التحول السحري لتبون من «بطل مغوار» يقود حملة ضد الفساد إلى «منبوذ الدار»!
التحول السحري لتبون من «بطل مغوار» يقود حملة ضد الفساد إلى «منبوذ الدار»!
تحول رئيس الوزراء الجزائري عبد المجيد تبون في بضعة أيام من فارس مغوار يقود حملة ضد الفساد بأمر من الرئيس، إلى مسؤول «عاق» وجب تأنيبه، وإلى منبوذ من طرف القصر ينتظر رصاصة الرحمة، والذين مجدوه أنفسهم ورفعوه إلى السماء أطلقوا عليه سهامهم وتركوا حممهم تتدفق عليه، ليكتشف الوجه الآخر من المسؤولية، فالرجل لم يتعرض يوما إلى انتقاد كالذي يتعرض له هذه الأيام، بل أصبح الجميع يتنبأ بسقوطه، أياما قليلة بعد أم كانوا يتنبأون بأنه سيقطف رؤوس فساد قد أينعت، لكن ظهور شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الصورة إلى جانب علي حداد «كبير» رجال الأعمال كان كفيلا بخلط الأوراق. وقلب السحر على الساحر.
انطلقت حملة شعواء ضد رئيس الوزراء، وخاصة بعد لقائه مع رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب، مع أن اللقاء كان غير رسمي، وتم على هامش العطلة الصيفية التي يقضيها تبون وعائلته جنوب فرنسا، وكان واضحا منذ البداية أن اللقاء من الصعب أن يمر مرور الكرام، حتى وإن كانت رئاسة الوزراء قد سربت خبرا مفاده أن الأمر كان مبرمجا قبل سفر تبون إلى فرنسا، وأنه أخذ موافقة من الرئاسة قبل السفر، لكن الأمر ليس له علاقة بزيارة فرنسا فقط، بل إن ما فعله أو ما حاول رئيس الوزراء فعله مع رجال الأعمال، وعلى رأسهم «كبيرهم» علي حداد، هو السبب للحملة المضادة التي تشنها بعض الأوساط ضد تبون.
الحملة انطلقت أمس الأول، ودشنتها صحف محسوبة على السلطة، تهاجم صراحة رئيس الوزراء. فصحيفة «ليكسبرسيون» ( خاصة صادرة بالفرنسية) التي كانت تمدح تبون ليل نهار، بدأت في قصفه بالمدفعية الثقيلة، مؤكدة أنه خان الرئيس لما ذهب إلى فرنسا، وأن باريس لن تنفعه إذا كان يتوهم أنها ستصنع منه رئيسا في 2019، وأنه انحرف انحرافا خطيرا، وهي الجريدة التي كادت تصفه بالمهدي المنتظر قبل أيام فقط.
الأخطر من كلام هذه الصحيفة، هو ما نشرته صحيفة «النهار» ( خاصة) والمحسوبة على السلطة، إذ تحدثت الصحيفة عن إصدار الرئيس لتعليمة إلى رئيس وزرائه، وهذه التعليمة التي جاءت في شكل تقليم أظافر وتأنيب، تعتبر أن تبون لم ينفذ تعليمات الرئيس، وأنه آن الأوان ليضع حدا لما أسمته الصحيفة فوضى المبادرات الحكومة، ونقلت أن الرئيس مستاء من تحرش رئيس الوزراء برجال المال والأعمال، وأن الطريقة التي تعامل بها تبون أعطت الانطباع أن هناك سياسة رسمية معادية لرجال الأعمال.
هذا البيان المنسوب إلى الرئيس، الذي لم يتم تكذيبه بطريقة رسمية، هو دليل على أن الأمور لم تعد على ما يرام بين الرئاسة وتبون، وأن القبضة الحديدية بينه وبين علي حداد ستجعله يدفع الثمن غاليا، فالعجلة التي كادت تدوس على حداد، عادت لتدور في الاتجاه المعاكس، منذ حادثة المقبرة، عند تشييه جنازة رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك. ظهر حداد خلال الجنازة إلى جانب سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ضاحكين، وغادرا في السيارة نفسها بطلب من سعيد بوتفليقة.
الأغرب، هو ما نشرته وسائل إعلام أخرى، تقول فيه إن التعليمة المنسوبة إلى الرئيس صدرت عن أحمد أويحيى مدير الديوان في رئاسة الجمهورية، وهو ما يزيد في إشاعة الغموض حول ما يجري داخل السلطة، فأويحيى ليس بالمسؤول المبتدئ أو السياسي الانتحاري حتى يقدم على إصدار تعليمة مثل هذه تجاه رئيس الوزراء، فقد خبر المسؤولية على عدة مستويات، وهو الوحيد الذي تولى رئاسة الحكومة ورئاسة الوزراء عدة مرات، وهو الوحيد الذي بقي في المشهد الأول منذ عهد الرئيس اليامين زروال، وبالتالي يصعب تصور أن أويحيى قام بهذه المبادرة من نفسه، وتجاوز حدود صلاحياته بهذه الطريقة الارتجالية، حتى وإن كان من يروجون لهذه الفكرة يقولون إنه فعل ذلك بغرض تهدئة النفوس، لكن الرجل بيروقراطي التكوين والممارسة حتى أطراف أظافره، وطوال مساره تعلم كيف يكون رجل سلطة مطيع لا يحيد ولا يبادر، بل تعلم كيف يبتلع طموحه ويقبض أنفاس أحلامه.
منذ البداية، كان واضحا أن «حملة فصل المال عن السياسة» التي قادها تبون ضد علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، ومن خلاله ضد رجال المال الذين «استنزفوا» خزينة الدولة تتضمن أرقاما مجهولة عديدة، فتبون من رجال الرئيس وحداد من رجال الرئيس، وهو نفسه يفتخر بذلك، وصداقته مع شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة ليست سرا على أحد، وظهورهما في جنازة رضا مالك جنا إلى جنب، فيما وقف رئيس الوزراء بعيدا زاد في تثبيت هذه الصداقة.
لا أحد يعرف ما الذي جرى بالضبط بين الرئاسة ورئيس الوزراء وربما جهات أخرى، فعبد المجيد تبون هو من أكثر المسؤولين ولاء للرئيس بوتفليقة، خوفا أو طمعا أو عن قناعة، وقبل أن يعين رئيسا للوزراء شغل لسنوات منصب وزير السكن، وهو منصب مهم في بلد يعلن بناء ملايين المشاريع السكنية، بالإضافة إلى مشروع المسجد الأعظم بقيمة ملياري دولار، الذي قرر الرئيس بناءه، وأوكلت المهمة لتبون، وهو الوحيد من الوزراء الذي حصل على وسام استحقاق، وجاء بعد ذلك تعيينه كرئيس للوزراء منطقيا.
ولكن القاعدة تقول إن كل الذين وصلوا إلى منصب رئيس الوزراء من نادي «المقربين» و«أصحاب الولاء»، احترقوا وأبعدوا وأهينوا، فلا أحد منهم عمر في هذا المنصب، ولا أحد احتفظ بحسن العلاقة مع الرئيس بوتفليقة، إلا أحمد أويحيى ولكن ليس بدرجة كبيرة، فالرجل أهين وأبعد من الحكومة وحتى من حزبه بطريقة غير لائقة، وأعيد بعدها مديرا للديوان بصلاحيات شبه معدومة، وكذلك كان الحال مع كل رؤساء الحكومات الذين عملوا مع بوتفليقة منذ نهاية 1999.
أصبح جليا أن الأمور لم تعد تسير على ما يرام في الجزائر، وأن هناك خللا كبيرا على مستوى أعلى هرم السلطة، فالأخطاء كثرت والهفوات تفاقمت والإشاعات تزايدت والارتباك والتخبط أصبحا سيدا الموقف، فيما الحقيقة غابت والرؤية انعدمت، وقضية رئيس الوزراء الحالي عبد المجيد تبون وطواحين الهواء التي يصارعها أو تصارعه خير دليل على أن الأزمة استفحلت، وأن غياب الرئيس عن خشبة الأداء العام فتح الباب أمام هواة وكومبارس ومقامرين ومغامرين للعب دور البطولة في مسرحية وطن يسيرون به إلى الهاوية!
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)