الجزائر: حين يمجد الديكتاتور هواري بومدين لم يقدم كرئيس أي مشروع فكري و سياسي و اقتصادي متكامل
الجزائر: حين يمجد الديكتاتور هواري بومدين لم يقدم كرئيس أي مشروع فكري و سياسي و اقتصادي متكامل
بعد قرون من السيطرة العثمانية و الفرانكوبريطانية على معظم الدول العربية و الأفروآسيوية ، انطلقت موجة هائلة من الحركات التحررية ركبتها الملايين الجزائرية الثائرة في وجه استعمار غاشم عشش بأرضها مئة و أربع و عشرين سنة حينذاك بقيادة نخبة فتية واعية بالمخاطر المحدقة ببقاء الهوية الجزائرية و حدودها الجغرافية الضاربة في عمق التاريخ لتشعل فتيل ثورة شغلت ولازالت تشغل حيزا واسعا من كتابات الباحثين و المؤرخين ، ثورة قادتها أياد وطنية شريفة كانت تريد أن ترى الجزائر في مصاف الدول المتقدمة و المتحضرة شعبا و اقتصادا و بنية تحتية ، فضحت بكل ما لديها من قوى ، ليستشهد بعضهم معذبا و بعضهم شهيدا ، و البعض الآخر راح ضحية صراعات لأجل السلطة بين القادة الثوريين خصوصا بعد مؤتمر الصومام 1956 لتبقى هذه الصراعات المريرة لصيقة بالجزائر بعد الاستقلال لغاية اليوم ، و لعل أبرزها الصراع بين جماعة وجدة و جماعة الداخل و التي حسمت لصالح فوهات الدبابات ليصعد الى مقام الرئاسة أحمد بن بلة سنة 1962 لينقلب عليه وزير دفاعه العقيد هواري بومدين في انقلاب عسكري حكم بعده البلد و لم يبعده عنه سوى الموت بعد ذلك بأربعة عشر سنة .
مما يتأسف له المرء حين يبحث بطريقة موضوعية في تاريخ الجزائر أن هواري بومدين لم يقدم كرئيس أي مشروع فكري و سياسي و اقتصادي متكامل كما هو الحال في الدول الشيوعية التي كان منبهرا بها ، فاذا كان لينين و تروتسكي و ماو قد تركوا كتبا تترجم أفكارهم فانه اتبعها فقط دون نقد لها أو تحليل لتكييفها مع الواقع الجزائر و لعل هذا يرجع لتكوينه الفكري الذي يقال بأنه نابع من الأزهر الذي درس به ابان اقامته بمصر و بالتالي فهو ديني بالدرجة الأولى و ليس علميا مواكبا لتطورات العصر و مواصفات الحاكم لدولة قومية فاذا كان جل القادة الشيوعيين البارزين خريجو جامعات علمتهم المنهجية في التحليل و التفكير العقلاني الرشيد حالهم حال أعضاء اللجان المركزية للحزب الحاكم هناك ، فان الحالة الجزائرية مناقضة فجل أعضاء اللجنة المركزية لحزب الجبهة لم يكونوا جامعيين بل مجموعة عساكر سابقة تحكم تحت غطاء الشرعية الثورية ، ما ولد انسدادا سياسيا متمثلا في عدم وجود مؤسسات دولة مثلما هو واقع الحال في الدول الديمقراطية مع غياب تام لثقافة الديمقراطية و الانفتاح الفكري حتى أن العديد من الأدباء و المفكرين اللذين كانوا يحلمون بجزائر ديمقراطية متفتحة فكريا هربوا الى فرنسا بعد أن وجدوا الجزائر تحت حكم عساكر لم يقرؤوا يوما حرفا في الأدب أو الجيولوجيا ، ففضلوا الهروب تاركين البلد ليحميها الله ، فمشكلة الجزائر لم تكن يوما غياب العقول النيرة أو الكفاءات العلمية ، فالبلد التي أنجبت زرهوني و باي بلعالم و محمد أركون لتصدر الآلاف من أمثالهم إلى بلدان العالم المتقدم لكنها لا تستفيد منهم أبدا ذلك أن النظام الحاكم بوعي أو بلا وعي منه جعل إقصاء المثقفين ضمن أحد أولوياته ، و خير دليل هو أن الجزائر لحد اليوم ليست دولة قومية بالمعنى المتعارف عليه منذ مؤتمر ويستفاليا1648 و ليست ديمقراطية بالمفهوم الاغريقي القديم أو الأمريكي الحديث ، و هذا ما يعود في الواقع لعدم قدرة الطبقة الحاكمة عند الاستقلال على تشكيل قاعدة صحيحة تستمر وفقها الجزائر عبر بناء مؤسسات دستورية و فتح المجال أمام الأحزاب السياسية و النخبة المثقفة لتقديم نقدها للسياسات و تحليلها للوضع المعاش ، فكانت النتيجة سرقة أعضاء حزب جبهة التحرير للثورة بل و تزييف التاريخ عبر نسبهم الاستقلال لأنفسهم فقط ، رغم وجود مقاومين شيوعيين و ليبراليين ، و المضحك هو أننا سنة 2018 نجهل التوجه الفكري لهذا الحزب الذي يجسد فعلا مقولة حزب يحكم دولة .
و بالإضافة لاغتيال و تهجير العلماء فان التصفيات الجسدية التي وقعت بين القادة السياسيين و العسكريين و هم كثر أبرزهم عبان رمضان و الطيب الجغلالي أثناء حرب التحرير تكررت بشدة إبان فترة حكم هواري بومدين فإذا كانت فرنسا سجنت أحمد بن بلة حوالي الست سنوات فان نفس الرجل وضعه وزير دفاعه المنقلب عليه سنة 1965 قيد الإقامة الجبرية لأربعة عشر سنة و نفس الحالة لبقية قادة الثورة اللذين فضل بعضهم الفرار و الاستقرار ببلدان أخرى ، و قام البعض الآخر بموالاة مطلقة رغبة في زيادة الثروة و لازال هؤلاء و أسرهم اليوم يعتبرون بورجوازية البلد و مجهولة ثروتهم الضخمة ، أما البقية الوطنية التي عارضت فكان مصيرها الاغتيال بطرق مجهولة مثلما هي حالة كريم بلقاسم أو الإعدام كمحمد شعباني بطل الصحراء التي لازالت تعاني ويلات التهميش و الفقر في عموم جغرافيتها البالغة مليوني كيلومتر مربع .
أخيرا و ليس آخرا يتبادر إلى الذهن سؤال ، لماذا يكتب تاريخ الجزائر بطريقة شعبوية فردية تمجد البعض بلا نقد علمي يقدمها للقارئ بالوجه الايجابي و السلبي ، و لماذا تسقط بعض الشخصيات المحورية من كتب التاريخ إما بالتشويه أو التناسي رغم دورها الفاعل في المرحلة الزمنية التي عايشتها ، ما يجعلنا أمام فرضيتين أولهما أن التاريخ الجزائري يصعب كتاباته نظرا لحالة التملق للنظام أو للهوية الضيقة التي يتخذها المؤرخون عمادا أساسيا في كتاباتهم نظرا لخلو قلوبهم من الوطنية و أذهانهم من مصطلح الولاء للوطن فوق كل ولاء ، أو أن كتب التاريخ الجزائر غير المنهجية و العلمية غالبا هي انعكاس لحالة التصحر الفكري و الثقافي التي عاشتها و لازالت تعيشها الجامعة التي يعد عدد المؤرخين المتخرجين منها ضئيلا جدا مقارنة بالدول العربية الأخرى ، فكل كتب التاريخ الجزائري تمجد أفرادا على حساب آخرين بل و تزيف الأحداث لصالح أموات لم يعد لديهم نفع بالتزييف ، مع العلم أن بعض الشخوص الممجدة اليوم في الجزائر كانت سببا في خرابها في فترة معينة و البعض لازالت تعاني الويلات بسبب سياساته الاعتباطية التي تنم عن نرجسية و ليس عن عقلانية و رشادة تسير وفقها الدول المتقدمة ، فإلى متى سيظل التاريخ الجزائري مزورا من قبل مهربي التاريخ اللذين يسترزقون عبر تزييفه ، و إلى متى سيظل تمجيد الحكام الديكتاتوريين ميزة عربية أصيلة؟
محمد علي القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (22)