أزمة البحث عن الهوية في الجزائر
يقول الفاروق عمر رضي الله عنه ...لإن يضعني الصدق وقلّ ما يضع ، خير لي من أن يرفعني الكذب وقلّ ما يرفع.. إن الفاروق بهذه المقولة سطر فسلفة حياة لمن يريد أن يعيش مرتاحا مع ضميره ومتناسقا مع نفسه... كنت أتمنى أن لا أعلق على موضوع الهوية واللغة الأمازيغية وغيرها من هذه القرارات الفوقية التي تفرض على…
يقول الفاروق عمر رضي الله عنه ...لإن يضعني الصدق وقلّ ما يضع ، خير لي من أن يرفعني الكذب وقلّ ما يرفع..
إن الفاروق بهذه المقولة سطر فسلفة حياة لمن يريد أن يعيش مرتاحا مع ضميره ومتناسقا مع نفسه...
كنت أتمنى أن لا أعلق على موضوع الهوية واللغة الأمازيغية وغيرها من هذه القرارات الفوقية التي تفرض على عموم الشعب فرضا..ولكن أعتقد أن المرحلة تقتضي أن يدلي المرء بدلوه...وخاصة بعد مواقف بعض النخب الذي أصابهم الإرهابي الهوياتي الذي يمارسه البعض..
كنت من أيام بدأت في كتابة مقالة أرد فيها على ماجاء في كلام الأستاذ محند أرزقي فراد في حواره مع جريدة الحوار ...ثم قررت عدم إكمال الرد لقناعتي أننا لا نعيش فترة تخاطب فيها العقول بل فترة تعصب أعمى ولا عقلانية لا نظير لها...
شخصيا أتفهم شعور كثير من الجزائريين وهم يبحثون عن هوية خاصة مميزة ولغة خاصة...فالطبيعة تأبى الفراغ...وعندما ترى فئة ، أو هكذا تقنتع أو يتم إقناعها، بأنها لا تملك لغة خاصة حاملة لحضارة وحاضرة بين الأمم ، وهوية مميزة فإنه من الطبيعي أن يلجأ البعض أو الكثيرون إلى البحث عن هذه الهوية وهذه اللغة ، وحتى إن لم يعرفوا ما هي بالضبط، فهم على استعداد على قبول أي رواية ما دامت تلبي الرغبة العاطفية..وكما قال راسل.."أن الإنسان حيوان ساذج، و لا بد أن يؤمن بشيء ما، وفي ظل غياب أسس جيدة للتصديق ، فإنه سيرضى بأسس ضعيفة". وهذه المقولة في الواقع تنطبق بشكل نموذجي عن أكذوبة يناير..أما قضية اللغة الأمازيغية فأمرها أعقد...
لا أحد ينكر على أحد أو يحجر عليه في أن يتبنى لغة أو يؤسسها، مع أننا في عصر تنقرض فيه لغة كل أسبوعين تقريبا، ولكن المشهد في الجزائر والمغرب بشكل خاص ليس بهذه البساطة...
فالذين يتحدثون عن لغة أمازيغية معيارية بصدق لا يدركون الشروط التي يجب أن تتوفر في اللغة حتى تكون قابلة للحياة والانتشار..وهذا موضوع أذكر أنني تعرضت إليه منذ سنتين تقريبا ( معالم في طريق ترسيم الأمازيغية)..
أيضا خيار اللغة المعيارية يمثل خيارا اقصائيا بامتياز، عكس شعار التعدد اللغوي والثقافي الذي يرفعه هؤلاء للدفاع عن الأمازيغية، لأن خيار لغة معيارية يعني اقصاء 5 لهجات أخرى بشكل كلي تقريبا...وهذا الاقصاء سوف يخلق بطبيعة الحال صراعا متعددا آخر....( طبعا لا ننسى اقصاء لهجات عديدة أخرى في المغرب ولييبيا...)..
للأسف المسار العام الذي أخذه المدافعون عن اللغة والهوية الأمازيغية ( إلا استثناءات قليلة) أسوء من سلوك القوميين العرب في الإقصائية والعداء للإسلام..وهو ما حول جعل القضية تأخذ منحا عدائيا للإسلام والعربية وقبول واضح بالتعايش والدفاع عن اللغة الفرنسية واعتبارها غنيمة حرب.
بالبحث في أصل كلمة أمازيغية لدى المؤرخين ( الموسوعة البربرية )، وجدت أنهم أختلفوا في معناها وأماكن تواجد هذه الكلمة تاريخيا، ولكنهم أتفقوا على شيء واحد وهو أن هذه الكلمة لم يكن لها تواجدا في جرجرة والأوراس، ولكن كان لها تواجد مثلا في الهقار والمغرب. وهذه الكلمة كان أول ظهور لها في الحياة الجزائرية في الأربعينات من القرن الماضي، بعبارة أخرى أننا منذ نصف قرن تقريبا لم نكن نعرف أننا أمازيغ بهذا الإسم!.
في رأيي أن ما لم يدركه كثير من الجزائريين وسكان شمال إفريقيا، أن الهوية مسألة معقدة وليست مجرد نبش في بعض قضايا التاريخ واختزال الأحداث زمنيا وجغرافيا، فالهوية ليست شيئا ثابتا جامدا فهي تخضع لمنطق التاريخ والجغرافيا . فلا توجد لغات ثابتة ولا هويات ثابتة، وهذه أرض تعاقبت عليها شعوب وحضارات مختلفة ومنذ دخول الإسلام لهذه الأرض إنصهرت شعوب وقبائل وهويات مختلفة شكلت البناء الأساس لهوية جديدة، حجرها الاساس الإسلام ولغتها العربية متعايشة مع باقي اللهجات المحلية ولم تكن هذه اللهجات والثقافات ضرة للعربية ولم يسع العرب للقضاء على هذه اللغات أو الثقافات مثلما فعل غيرهم مع شعوب أخرى وكان بإمكانهم فعل ذلك لو أرادوا....ولم يحاول الأتراك أن يغيروا مكانة هذه اللغة في هذه الأرض التي حكموها لقرون...
الأمر الآخر المؤسف هو أن هؤلاء الذين يبحثون عن لغة مميزة لهم نسوا أنهم تاريخيا ملاك أصليون للغة العربية ، مساهمتهم في الحضارة الاسلامية بلغتها العربية تجعل منهم أصحابا للغة وليست لغة دخيلة عليهم..
الأستاذ جمال ضو
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (9)