في المغرب: التُّهم الجاهزة لمن يريد إسقاط الفساد
في المغرب: التُّهم الجاهزة لمن يريد إسقاط الفساد
حكمت محكمة مغربية في الدار البيضاء مساء الثلاثاء الأخير، على العشرات من الناشطين في ما سُمي بحراك الريف، بالسّجن الفعلي الذي يصل إلى عشرين عاماً على قادة هذا الحراك ومنهم، ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق وسمير إيجيد، وبأحكام أخرى لعشرات من الناشطين بالسجن النافذ، تراوحت بين خمسة أعوام وعشرين عاماً.
وأتت هذه الأحكام، بعد توجيه تهم شتى، منها، التخابر مع جهات أجنبية، والحصول على تمويل خارجي بهدف زعزعة استقرار البلاد، إغلاق طرق بالقوة، والاعتداء على رجال أمن خلال قيامهم بواجبهم، إثارة الفتنة، ولا ننسى أن إحدى التهم هي التحريض والتآمر لفصل الريف عن الدولة المغربية، إضافة لتهم أخرى نستطيع التأكيد أنها جاهزة ومشتركة في معظم أقبية التحقيق في الأنظمة العربية، والمغرب واحد منها.
ليس صدفة أيضاً أنه بعد صدور الأحكام، كانت قوات الأمن جاهزة ومستعدة للقمع في مناطق الحراك، لعلم المسؤولين المسبق، بأن الأحكام جائرة وستكون لها ردود فعل، كذلك ليس صدفة اشتعال النيران في مدرسة تدعى مدرسة «القدس» في إحدى مناطق حراك الريف، وهذه قد تكون أشعلتها أيدي جواسيس، بهدف تسهيل عملية قمع المحتجّين، وهو الأسلوب المعهود نفسه في الأنظمة القمعية.
في شريط مسجّل لها قالت إحدى محاميات الدفاع، أن التهم الموجهة لموكليها مفبركة، والأدلة التي ساقتها النيابة العامة ضعيفة، ومنها اتصال من مجهول عرض الدعم المالي على الزفزافي، وبالتالي فالأحكام عبارة عن انتقام سياسي.
وصاح بعض المتواجدين أمام المحكمة بعد صدور الأحكام «الشعب يريد إسقاط الفساد»، وكتب المحامي عبد المؤمن الحريري أحد المدافعين عن المعتقلين على صفحته في الفيسبوك: «بعد أن عايشوه معي سنة انتهت بليلة عصيبة، كيف أقنع أبنائي بأن هذا الوطن سيتسع لأحلامهم وطموحاتهم وأنه لن يقسو عليهم».
التجارب الطويلة والمريرة مع أنظمة العالم العربي، علّمتنا أن التهمة قد تكون في واد، والحقيقة في واد آخر، تعلمنا منذ عقود، أن نتعامل بحذر شديد مع ما تدّعيه السلطات، وخصوصاً عندما تتحدث عن تهم كبيرة مثل إثارة الفتنة والتخابر مع عميل أجنبي، والتآمر على الوطن وعلى استقراره، تعلمنا أن هذه المفردات منزاحة إلى أبعد الحدود عن معانيها الأصلية، وهي تتكرر لدى الجميع بهدف سجن وقمع وإخماد كل حراك اجتماعي يحارب الفساد المتجذّر، الذي له أنياب حادة وشرسة، وكأن هذه الأنظمة خريجة مدرسة أمن وتحقيقات وتلفيقات واحدة.
إنها التهم نفسها التي تساق ضد أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، حيثما يرفع أحد صوته ضد الغلاء والفساد، أو إذا طالب بمحاكمة مسؤول فاسد، أو طالب بحريات مدنية وحقوق إنسانية.
نعلم جيّدا أن ذنب هؤلاء المغاربة الفقراء المهمّشين، هو أنهم طالبوا بحقوقهم المعيشية البسيطة، طالبوا بخدمات، بجامعة ومستشفى ورعاية صحية لذوي الاحتياجات الخاصة، وأن الأحكام ضدهم هي انتقام سلطوي، ورد على حركة المقاطعة لمنتجات بعض الشركات، التي هدفت أن تضغط لتخفيض الأسعار، ونعلم أنه التزاوج بين السلطة الفاسدة والمال وقوى القمع المتمثلة بما يسمى المخزن في المغرب الشقيق. بدأ الحراك المغربي في الريف، منذ مصرع بائع السمك الشهيد محسن فكري في سيارة ضغط القمامة، عندما حاول إنقاذ سمكاته التي ألقى بها موظفو البلدية في ميناء مدينة الحسيمة إلى سيارة القمامة، فما كان من عامل الشاحنة إلا أن ضغط المسكين مع السمكات والقمامة، والفيديو يظهر أنه قصد ذلك، كان هذا في أكتوبر الأول عام 2016، وهي قضية فضحت مدى استهتار المسؤولين بحياة الإنسان، ورغم توصيات الملك في حينه بالتحقيق بعمق في هذه الجريمة بهدف امتصاص الغضب الشعبي، إلا أن الغلبة كانت للفساد المنظّم، ولم تنصف السلطات الضحية، وأقسى ما حُكم به على المتورّطين في الجريمة النكراء، هو السّجن لمدة ثمانية أشهر، ودفع غرامات مالية تافهة ببضع مئات من الدولارات. بعد هذه الحادثة توالت التحركات الشعبية، إلى أن وصلت في الفترة الأخيرة إلى مرحلة مقاطعة السّلع الغذائية والمحروقات، بهدف الضغط على الشركات المحتكرة للبضائع لتخفيض أسعارها، وهو حق مشروع في نضال سلمي وراقٍ، من أجل تحسين الظروف المعيشية للناس، إلا أن السلطات القمعية بطبيعة الحال لا تفهم سوى لغة القوة، فهي تشعر بأن أي تراجع أمام المطالب الشعبية سيؤدي بالناس إلى المزيد من المطالب، ولهذا تسرع السلطات لقمع القيادات المناضلة، ثم تغلظ الأحكام عليهم، ليكونوا عبرة لغيرهم، هذا إضافة للإهانات وسلب الكرامة أثناء التحقيقات بهدف كسر النفوس والمعنويات. كان ناصر الزفزافي قد اعتقل في مايو عام 2017، بعدما دخل مسجداً مع بعض رفاقه في الحسيمة وطلبوا من خطيب الجمعة أن يتحدث عن أمور واقعية مثل تحسين الطرقات والخدمات والمدارس وغيرها، فاعتقل بعدها بأيام بتهمة عرقلة العبادات.
واجبنا، فلسطينيين وعربا وبشرا، أن نرفع أصواتنا إلى جانب الشعوب العربية المقموعة، ومنها شعب المغرب الشقيق، هذه الشعوب الصابرة، التي وقفت وتقف مع شعب فلسطين في كل مناسبة، وترفع صوتها ضد جرائم الاحتلال، حقها علينا كفلسطينيين وكجزء من الشعوب العربية المضطهدة، أن نتضامن معها، مع ضحايا القمع في كل الوطن العربي، بل وعلى سطح الكرة الأرضية كله، فنحن نعرف مثلما يعرف كل مغربي في الريف وفي المدينة، ومثلما يعرف كل عربي مسؤول وغير مسؤول، أن هناك تهماً سياسية جاهزة، ضد كل من يرفع صوته بالاحتجاج على فساد هذا النظام أو ذاك، ولكل من يخرج شاهراً حنجرته مطالباً بحقوقه الأساسية في الحرية والعمل والمسكن والعيش الكريم، نعم فليسقط الفساد في المغرب وفي كل الوطن العربي.
سهيل كيوان
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (7)