غموض وضبابية في المشهد السياسي الجزائري في الذكرى الـ56 للاستقلال
غموض وضبابية في المشهد السياسي الجزائري في الذكرى الـ56 للاستقلال
احتفلت الجزائر الخميس بالذكرى الـ56 لاستقلال البلاد، في جو يخيم عليه الغموض ويتسم بالضبابية، خاصة على ضوء ما جرى خلال الأسابيع الماضية من تقلبات وإقالات وتعيينات، وهو مسلسل لا يبدو أنه سيتوقف قريبا، خاصة في ظل المخاض الذي تعيشه البلاد، وانطلاق عملية تعبيد الطريق نحو ولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
تحل ذكرى استقلال البلاد لتتكرر الأسئلة نفسها التي تطرح في مثل هذه المناسبات. أكثر من نصف قرن على استقلال جاء بعد ثورة مريرة لكنها مجيدة، ثورة لم يكن فيها إلا بطل واحد هو الشعب، ثورة غيرت الكثير من موازين القوى في العالم، وأثبتت أن القوة العسكرية مهما كانت لا يمكنها أن تقف في طريق شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر. ومن أهم الأسئلة التي تطرح هي، هل الجزائر التي نعرفها اليوم هي تلك التي حلم بها الشهداء والمجاهدون الذين وقفوا أمام فرنسا الاستعمارية ببنادقهم البسيطة وأراوحهم بين أيديهم؟ وهل ما تحقق حتى الآن هو في مستوى الإمكانيات والفرص التي توفرت؟ وإلى أين تسير الجزائر التي تعيش اليوم مأزقا حقيقيا؟
كانت الأسابيع والأيام القليلة الماضية حبلى بأحداث، تصريحات فجرت ألغازا، وإقالات وتعيينات لمسؤولين كبار لم تحمل لا تفسيرا ولا تبريرات، فالنظام السياسي الجزائري زاد انغلاقا في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت الطبقة التي تغطيه أكثر سمكا من أي وقت مضى، فلا أحد يعرف ما يجري داخل النظام، ولا طبيعة ميزان القوى، خاصة منذ التغييرات التي وقعت منذ 2013 وإلى غاية 2015، أي منذ انطلاق عملية قص أجنحة جهاز المخابرات والتي انتهت بإقالة الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق، الذي هيمن على الجهاز وعلى مطبخ السياسة قرابة ربع قرن.
الأكيد أن قضية الكوكايين أخرجت الكثير من الخلافات إلى العلن، حتى وإن كان من الصعب الجزم ما إذا كانت هذه القضية هي سبب الخلاف أو أكبر تداعياته، فالقضية التي بدأت بعملية حجز لكمية من المخدرات، تحولت سريعا إلى قضية دولة وإلى فضيحة مدوية، خاصة وأنها كشفت عن فساد مستشري، ورغم أن الملف مازال قيد التحقيق، إلا أنه عصف حتى الآن بالعديد من المسؤولين، أو هكذا أريد للناس أن تفهم، إذ تمت خلال أيام قليلة، إقالة مدير الشرطة اللواء عبد الغني هامل وقائد الدرك اللواء مناد نوبة، والتي من الصعب الاقتناع أنها تغييرات عادية، فالذين يتولون عادة هذه المناصب لا يغادرونها بسرعة، فنجد أن مدير الشرطة مضى على تعيينه ثماني سنوات، أما قائد الدرك فلم يمض على توليه المنصب سوى ثلاث سنوات.
التغييرات لم تتوقف عند مدير الشرطة وقائد الدرك، فقد تمت إقالة مسؤولين آخرين مثل مدير أمن العاصمة، فضلا عن سلسلة إشاعات عن إقالة العديد من المسؤولين سواء في الأجهزة الأمنية أو في مؤسسات أخرى، بما يعطي الانطباع أن هناك عملية تطهير داخل بيت السلطة تحسبا للمواعيد المقبلة.
السؤال الذي يطرحه الكثير من المراقبين للشأن السياسي هو من يقف وراء هذه القرارات، هل هي الرئاسة أم الجيش؟ أم الاثنان معا؟ فحتى وإن كانت الكثير من المؤشرات توحي بأن الرئاسة استرجعت مركز الثقل في اتخاذ القرارات منذ رحيل الفريق محمد مدين وتحجيم جهاز المخابرات، إلا أن ذلك لم يكن ممكنا بدون مساعدة قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي أصبح يظهر بحكم الكثير من العوامل الرجل الأقوى في المعادلة الحالية، لكن يمكن أن نعود ونقول إن الكثيرين ممن كانوا يظهرون أقوياء انتهوا بمجرد بيان إقالة أذيع في وكالة الأنباء الرسمية.
ويظهر الفريق قايد صالح كلغز في المعادلة القائمة، فهو لا يتوقف في كل مناسبة عن إبداء كامل الولاء إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكن حسب ما يتردد في الكواليس فإن الفريق يدعم الرئيس وليس المحيطين به، وهنا مكمن خلاف غير معلن وصدام مؤجل، لأن قايد صالح حسب ما ينسب إليه لن يقبل بأن يتولى الرئاسة شخص آخر غيره في حال ما إذا لم يترشح الرئيس بوتفليقة، وهو يرى أنه يستحق الرئاسة بعد المسار الطويل الذي قضاه مجاهدا في ثورة التحرير ثم عسكريا تدرج في كل الرتب، إلى غاية الوصول إلى أعلى رتبة وهي فريق، ثم توليه قيادة الأركان منذ عام 2004 قبل أن يحصل على منصب نائب وزير دفاع، ورغم كل ما قيل عن محاولات إبعاده أو تحييده، إلا أنه أثبت أنه ليس لقمة سائغة، وأظهر تحكما في المؤسسة العسكرية، فالرجل رغم سنه لا يتوقف عن الزيارات الميدانية في كامل أرجاء الوطن طوال السنة.
الصيف الذي حل ساخنا منذ أيامه الأولى ليس بسبب درجات الحرارة المرتفعة فقط، بل بسبب قضية الكوكايين وتبعاتها وتداعياتها وزوابعا يتوقع أن يستمر ساخنا، خاصة وأنه يمهد لخريف لن تنزل فيه درجات الحرارة، لأن معركة الولاية الخامسة ستمر إلى سرعة أعلى، خاصة وأنه لن يكون من السهل تمريرها، والسلطة تدرك ذلك أكثر من أي وقت مضى.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)