الفضائيات الجزائرية: ضجيج إعلامي أصبح الناس فريسة سهلة لقولبة حاضرهم ومستقبلهم

الفضائيات الجزائرية: ضجيج إعلامي أصبح الناس فريسة سهلة لقولبة حاضرهم ومستقبلهم

أغسطس 28, 2018 - 17:17
تم التحديث: 8 سنوات منذ
1 1.5ك
الفضائيات الجزائرية: ضجيج إعلامي أصبح الناس فريسة سهلة لقولبة حاضرهم ومستقبلهم

مع تعدّد القنوات الفضائية العمومية والخاصّة، أصبح المشاهد يعيش صخبا وضجيجا إعلاميا قصد رصد المعلومة ذات المصداقية، لتعقد المشاكل، التي يتخبط فيها في ظلّ سوق بيرة مفترسة مغطاة بطبقة دسمة شهية تسمى الديمقراطية… بعد انفتاح السوق الإعلامية، الذي أدّى بدوره إلى انفتاح قيمي مجتمعي كبير في ظل ّوحش العولمة وطقوس استهلاكها، أصبح الناس فريسة سهلة لقولبة حاضرهم ومستقبلهم، وحتى مشاعرهم لم تسلم، والبداية كانت بالأجساد التي شكلتها العولمة كالصابون، الذي يذهب فقاعات في الهواء، ويتبخر… الكل يقولب المجتمع حسب مصلحته لتمرير سلع موبوءة، بعدما تأسس الذوق الفاسد في مجتمعات فقدت قواعد الاستهلاك المعتدلة… وللاعلام الدور الفيصل في هذا المصير المؤسف لمجتمعاتنا.
كان وما يزال همّ القنوات الوطنيّة العمومية الوحيد هو إعطاء صورة مثالية منحوتة وايجابية فوق التصوّر عن البلد وتقاليده واقتصاده وسياحته، وتقوم بفعل المستحيل من أجل ذلك، وإن غيّبت الأحداث الجسام التي يعيشها الوطن وما يتخبّط فيه.
تخاف هذه القنوات على مشاعرنا، والله أحيانا نتفق معها لأنّ القلب أتعبته الرجّات والأخبار المزعجة الصّادمة هنا وهناك، من غزّة إلى بغداد إلى سوريّا الى ليبيا إلى اليمن… ماذا يحتمل المشاهد الذي لا يملك شيئا سوى التأثر، ولا حقّ له بالتّنديد والتّفريج عن مأساته العميقة… ما تشوف العين ما يوجع القلب…لكن هيهات.
بينما ذات الأجنحة الخاصة فإنها تعتمد على التّهويل والإسراع في الاعلان عن الخبر، وإن كان ناقصا من الدقّة أو خاليا تماما، كما تعتمد على سوبر الظّواهر، سلبيّة كانت أم إيجابيّة توقع المشاهد تحت سطوتها، لأنها تفتح منابرها واسعة للتّعبير بحرية عما ينغّص المواطن في أماكن متفرقة.

القليل من الصحة في ظلّ التدهور العام

حصّة ارشادات طبّية، لا توحي التّسمية بأي بريق يمكنه أن يثير فضول المشاهد، لكن وحدها المثابرة والتّفاني في العمل من يوصل الرّسالة إلى مبتغاها ويحقق نجاعتها، لا سيّما إن كانت تتعلّق بالصحّة… يالصحّة… هكذا كانت وما زالت مقدّمة برنامج غير مثير لا يدخل الّسوق الاعلامية الكبيرة ومزاداتها ولا يرفعإاسهما ولا… لكن رأس مال البرنامج طريقة تقديم وحضور اجتماعي وجمالي لافت للسيّدة حفيظة رزيق، المقدمة التي لا تشيخ ولا تظهر علامات التّعب وتقدم السنّ عليها وأرق سنوات الجمر… ابتسامة دائمة وجماليّة لغة عربيّة ممزوجة بمحلّية عابرة للأوطان والقلوب، وأحيانا تطلق عبارات أجنبيّة حتى تصل الاستفسارات لكبار الأطباء، المهمّة ليست سهلة، لكن المشاهد يتخيّل الأمر سلسا، لأنّ كلّ شيء يوحي بذلك… بكل نعومة وانسيابية تسريحة شعر مقدّمة هذا البرنامج العائلي بامتياز على القناة الثالثة العمومية… كأنّ المشاهد يراها لأول مرّة، بنظارة أو بدونها، بلون الشعر ذاته، مع أنه يتغيّر حسب ذوق النساء من أسود إلى أكاجو… كذلك يتغيّر هوى التسريحة التي لعبت بها أنامل الحلاقة ليبرز وجها جميلا وضاء يتفتّق حيويّة… حصة لا يمل المشاهد منها.
برنامج مثل هذا لا بد أن تقتدي به برامج صحية على قنوات أخرى، والخاصّة منها، هي طلّة حفيظة بتسريحتها القصيرة وببعض حركات يديها تجسدها مقدمة برنامج الصحّة هي الصّح في قناة «الشروق» الجزائرية، بالرغم من بهرجة الأداء والاستديو الواسع وأطباء ثلاثة يدخلون على المشاهد كدخلة النجوم تألقا على البساط الأحمر… تكتفي مقدّمة الصحّة هي الصح بلباس الأطبّاء الأخضر والأزرق، في المستشفيات الخاصّة، محاورة أطباء من أجيال مختلفة، رجلين وامرأة… إلى خبير تغذية… إنّها الصيغة الجزائرية للبرنامج الشهير «ذا دكتورز»… يتطوّر الأداء ومحيطه واكسسواراته، وتتدهور الصّحة، وتفترس العاهات والآفات والبؤس البشر ليتحولوا إلى مواد إعلامية صاخبة، تعلي المشاهدات… الانسان بحاجة لتلوين قتامة المشهد بحمرة الشّفاه وتورّد خدود أصحاب البرامج وإن كانت طبية أو اقتصادية أو سياسية، خاصّة السياسيّة، لذلك نفهم لماذا تغير الصحافية في برامج تجمع ألمع شخصيات السياسة، في قواعد اللّباس وتعكسها، وبين التنّورة والفستان من جهة والبنطلون من جهة أخرى نعرف دسامة وثقل الضيوف، ومزاجهم وهواماتهم.

رمال زاحفة ومياه جارفة

كلّ الأحداث، التي شغلت الإعلام بكل أشكاله جاءت من الجنوب… ما الذي يحدث، وما الذي يغضب السّاكنة هناك؟ ساكنة يشعرون بالإجحاف دائما لأنّ آبار البترول تلتهب بالقرب منهم وتزيد من حرارة الجوّ، أي أنّ أسباب الثروة في مناطقهم، لكنهم لا ينتفعون بها… وهل ينتفع ساكنة الشّمال بها أكثر؟ في كل مرة تخرج لنا فزاّعة الصّراع الأزلي هذه.
غضب أهل الجنوب هذه المرّة ضدّ إعلامي من قناة «دزاير نيوز»، والسّبب عبارة زحف، التي ألصقت بسكان الجنوب القادمين لصيف أكثر لطافة ورطوبة، لكن هيهات أن يظلّ الشّمال لطيفا في ظل تغيّرات مناخية لم تعد خافية على أحد… الشّمال أصبح عبارة عن بيوتات بلاستيكية خانقة من شدّة الرطوبة العالية… فهل اعتذار القناة يغّير في الأمر شيئا… ففي كل مرّة تزداد الهوّة بين الشّمال والجنوب، شمال أخضر يمدّ صدره لشريط بحري جاذب وجنوب كبير جدّا بأضعاف مضاعفة بسهوبه وواحاته وكثبانه، يجذب بعض السوّاح اليه شتاء… قريبا سيتساوى الشّمال والجنوب في الحرارة وفي الأمطار… أرجو أن لا يستويان في فقدان الثروات لا قدر الله.
في واقع الأمر الهوّة عميقة بين الشمال والجنوب، وإن سطحتها القنوات والفضائيات ببرامج تقترب من الغرائبية وعدم المعرفة بثقافة الجنوب المكتشف حديثا… هناك أصحاب مصالح وتيارات تريد ملء تلك الهوة، حسب مزاجهم وأهوائهم، فهناك من يعمرها ويجملها بمزهرية وإن كانت ورودا بلاستيكية وهناك من يحفر ويزيدها عمقا وأخاديد للتّعبير عن الضيم، الذي يقع دائماعلى أهل الجنوب… إنها لعبة يستعملها ثعالب السّياسة والحركات والأحزاب، حتى جاءت الصلاة الجماعيّة التي قلبت الموازين، وأجّلت الفرح الجزائري.
لا نحتاج الى سفر بعيد في الخريطة لنكتشف خبايا جزائر عميقة، قد نقع في حفر خلف شوارعنا الكبيرة المزيّنة بالمحلاّت وبالسيّدات الأنيقات وباعة الزّهور الخلاّبة والمقاهي المتراصّة على الحواف. قد نجدها إذا أخذنا طرقا ومنحدرا وعرة أو طريقا ملتوية أو قد يطلّ علينا عمق الوطن الموجع من شرفات الظلّ خلف عماراتنا، ناهيك عن مفاجآت الأسفار من المراكز نحو الأطراف والأحراش ومنبت الحلفاء والطّلح والنباتات المقاومة. وقد نجد عمق الجزائر تحت بقايا الثلج، الذي يتأخر إلى ما بعد الربيع ليوقف النباتات والشّجر ويحيل المشهد أجردا بعد خضار… على مرمى البصر يتغير المشهد تماما ويظهر الوجع وجع المشاهدة ووجع الاكتشاف.

عيشة كلب أو عيشة الفيل: بشر بلا أنياب

خارج ثقافة «الستوندار»، نجد العجب العجاب من حولنا، من داخل أسرنا وفي محيط عملنا، وتبدأ الحكايات المخيفة عن بشر يعيشون خارج ثقافة المطبخ والمطعم والمدرسة ووسائل التواصل الاجتماعي، خارج التاريخ الحديث جدا جدا، بشر يعيشون عيشة ضنكا وعائلة «عمي العيد» نموذجا يوجع يؤلم لحد القرف… كما عرضتها قناة «الشروق»… حصة تفاعل معها الأقارب والأباعد وهرعوا لمساعدة أسرة تعيش تحت عتبات الفقر… كم من آلاف بل ملايين يعيشون هكذا عيشة…ال….ك…لا…ب.
لماذا ترمى أحمال المعيشة الضنك على الكلب ولا ترمى على الفيلة والجواميس؟ هل الكلب يتحمّل أكثر أو لأنّه دجّن منذ آلاف السنين وتقاسم كل شيء مع الإنسان، وأصبح ابن كلب، بينما الفيل ما زال على وحشيّته وما زال مصدر ثروة، العاج لصناعة ضحكات النجوم… وتجارة أشخاص من الوزن الثقيل… ثقل الفيلة… من هنا فصاعدا سيحاط الفيل بكلّ الاحترام لا سيّما بعد اكتشافه المليوني والذي سيغيّر نواميس الطبيعة، هل سنغيّر السّلالة ويصبح جدّنا الفيل ونتغلّب على الأمم التي لم تكتشف حتى باعوضة تاريخيّة… ماذا لو اكتشفت مقبرة كلاب هل كان الاعلام سيسارع لبثها والهيام بها، أمام القادة والسّاسة وأهل العلم وكومبارس الخلفيات… عيشة الكلب يحياها مواطنون في «احكيلي حكايتك»، لأنّها أقرب إلى حكايات الغولة التي تفترس البشر عند بساتين الفول… مواطنون لا يجدون لا الفول ولا الشّاورما… لا يعرفون كيف يفتحون علبة زبادي، «ياوورت» ولا من أين يؤكل البانيني… إنها حكاية صنعتها غيلان هذا الزّمان الراّكبين على الفيلة لهدم أسوار الكرامة أو ما تبقى منها.

مريم أبو زيد سبايو

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
هواري
هواري 8 سنوات منذ
<strong>القوة العظمى</strong> قنوات الشيتة ’ و الكذب و التطبيل للنظام ’ و وضع المساحيق على الوجوه المتعفنة لحكامنا