إضرابات الجزائر… حرائق ما قبل «الخامسة»
خلال الاحتجاجات المهنية الكثيرة التي شنتها نقابات عديدة في الجزائر مؤخرا، تصرفت الحكومة مثلما كانت تفعل طيلة العقود الماضية: اعتماد خليط من التهديد والوعيد والتخويف، ثم الرهان على عامل الوقت وفُرص الملل بين المضربين، كل ذلك ممزوج مع محاولة زرع الفتنة والشقاق بين قياديهم. عقود من الزمن وتراكمٌ كبير…
خلال الاحتجاجات المهنية الكثيرة التي شنتها نقابات عديدة في الجزائر مؤخرا، تصرفت الحكومة مثلما كانت تفعل طيلة العقود الماضية: اعتماد خليط من التهديد والوعيد والتخويف، ثم الرهان على عامل الوقت وفُرص الملل بين المضربين، كل ذلك ممزوج مع محاولة زرع الفتنة والشقاق بين قياديهم.
عقود من الزمن وتراكمٌ كبير لتجارب متنوعة وهائلة لم تُعلّم الحكومة الجزائرية والقائمين على شؤون البلاد شيئا، بغض النظر عن مشروعية الاضرابات ووجاهة المطالب التي تطلبها النقابات المضربة، من عدمها.
منذ بداية السنة الجارية، وحتى قبل ذلك، شهدت الجزائر إضرابات كثيرة بعضها خطير، مثل الذي شنته نقابات التعليم ونقابات الأطباء. (هذان القطاعان بالذات يعيشان وضعا من السوء لا يحسدان عليه، ولا تُحسد الجزائر عليه). كما شهدت الفترة ذاتها احتجاجات قوية لمتقاعدي الجيش، وهي سابقة لم يعرف الجزائريون مثلها عندما كانت الجزائر تتوفر على مواصفات الدولة.
في منتصف الثمانينيات، وفي ذروة إضراب نادر للمعلمين، نزل على غرفة أخبار التلفزيون الحكومي نص مكتوب قرأته مذيعة الأخبار زهية بن عروس، يصف المضربين بالحشرات. في شباط (فبراير)، في خطاب علني، وصف رئيس الحكومة أحمد أويحيى المضربين من معلمين وأطباء بالمافيا.
جرت الاحتجاجات الحالية، وتجري، بعيدا عن أي سيطرة أو تأثير لنقابة الاتحاد العام للعمال الجزائريين. هذا الأخير كان دائما جهازاً بيروقراطيا مترهلا ملحقا بأجهزة الحكومة ويأبى الانفصال عنها. لكن حاله زاد سوءا منذ غرق أكثر في دعم مفرط للحكومة والرئيس بوتفليقة في كل الظروف وبلا شروط، على حساب العمال. والنتيجة أن الاتحاد، الذي يحلو له وصف نفسه بأكبر نقابة في الجزائر، أمسى أيَّ شيء إلا نقابة عمالية. هو الآن بلا مصداقية وبلا ثقة من أحد عدا قياداته الغارقة في حصد الامتيازات المادية ثمنا للولاء الأعمى.
المحرك الأساسي وراء الإضرابات الجديدة القديمة مطالب مهنية تتعلق بالرواتب والامتيازات وظروف العمل. تفسير رفع هذه المطالب والإصرار على التمسك بها قد يكمن في كون القطاعات المحتجة، خاصة التعليم والطب، تواجه ضغوطا هائلة يفرضها تطور المجتمع وسرعته، واتساعه أفقيا وعموديا، في مقابل تطور بطيء لهذين القطاعين بسبب غياب الحكم الرشيد وإصرار الحكومة على إدارة قطاعات حساسة، مثل التعليم والطب، في 2018 بعقلية وأساليب 1975.
طيلة الحركات الاحتجاجية، لم يجد المحتجون أمامهم إلا قوات مكافحة الشغب التابعة للشرطة «تحاورهم» بالهراوات والاعتقالات وغلق مداخل المدن والشوارع المحتملة للتجمعات والاحتجاج. وعدالة تأتمر بأوامر الحكومة لا يذكر أحد أنها في السنوات الأخيرة أنصفت النقابات مرة واحدة. ثم مسؤولون حكوميون يفتقدون لحس المسؤولية ويواجهون الموقف بعقلية فوقية تمنحهم حق التصرف من موقف القوي والمحق والعارف، بينما الآخرون عكس ذلك تماما.
في المقابل هناك غائب أكبر هو الحوار الجاد وغير الملغوم بين الأطراف المتخاصمة، مرفوقا ببروز علامات تفكك مؤسسات الدولة وضياع هيبتها. كمثال على ذلك لجوء وزيرة التعليم نورية بن غبريت ـ أو قبولها ـ بـ«وساطة تلفزيونية» لرجل دين اسمه علي عيّة، هناك ما يقال حول مصداقيته، ورجال قانون غير رسميين ولا وزن لهم في النزاع، لإنهاء إضراب المعلمين.
لا تتوقف السيدة بن غبريت عن تكرار أنها مع الحوار وأن أبواب وزارتها مفتوحة للمحتجين. لكنها في الوقت ذاته أخذتهم إلى محكمة حكمت بعدم مشروعية الإضراب، فأي حوار بقي وعلى ماذا؟ كما تشترط الوزيرة وقف كل أشكال الاحتجاج قبل بدء أيّ حوار، فأي حوار تريد وعلى ماذا؟ يبدو أنها تبحث عن حوار على مقاسها ينتهي حتما بخضوع النقابات أطول فترة زمنية ممكنة في المستقبل.
بلجوئها التلقائي إلى الشرطة لخنق أي حراك اجتماعي، لا تفعل الحكومة إلا جلب المزيد من الإساءة لهذا الجهاز المكوّن من شباب وضباط لو لم ينتسبوا للشرطة لكانوا في الشارع يحتجون مثل المعلمين والأطباء وغيرهم. كما يضع اللجوء السهل إلى الشرطة هذه الأخيرة في مواجهة المجتمع. المحتجون يعرفون ذلك مثلما يعرفه رجال الشرطة وضباطها، لذا تسمع أثناء الاحتكاكات بين الطرفين، المحتج يشفق على رجال الشرطة بالقول إنه يفهم ظروفهم ويقدر المسؤولية التي على عاتقهم، ورجل الشرطة يرد بأنه متفهم لحال المحتج لكنه «العبد المأمور» وأن القانون «هو القانون».
هذا ناهيك عن أن استسهال اللجوء إلى الشرطة يعرِّضها للاستنزاف ويرفع فرص المواجهة البينية بين أفرادها ومكونات المجتمع.
الكلام ذاته ينسحب على جهاز القضاء الذي لا تتردد الحكومة في توظيفه ضد أيّ تحرك مهني واجتماعي. عندما يتعلق الأمر بإخماد تحرك نقابي، يُبدي القضاء سرعة فيصدر الأحكام المستعجلة ويحسم في الدعاوى فور إيداعها، لكن دائما في اتجاه واحد، هو خدمة الحكومة وإنصافها حتى وهي ظالمة.
هذا الواقع يجعل اللجوء إلى القضاء في أيّ نزاع نقابي، لا يختلف عن اللجوء للشرطة، مع فرق في التفاصيل.
لسوء حظ الجميع، وزارات ونقابات، أن هذا الوضع المأساوي حل عليهم عشية الانتخابات الرئاسية التي ستتوج بوتفليقة رئيسا للمرة الخامسة. قبل ذلك، ليحترق البلد: الولاية الخامسة فوق الجميع وفوق الجزائر.
توفيق رباحي القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (11)