حضور المغرب لقمة أبيدجان بجانب البوليساريو: تكتيك لدعم أولوية سياسته الأفريقية أم إرادة لبناء الثقة؟
حضور المغرب لقمة أبيدجان بجانب البوليساريو: تكتيك لدعم أولوية سياسته الأفريقية أم إرادة لبناء الثقة؟
يدرك المغرب أن تفوقه في معركة الانضمام الى الاتحاد الأفريقي، لا يعني استسلام معسكر معارضته، والركون إلى القبول بالوضع الجديد والرضى به؛ ذلك أن ترجيح إرادة التصميم المغربية على تحقيق الانضمام، على إرادة إجهاضها وتفاديها من طرف الجزائر وجنوب إفريقيا، لا يضع حدًّا للمنازعة بين الفريقين عند عتبة العزم على الدخول، ورفضه، بل إن جذور هذا الصراع تكمن في خلفيات الانضمام، ودواعي رفضه، وفي أساسهما وأسبابهما.
أولاً: الخلفيات المتحكمة في عودة المغرب للاتحاد الأفريقي:
وهو بذلك قصدٌ يفوق ويتجاوز نتيجة وفكرة العودة المحققة، ويتجه إلى استهداف الدوافع الرئيسية المتحكمة في طلب الانضمام من أساسه، للحد منها في المهد، لإدراك الجزائر وجنوب إفريقيا والبوليساريو الأكيد لإمكانيات المغرب القائمة والمحتملة، أو المفترضة في إحداث تغيير يطول قواعد اللعبة، التي تريدها الجزائر ثابتة على نفس النهج، ومستقرة على نفس المنوال، والمسار والمنحى التي كانت عليه، لصالح البوليساريو، لما تجنيه من مواقف سياسية ضد المغرب، دون عناء، وبتكلفة أقل، من داخل الاتحاد الإفريقي.
وبالمقابل، فإن نية المغرب في ولوج الاتحاد الإفريقي ترمي إلى تدشين بداية لتحول في هذه القواعد، وجعلها متحركة وديناميكية، بتغييرها وقلبها لصالحه، بالحد من نهج ومسار سارت، ودأبت عليه ضده، سواء في شكلها ، وفي جوهرها، ومضمونها، عن طريق تعليق تواترها، أو محاولة تعديل، وتغيير، ونسخ لها لصالحه مع انصرام الوقت، ومرور والزمن، وفقًا لمضمون استراتيجيته الجديدة في افريقيا القائمة على التدرج في البناء، وفي تحقيق الأهداف حسب أولوياتها المرحلية.
ذلك أن الواقع من داخل الاتحاد الإفريقي، وفي علاقة بالمغرب، يتميز بوجود بنية من القواعد، والقرارات لصالح البوليساريو وضد المغرب. بالإضافة إلى اعتراف مجموعة من الدول الأعضاء في الاتحاد بالبوليساريو كدولة، وهو اعتراف يعتبره المغرب يتناقض وشرعية حقوقه، المؤيدة تاريخيًّا، والمرجحة قانونًا. كما أن الاتحاد الإفريقي ضرب صفحًا وتعتيمًا على مبادرة المغرب بالحكم الذاتي، في مقابل اعتناقه مبادرة البوليساريو، ولهذا يطالب بتحديد موعد للاستفتاء في سعي لاستعادة خطة التسوية المقبورة. ويتجاوز الاتحاد الإفريقي في تلك الدعوة القرارات الأممية، وإرادة طرفي النزاع أنفسهم.
ويعتقد المغرب أن ذلك يرجع فقط لانسحابه من الفضاء المؤسسي الجماعي الإفريقي، فتدارَك ذلك الخطأ، باتخاذه قرارًا بالعودة وتحقيقها. ورغم أن القرار إيجابي بخصوص الطلب المغربي، بحصوله على تصويت واسع من داخل القمة 28 والمؤتمر؛ فإن هذا النجاح المغربي، ووجوده من داخل الاتحاد الإفريقي، مهدد بأن يبقى مجرد رقم إضافي للأعضاء المكوِّنين الاتحاد، في حالة عدم تفعيله ليكون منتجًا وفعالًا وهادفًا.
ثانيا: خطر انقلاب الخطة الاستراتيجية بنتائج عكسية وغير متحكم فيها على المغرب؛
فخطة والسياسة المغرب برمتها قد تنقلب سلبية عليه، وترجع عليه بنتائج عكسية، وهو مؤشِّر الخطر الذي برهن عليه قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي الأخير. وقد يكون المغرب أدرك صعوبة، وشدة الضغط الذي سيمارَس عليه خلال الفترة “الفراغ”، والتي ستمتد فعليًّا ما بين تاريخ رجوعه والمدة التي سيستغرقها لفهم آليات، وقواعد اشتغال أجهزة الاتحاد الإفريقي، ووصوله الفعلي إلى مراكز ومنافذ صنع القرار من داخل مختلف أجهزة الاتحاد الإفريقي، المتعددة والمتنوعة، والكثيرة، للمشاركة والمساهمة في توجيهها، والتحكم في قراراتها.
ثالثا: حاجة المغرب لفترة من الهدوء وتفادي التوترات لتفادي الوقوع في أهداف الخطة المقابلة للجزائر:
والمغرب في ذلك يحتاج إلى وقت مزدوج، لضبط جدولة انتخاب المكاتب التقريرية في هذه الأجهزة، وخلق ائتلافات، وتشكيل تحالفات من المؤيدين لانتدابه، أو انتداب حلفائه في هذه المراكز، يرافعون بشرعية حقوقه، وبواقعية، وجدية مبادرته بالحكم الذاتي. وهي معارك صعبة؛ لأن ساحاتها، عبارة عن كواليس مظلمة، ويزيد من عتمتها جهل المغرب بقواعد اللعب فيها، والجهد الكبير الذي يلزم، من أجل حسن الاستيعاب، وتقدير التحركات المنتجة.
والمغرب بذلك ملزم بنهج واحترام فترة من الهدوء، والسكينة وتفادي التوترات من أجل فهم جيد، وهذه الحاجة هي التي تفسِّر انسحاب المغرب من جانب واحد من منطقة الكركارات، وتغيبه عن جلسة اجتماع مجلس الأمن والسلم الإفريقي رقم 668 بتاريخ 20 مارس/آذار 2017، خدمة لأولوية الهدف الاستراتيجي، بتوفير ظروف عودة هادئة، سلسة، وغير متوترة.
رابعا: انقلاب المغرب الظرفي و المفاجئ على أولويات خطته ومحاصرة حضور البوليساريو:
غير أن المغرب انقلب سريعًا عن هذه الضرورة الوقتية وبات يركِّز على التصدي لحضور البوليساريو لأشغال مجموعة من اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات بين إفريقيا وبعض الدول، في التجمعات الإقليمية، والقارية، والأممية، وفِي وقت جد حرج وقبيل عودته للاتحاد الإفريقي بشهر منها اجتماع القمة العربية-الإفريقية بملابو في غينيا يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وغداة عودته خلال مؤتمر التنمية في إفريقيا، الذي ينظمه الاتحاد الإفريقي واللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة بإفريقيا في السنغال ما بين 27 و28 مارس/آذار 2017. وخلال اجتماع المؤتمر الدولي لطوكيو حول تنمية إفريقيا (تيكاد) في مابوتو بموزمبيق ما بين 23 و25 أغسطس/آب 2017.
ونفس الشيء طبع اجتماع القاهرة التشاوري، في 27 سبتمبر/أيلول 2017، حول الصحة الذي نظمته مفوضية الاتحاد الإفريقي على مستوى خبراء دول إقليم شمال إفريقيا لتفعيل المركز الإفريقي لمراقبة الأمراض والوقاية منها، بالإضافة إلى الجدل والنقاش الذي احتدم االآن حول رفض مشاركة البوليساريو في لقاء الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي الذي سينعقد بساحل العاج ما بين 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.
خامسا: عودة المغرب إلى الاهتمام بجوهر الأشياء في إقناع الأفارقة، واحترام أولويات أهدافه الإستراتيجية:
بغض النظر عن أحقية المغرب من عدمها في الدفع برفض حضور البوليساريو لأشغال اجتماعات ومنتديات دولية بسبب عدم حصولها على اعتراف دولي ولا أممي ولا عربي، والتأويل الذي يتفاداه المغرب في حالة التزامه التغاضي والسكوت عن حضور البوليساريو، والاستنتاج المقابل الذي ستخرج به الأخيرة والجزائر وغيرها من الدول المساندة لها في اعتبار ذلك إقرارًا واعترافًا مغربيًّا بالبوليساريو كـ”دولة”؛
سادسا: هل يمكن استثمار حضور المغرب والبوليساريو لبناء الثقة من أعلى؟
فحضور البوليساريو يمكن استثماره بشكل إيجابي لبناء تدابير الثقة بدلًا من المواجهة التي لن تجدي نفعًا، ولن تأتي بحل سواء في إطار القبول بالوضع القائم من داخل الاتحاد الإفريقي أو رفضه والسعي لتغييره، فذاك الوضع لم ينفع البوليساريو خلال ثلاثة عقود ونيف طَبَعَها غياب المغرب في التنظيم المؤسسي الإفريقي بنيل دولة، مثلما لم يضر بالمغرب بسحب الإقليم من سيادته وحيازته.
على سبيل الختم:
إن تكتيك محاصرة أو طرد البوليساريو من عضوية الإتحاد الأفريقي ومن حضور اجتماعات اجهزته وإشغاله وجب إعادة النظر فيه ؛ لأنه مجرد جعجعة بلا طحين، فالعبرة بالنتائج لصالح صناعة حل يضمن الأمن والتنمية والقوة، وليس اطالة أمده والاهتمام بنزاعات شكلية وعريضة وما يترتب عنه من تهديد للاستقرار واهدار لفرص التنمية.
صبري الحو
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (18)