جزائر الفقراء… العاملات المنزليات أو تلك المأساة المنسية
جزائر الفقراء… العاملات المنزليات أو تلك المأساة المنسية
دعاني صديق يدعي أنه بورجوازي ، يتأنق في الكلام و يتفرنس ، يدعي الثقافة و التحضر بشكل مؤرق لوليمة يقيمها في بيته ، حملت جسدي المتثاقل اليه ، فاذا بمجموعة من المدعوين يحادثون بعضهم البعض بمثل الأسلوب الذي يستعمله في الحديث ، كلبان يحرسان البيت ، و مجموعة قطط تجول في الساحة ، لم يلفت انتباهي جمالية البيت ولا الثريات باهضة الثمن و غيرها من الماديات ، بل لفت نظري طريقة معاملته لثلاثة عاملات منزليات يشغلهن لديه ، معاملة كارثية لا انسانية ، يستعبدهن و زوجته و ابنه بطريقة تجعل المرء ينفر من الجلوس لديه ، كن يعاملن و كأنهن خارج اطار البشرية ، يقدم الطعام للحيوانات أكثر مما يقدمه لهن ، أجهر زهيد لا يكفي لتغطية أبسط تكاليف المعيشة ، لم أطق الجلوس فانصرفت .
مأساة العاملات المنزليات في الجزائر هي مأساة طبقة فقيرة لا تجد ما تأكل ، في مدن الوسط الجزائري و ضواحيها مثلا حوالي السبعمائة ألف نسمة تقريبا ، نسبة معتبرة من نسوتها يعملن كعاملات منزليات ، أطبقت عليهن ظروف الحياة و تكالبت عليهن المصائب فوجدن أنفسهن يعانين بذيء الكلام و سوء الفعل في صمت ، المعاملة الاستعبادية التي يعاملن بها هي معاملة توجب من الحكومة سن قوانين و تشريعات لحماية هاته الفئة المظلومة المقهورة ، و التي يتستر عليها الإعلام و الشعب لعلمه بالحقيقة المريرة التي لا يريد مواجهتها .
الجزائر من شمالها إلىجنوبها بلد غني بالثروات لكن نسبة معتبرة من الشعب تعاني الفقر و التهميش ، هذه النسبة تواجه المجتمع الذي يقول بالتحضر و التمدن و المثالية الأخلاقية ، نفس المجتمع الذي يستعبد النسوة هو الذي ثار البارحة ضد حادثة صفع الطفل اللاجئ ، لكنه لا يثور لأجل الظلم الذي تتعرض له العاملة المنزلية ، ولا التحرش الذي تتعرض له ، فضلا عن حالات الاغتصاب المسكوت عنها من قبل المجتمع و التي تدخل غالبا في نطاق التابو الذي لا يجوز الحديث عنه لأن تلك المرأة تعمل لدى الشيخ فلان و السي فلان المشهور بحسن الأخلاق و حجه كل سنة ، لهذا فمن المستحيل أن تكون معاملته للعاملة سيئة ، لكن جل اللذين يشغلن النسوة هم أقذر الخلق و أقساهم لأنهم يضربون بمواثيق حقوق الإنسان و مبادئ الأديانعرض الحائط .
أكثر كلمة تأسفت حين سماعها من الصديق الذي أرسل لي الدعوة هي ( أخدمي و اسكتي أنت في داري و عبدة تعملي لي نقول عليه و إلا الضرب مصيرك ) ، أي أنه واثق تمام الثقة أنه يستعبدها و هو سعيد بذلك و كأن هذه المرأة هي عبدته التي يمكنه أن يفعل بها ما يحلو له دون حسيب ولا رقيب ، و كم من العاملات اللواتي أحتفظ في ذاكرتي بقصصهن المرعبة و المؤسفة في آن واحد ، عانين نبذ المجتمع لهن و استعباد المشغلين لهن ، و تلك النظرة الرهيبة للقوم بالنظر لما يقمن به لأجل ضمان لقمة العيش ، لكن المؤسف أن الحكومة لازالت ترفض سن قوانين لحمايتهن من جل المظالم التي يتعرضن لها و في مقدمتها التعنيف اللفظي و الجسدي غالبا رغم علمها بوجود آلاف الشكاوى التي لازالت تراوح مكانها في المكاتب ، لتبقى فئة العاملات إحدى الفئات المنسية و التي يندى الجبين لوجودها في جزائر الفقراء .
محمد علي القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)