كرنفال الانتخابات الرئاسية في الجزائر

كرنفال الانتخابات الرئاسية في الجزائر

يناير 26, 2019 - 16:28
تم التحديث: 8 سنوات منذ
21 3.9ك
كرنفال الانتخابات الرئاسية في الجزائر

بعد أيام قليلة من الإعلان عن استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات الرئاسية الجزائرية المزمع إجراؤها في أفريل 2019  وصل عدد الذين سحبوا استمارات الترشح  أو أعلنوا رغبتهم بالترشح إلى  مائة مرشح. فعلاوة على العدد الكبير من المرشحين والعملية لا تزال في بدايتها، أثار المستوى الدراسي والمعرفي المتدني للكثير من هؤلاء وافتقار معظمهم للتجربة والتكوين السياسي، وتصريحاتهم الغريبة لمختلف وسائل الإعلام حالة من السخرية والشفقة والاستهجان والسخط لدى قطاع واسع من الجزائريين. فماهي أسباب هذا السخط والرفض؟ وهل يشكل ترشح هؤلاء إساءة لمنصب رئيس الدولة؟ وما طبيعة مخاطر مثل هذه المظاهر الاحتفالية الكرنفالية على مكانة الدولة؟ وهل يستفيد صناع القرار من أجواء تجربة تسعينيات القرن الماضي الشبيهة بأجواء انتخابات أفريل 2019؟  يجدر في البداية التطرق إلى رهانات الرئيس بوتفليقة بعد توليه الحكم.

ورشات الرئيس بوتفليقة  فُتحت ولم تُغلق؟

 تزامن وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 مع حالة أمنية غير مستقرة وهذا نتيجة استمرار الحكومة الجزائرية في حربها ضد الجماعات الإرهابية المتطرفة الرافضة لقانون الرحمة لعام 1995 واتفاق الهدنة المبرم مع تنظيم الجيش الإسلامي للإنقاذ  عام 1997. وعلى المستوى الخارجي، كانت الجزائر محاصرة  من قبل الدول الغربية بدعوى “الدفاع عن حقوق الإنسان”. فعلى ضوء هذه الأوضاع؛ شرع الرئيس بوتفليقة وهو السياسي والدبلوماسي المحنك في تنفيذ إستراتجيته في الحكم والقائمة على بعدين:

– سعى إلى تحقيق مصالحة ووئام شاملين وفك الحصار عن الجزائر،

 -ولانجاز هذه المهمة وهو صاحب مقولة “لا أريد أن أكون ثلاثة أرباع الرئيس″، عمل على الحصول على كل الصلاحيات التي تساعده في ضبط وتحديد المهام والوظائف الأمنية والعسكرية التي تمكنه من  اتخاذ القرارات دون اعتراض من أي جهة، وعرفت فترة حكمه من 1999 إلى غاية منتصف 2014 ارتفاع المداخيل من البترول والغاز حيث بلغت خلال هذه الفترة 750 مليار دولار. وفضلا على البحبوحة المالية، عمل على جمع أكبر عدد من الأحزاب   (الوطنيين، الإسلاميين والعلمانيين) ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات فكرية وفنية وقيادات ثورية تاريخية ظلت بعيدة عن المشهد السياسي حول برنامجه الذي عرف “ببرنامج الرئيس.» عُدّ هذا البرنامج بالنسبة لمساندي الرئيس بمثابة “الرسالة المقدسة،” الجميع مجندون لإنجاحه. وبسبب ارتفاع الاحتياطات من العملة الأجنبية عمل على توسيع دائرة المستفيدين من برنامجه في مجال العمل والصحة والتعليم والسكن وغيرها من المجالات، علاوة على فتح ورشات كبرى لإصلاح هياكل الدولة والعدالة والتربية والتعليم العالي، وأقر الوئام المدني ثم ميثاق السلم والمصالحة الذي ساهم في تعزيز الأمن والسلم والاستقرار.

لكن مع مرض الرئيس منذ 2012، بدأ وهج سياسته يخبو بالتدريج. فلاعتبارات تتعلق بمرضه بقيت عمليات الترميم وإعادة البناء التي باشرها غير مكتملة، وبعض الذي أنجز شابته نقائص كثيرة. نتيجة كما برزت مساعي للتغطية على ذلك وهذا عبر ممارسة التحكم والسيطرة على المشهد الإعلامي والسياسي. من ذلك، إدانة صحافيين ومدونين بسبب كتاباتهم، ورفض الترخيص بإنشاء أحزاب جديدة، واستهداف المؤسسة العسكرية (مصلحة الاستعلامات العسكرية القلب النابض للمؤسسة العسكرية ولأول مرة علنا من قبل مدير قناة تلفزيونية).ونتيجة لتراجع مداخيل البترول تدنى المستوى المعيشي للأسرة وارتفعت نسب البطالة في أوساط الشباب (لاسيما الجامعيين)، وتزايدت أرقام هجرة الشباب نحو أوربا.

 وتتجاذب هذه الانتخابات العديد من القوى والفاعلين السياسيين والتيارات المختلفة في المنطلقات والأهداف. من هذه هناك من يدعو إلى استمرار الرئيس في الحكم مع التمديد له  على غرار أحزاب التحالف الرئاسي،  أو تأجيل الانتخابات إلى حين تهيئة ظروف إجراء انتخابات شفافة نزيهة، كما يذهب إلى ذلك حزب حركة مجتمع السلم، أو إيجاد شخصية بديلة للرئيس بوتفليقة كما يطالب بذلك دعاة رفض العهدة الخامسة. وتثير وجهة النظر هذه مخاوف تيار التمديد والاستمرارية، كما صرح بذلك عبد الرزاق مقري حين التقى أخ الرئيس ومستشاره السعيد بوتفليقة الذي أخبره بأن عائلة الرئيس تشعر بالخوف من إمكانية الانتقام منها إذا وصل مرشح مدعوم من قبل الرافضين لعهدة خامسة. عموما يمكن القول أن الفترة الأخيرة اتسمت ب :

-الجمود السياسي بسبب تسخير وتجنيد الجميع من أجل إنجاح مشروع الرئيس. بل ورفض أي صوت يغرد خارج هذا المشروع واعتباره صوت نشاز يجب دمجه أو تهميشه.

-انسحاب النخب الأكاديمية والفكرية والسياسية وتخليها عن ممارسة دورها في التكوين والتثقيف السياسي والإعلامي، وتُرك أمر الرأي العام تحت رحمة وتوجيه رواد وسائط التواصل الاجتماعي. هكذا أصبحت الكتابات الفايسبوكية أهم أداة في التأثير والتعبئة وصناعة الرأي العام. وتستخدم  في الضغط على المسئولين والموظفين السامين وإقالة البعض منهم (ارتكبت أخطاء في حق موظفي الدولة)، بل تحولت صفحات الفايسبوك إلى هاجس يؤرق وزير الداخلية الجزائري الذي أشار في مداخلة له إلى دور الفايس بوك في تنامي الهجرة.

بروز أصحاب المال والثورة كقوة مؤثرة في المشهد ( أخشى أن يعمل هؤلاء وبغير وعي ضد مصالح دولتهم التي مكنتهم من هذه الثروات، أحدهم على سبيل المثال، قام باستيراد حاويات من القمامة). فهل ينتبه الفاعلين السياسيين  إلى خطورة الوضع  وتدرك أن الظروف التي أدت إلى العشرية السوداء تكاد تجتمع في هذه الانتخابات الرئاسية؟

 ما أشبه ظروف انتخابات 2019 بأجواء انتخابات 1992؟

 تكاد تكون ظروف الانتخابات الرئاسية أشبه بتلك التي عاشتها الجزائر مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي وأفضت إلى إقرار الإصلاحات السياسية (نظام الحزب الواحد، غياب التعددية السياسية والإعلامية، وأزمة اقتصادية خانقة). في تلك الأجواء جاءت إصلاحات فيفري 1989 وتم اعتماد أكثر من ستين حزبا ( فوضى الأحزاب). وفي غمرة حمى الانفتاح السياسي الجديد وافتقاد المجتمع إلى بُنى ومؤسسات اجتماعية وسياسية قادرة على ضبط وتأطير عمل الأحزاب وتصور مآلات الأحداث. أجريت الانتخابات وأفضت إلى  واقع جديد عنوانه “الإسلاميون يحكُمون”، وعلى المجتمع الاستعداد لتغيير أسلوب عيشه وتفكيره (تصريح عباسي مدني رئيس حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية). أثار هذا الواقع الجديد مخاوف بعض القوى فطلبت من الجيش بالتدخل، وتم توقيف المسار الانتخابي.  والنتيجة معروفة، مأساة حرب مدمرة دامت عشر سنوات.

 وإذا كانت المؤسسة العسكرية في مرحلة التسعينات متماهية في الحكم قوية ولا يوجد حائل قانوني أو واقعي  يمنعها من الانخراط في أي عمل يهدد الأمن والاستقرار، فالأمر يختلف حاليا، فبحكم الإصلاحات الدستورية أصبح أداء المؤسسة العسكرية مكبلا من جهة بالدستور، ومن جهة أخرى  بتجربة العشرية السوداء. فهل تملك القوى المتصارعة في حال عجزها عن إيجاد تسوية توافقية حلا تحمي به الدولة من مخاطر اللاستقرار والفوضى؟

مظاهر الكرنفلة تسفيه لمكانة وسمعة الدولة؟

أثارت حمى إقبال أكثر من 100 مرشح على إعلان النية في الترشح أو سحب استمارات الترشح للانتخابات الرئاسية الكثير من ردود الفعل في مختلف وسائل الإعلام ومن قبل رواد شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الردود  اتسمت في معظمها بطابع الاستهجان والاستهزاء والتنكيت بل ووصفهم عند البعض بمرضى النفوس ( يجدر التنبيه إلى وجود شخصيات قوية وفاعلة ومحترمة على غرار،  علي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات، والجنرال المتقاعد علي غديري، وعزيز بلعيد رئيس حزب جبهة المستقبل)،  وهذا طبعا لما لمسه الجزائريون عند من تسنى سماع تصريحاتهم. فأحدهم صرح للصحافة قائلا، سأجعل الجزائر قلب العالم وأقوى من أمريكا، وسوف أصنع طائرة طبيعية بجناحين من تراب، وآخر قال، أنا قائد الأمن الدولي وقائد القوات العالمية ما أنا إلا رسالة من السماء. وكشف بعضهم عن مستواه الدراسي والعلمي الذي لم يتجاوز الصف الابتدائي.

 أجد أصدق تعبير على ظاهرة ترشح هؤلاء في مثل هذه الظروف في فيلم ” كرنفال في دشرة” للممثل عثمان عريوات – فهذا الأخير وهو رئيس بلدية فقيرة في منطقة نائية، أهلته عضويته في جماعة تجمع الأموال  “الوعدة”  لتقيم “الزرد” بالتعبير الجزائري ليرتقي لمنصب رئيس بلدية. المفارقة أن الرجل رغم فشله في تسيير بلدية صغيرة تطلع إلى الترشح لمنصب رئيس جمهورية.  فأخال معظم هؤلاء مثل سي عثمان عريوات، وعليه ونظرا لما تواجهه الجزائر في مثل هذه الظروف الحساسة من حق الجزائريين  الخجل والخوف من استشراء الطقوس الكرنفالية التي يراد لها أن تطبع مستقبل دولتهم. لاسيما وأنهم – الجزائريون- ما انفكوا يطالبوا بتهذيب الممارسة السياسية في المجالس المحلية والبرلمانية وهذا عبر رفع المستوى التعليمي للمرشحين لتتوافق مع مقتضيات التطور العلمي والتكنولوجي. وإذا كانت تبعات إقرار تعددية فوضوية كرنفالية غير مدروسة قاسية جدا في أول انتخابات تعددية، هل ينتبه الفاعلين السياسيين  إلى مخاطر كرنفلة الانتخابات الرئاسية 2019؟

الثابت والاستثنائي في الانتخابات الرئاسية

 ما الذي جعل العملية الانتخابية تأخذ الطابع التهريجي الفلكلوري الاحتفالي في بدايتها؟ هل بسبب غياب ممارسة ديمقراطية تعددية حرة؟ أم دُفع بهم من أجل إضفاء مصداقية على فوز مرشح توافقي، إما التمديد للرئيس بوتفليقة بعهدة خامسة أو تقديم شخصية بديلة توافقية؟ لكن ماذا لو حدث العكس، بمعنى  لم يحصل توافق واتفاق؟ في تقديري، فإن المظاهر الاحتفالية الكرنفالية التي أراد لها أصحابها او أريد لها أن تكون يجب لا نقلل من شأنها كما يقال “الحريق قد يحدث بعود ثقاب لا نلقي له بالا”. لاسيما وأن الانتخابات تجري في ظل أزمة اقتصادية خانقة مع تنامي حالة الاستياء لدى قطاع كبير من المجتمع، وفي ظل التزام الجيش بحياديته ورفضه الانتصار لطرف على حساب طرف آخر، والتزام وزيري الداخلية والعدل بإجراء انتخابات شفافة ونزيهة؟ فإذا افترضنا أن الانتخابات جرت في أجواء من الشفافية والنزاهة، وقرر الشعب الجزائري الخروج بكثافة والتصويت العقابي لصالح من ادعى” أنه مؤيد من قبل قوة إلهية، وتم تنصيبه كقائد للقوات العالمية وسيجعل من الجزائر مركز العالم، أو مرشح آخر، صرح أن أول قرار يتخذه يلغي الفرنسية نهائيا من حياة الجزائريين؟

في انتظار توفر شروط انتخابات حرة ونزيهة تضفي إلى نتائج منطقية ومعقولة غير صادمة، والتي أراه بعيدة المنال لأنها رهن تطور الوعي المجتمعي بقدسية القانون والنظام والحق في الاختلاف وفي التداول على الحكم، يجدر  تلافي التعاطي مع مثل هذه المحطات كما لو أنها استجابات شرطية كرنفالية، لان سمعة ومكانة رئيس الجمهورية من سمعة الدولة، كما لا يجب أن تستخدم الانتخابات لتكريس استمرار هيمنة عصبة على حساب أخرى، لان كل هذا يقود إلى تسفيه ونسف فكرة الدولة  في عقول وقلوب الجزائريين.

أ.د عبدالله راقدي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (21)

User
راني زعفان
راني زعفان 8 سنوات منذ
<strong>الحقيقة المرة</strong> هؤلاء المرشحين الكراكيز ’ المنحطين و المهبولين رشحهم النظام لمقاVنتهم ببوتفليقة ’ ليقول النظام انه ليس هناك مرشح احسن من بوتفليقة ’ انظروا الى هؤلاء المعتوهين كيف يتكلمون و يفكرون ’ هم مجرد ارانب طعم ’ اما الجينيرال غديري فهو plan B
زائر
زائر 8 سنوات منذ
Ces drôles de « candidats » à la présidentielle du 18 avril
زائر
زائر 8 سنوات منذ
أشعر بكثير من الأسف لأن بعض المترشحين يحاولون الإساءة إلى البلد
زائر
زائر 8 سنوات منذ
المستوى المنحط الذي وصل له المترشحون انتخاب الجزائر
زائر
زائر 8 سنوات منذ
طريقة جديدة وخطيرة للترشح انتخابات الجزائر الحماق والهبال