لم يبق في الجزائر الا تعليق المشانق
لم يبق في الجزائر الا تعليق المشانق
سنة 1980 و في احدى مؤتمرات الفكر الإسلامي التي كانت تشرف عليها وزارة الشئون الدينية الجزائرية ، ارتفع صياح بعض الحضور أثناء محاضرة البروفيسور محمد أركون بعد أن انتقده القرضاوي ( كافر كافر ، أنت عدو الله يا ملحد ) ، سنة 1985 إذا لم تخني الذاكرة و حسب حديث سيلفي أركون تكررت نفس الحادثة لكن هذه المرة مع محمد الغزالي الذي كرر نفس مقولة سابقيه في تكفير أحد علماء العرب اللذين تركوا أثرا لامعا في دراسة التاريخ الإسلامي ، و في كلتا الحالتين تنكرت الجزائر لأركون وساندت مكفريه ، نفس الحالة تكررت مرات كثيرة منذ تكفير كاتب ياسين ، رشيد بوجدرة وصولا إلى كمال داود ، و اليوم يتعرض الروائي أمين الزاوي لهجوم اسلاموي ليس من قبل رجال الاكليروس بل من طائفة شعبوية واسعة قامت بشتمه و نعته بأسوأ الصفات كما فعلت من قبل مع الكاتبة حدة حزام ، فإلى متى سيضل الجزائري يحاسب الكتاب من منطلق ديني محض ؟
جزائري 1979 و ما قبلها كان جد متسامح ، المطاعم ، المكتبات و الحانات تفتح طيلة ساعات اليوم ، الحجاب لا يرى له أثر إلا في المناطق الداخلية المحافظة على العادات ، لا يعرف أحد ديانة الآخر بل ولا يسأل عنها أصلا ، حتى أن هناك وزراء كانوا غير مسلمين و لم ينقدهم أحد ، الروايات الخالية من اللباقة الأدبية كانت واسعة الانتشار ، نسب الجريمة قليلة خصوصا جرائم الشرف ، بعد ذلك فتحت الجامعة الإسلامية بقسنطينة و قسم الشريعة بجامعة الجزائر ، جيء بالمصريين و خريجي جامعة الإمام السعودية للتدريس بالجزائر فانقلب الوضع تماما ، بعد تناقص عدد المكتبات التي أغلقت بسبب الضغوط و الإفلاس بالنظر للإقبال على الكتب الدينية التي كانت توزع مجانا ، الحانات أغلقت لقلة الوافدين اللذين انتقلوا للمساهمة في بناء المساجد رغم أنهم كانوا لا يتوقفون عن شرب الخمر البارحة ، و بعضها الآخر فجر إبان فترة الحرب الأهلية ، مظاهر التسامح الديني و الاختلاف الفكري بين المفكرين و العوام قضي عليها بالخروج من منطق الحزب الواحد الى فرض الرأي الواحد لا مناظر له .
المؤسف أن الجزائري عجز بعد صحوة رجال الاكليروس على مواصلة الدرب الذي كان يسير فيه ، فانقلب ذلك الإنسان المتسامح الطيب إلى رافض لكل مظاهر الحضارة و الجمال ، لعل المرء لا يكذب ان قال باستفادة الجزائريين من معايشة الأوروبيين اللذين كانوا أكثر تمدنا و تحضرا إبان الفترة الاستعمارية و لعل خير دليل هو محافظة العائلات الجزائرية التي ربطتها علاقة وثيقة بالأوروبيين على تلك العادات و الأساليب الحضارية الراقية ، اليوم بدلا من تحويل المواهب و الطاقات الإبداعية و الذكاء المرتفع للكثيرين ، تقوم المحاضرات الدينية بصيدهم و جعلهم شخوصا متحكما بها قابلة للانفجار في أية لحظة .
أخيرا ، فانه و بعد الحملات المتكررة ضد المثقفين الجزائريين شتما و تهديدا ، يخلص المرء لكون البلد أصبح مليئا بالإرهابيين القابلين لتدمير شامل للبلاد في أية لحظة يريدها المتحكم بهم ، فالذي يصفق للذي يشتم مفكرا بحجم أركون أو يهدد روائيا بقيمة أمين الزاوي لا يمكن أن يطلق عليه سوى إرهابي ، فالمدنية و الحضارة يصنعهما الفرد الواع المحترم للآخر المفتش عن الجمال في حبيبات الرمل و ليس اللذين يضعون المشنقة في رقاب المثقفين .
محمد علي القاسمي الحسني
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)