراً عدة، ومازاد في تعقيد مهمة السلطة آنذاك، هو التكتل الذي شكلته المعارضة، وضم كل ألوان الطيف وكل المعارضين للنظام، والذين رفعوا شعار إسقاطه أو جره إلى طاولة التفاوض.
الانتخابات المقبلة ستكون فرصة للسلطة لتكون حكماً وليس خصماً، حكم بين أحزاب الموالاة التابعة إليها والدائرة في فلكها وأحزاب المعارضة التي تخلت عن لاءاتها وقررت المشاركة في الموعد الانتخابي المقبل، ودخلت في صراعات وملاسنات بين مشارك ومقاطع، علماً أن أغلبية الأحزاب قررت المشاركة، عدا حزبين وهما طلائع الحريات الذي أسسه علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق، الذي اختار المقاطعة لأنه يخشى أن تقزمه السلطة وتمنحه بضعة مقاعد تجعل منه «حزيباً» ضمن غيره، وحزب جيل جديد الذي يقول إن المقاطعة هو الخيار الاكثر انسجاماً مع مواقف المعارضة التي اختارت التكتل منذ سنة 2014، وقد اتهم الحزب أحزاب المعارضة التي قررت المشاركة بعقد صفقة مع السلطة من أجل الحصول على قطعة من الكعكة.
ورغم أنه من الناحية العددية فإن أغلبية الأحزاب ستشارك في الانتخابات، إلا أن هاجس المقاطعة يؤرق السلطة، التي تخشى من عزوف المواطنين لعدة أسباب، أولها فقدان المواطن لثقته في التغيير عن طريق الانتخابات واستقالته من الحياة السياسية، وبالتالي تعتقد أنه سيكون من السهل استمالته بخطاب المعارضة التي اختارت المقاطعة، رغم قلتها، وبالتالي فإن السلطات لن تمنح أي ترخيص للمقاطعين من أجل تنظيم تجمعات أو مهرجانات لدعوة المواطنين إلى الانصراف عن الموعد الانتخابي المقبل.
وفي إطار هذا التوجس أصدرت وزارة الإعلام ميثاق شرف لتغطية الانتخابات المقبلة، موجهاً إلى القنوات التلفزيونية الخاصة، ومن بين أهم النقاط التي تضمنها الميثاق، هو منع القنوات من منح الكلمة للمقاطعين من الأحزاب والشخصيات، وكل الذين من شأنهم ضرب مصداقية الانتخابات، وأن تعمل هذه القنوات على حث المواطنين على المشاركة بقوة في الانتخابات المقبلة، بالإضافة إلى التوقف عن بث البرامج التي يأخذ فيها رأي الشارع، لأنها، بحسب الميثاق، ليست عملية سبر آراء تخضع للمعايير العلمية المتعارف عليها.
ويرى الإعلامي رضا من قناة «الشروق» ( خاصة) أن السلطة تعيش هاجس المقاطعة، كما لو أنها كانت ستنظم أول انتخابات في تاريخها، بدليل حملة التعبئة الواسعة التي تقوم بها، فضلاً عن تصريحات وزير الإعلام التي تكشف حجم تخوف السلطة من المقاطعة.
واعتبر أن الأسباب متعددة، ولكن أهمها إدراك السلطة حجم الهوة الموجودة بين الجهاز التنفيذي والسلطة التشريعية والمواطن، وأن الخيبات المتتالية التي مني بها المواطن، وعدم تحقيق الوعود التي قطعتها الحكومات المتتالية، فضلاً عن مستوى البرلمانيين الذي يزداد تراجعاً، وتورط عدد منهم في قضايا فساد، دون أن ننسى الأزمة الاقتصادية التي وجد المواطن أنه يدفع ثمنها لوحده.
واعتبر الصحافي جعفر خلوفي أنه مهما اختلفت سيناريوهات الانتخابات يبقى العزوف الانتخابي ثابتاً يؤرق السلطة، ويضعف من مصداقية أي موعد انتخابي، معتبراً أن هذا السبب هو الذي جعل السلطة تنطلق في حملة دعائية غير مسبوقة لإقناع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات، فالملصقات في كل مكان، ووسائل الإعلام تبث وتذيع أغاني تدعو إلى المشاركة، وخطاب سياسي يكاد يخون دعاة المقاطعة، بالإضافة إلى ميثاق تغطية الانتخابات الموجه إلى وسائل الإعلام، وهو ما يبين بشكل واضح أن السلطة تعي جيداً أن ارتفاع نسبة العزوف هو تشكيك مسبق في البرلمان المقبل، والذي سيجد نفسه أمام وضع اقتصادي معقد، يستوجب سياسات غير شعبية لن يتحمل تبعاتها الاجتماعية إلا منتخبون شرعيون جاءت بهم انتخابات بنسب مشاركة مقبولة.
وذكر أنه أمام مشاركة أغلبية أحزاب المعارضة، وجدت الأقلية التي اختارت المقاطعة نفسها أمام حصار إعلامي ودعائي حقيقي، تخللته تجاوزات لفظية من طرف أشخاص وسياسيين مقربين من السلطة، وكلها ردود فعل انفعالية لا طائل من ورائها، خاصة أن الجميع يعلم أن الشعب الجزائري يقاطع لأنه فقد الأمل في العمل السياسي ككل، ولا يقاطع استجابة لدعوات المقاطعة التي أطلقها بعض الساسة.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)