الحراك الشعبي في الجزائر هل سيستمر ويحقق ما فشلت فيه الحركات السابقة؟
الحراك الشعبي في الجزائر هل سيستمر ويحقق ما فشلت فيه الحركات السابقة؟
يصنف النظام الجزائري ضمن الأنظمة السياسية السلطوية العربية الغير الحرة،والذات الطابع العسكري.
مع مجيء بوتفليقة للحكم توسعت قاعدة النظام التسلطي لتشمل رجال أعمال وبيروقراطيين ،ليتم توزيع مداخيل النفط على المجموعات النافذة ذاخل النظام ، وذلك لضمان ولاءها لبوتفليقة الذي سعى مند تقلده الحكم الى تجديد تعهداته من خلال ضمان ولاءها .
خلال هذه السنة (2019) لقي ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة رفضا شعبيا مفاجئا ،حيث انطلقت مسيرات شعبية بدأت في 22 فبراير ، معلنة بذلك بداية حراك جزائري يطالب بعدم ترشيح الرئيس لعهدة رئاسية خامسة.
ليست هذه أول مرة ينتفض فيها الشارع الجزائري ضد النظام السياسي الحاكم بصفته مجموعات نافذة متمركزة حول مركز رئيس الجمهورية. فقد
شهدت البلد في اكتوبر 1988 مظاهرات شعبية طالبت بالتغيير ،وأفرزت دستورا جديدا في 1989، سمح بالتعددية السياسية وتنظيم انتخابات في .1991 ، فاز فيها الاسلاميون باغليية الاصوات، لكن الجيش ضغظ من اجل إلغاءها.لتدخل البلاد بعدها في أتون حرب أهلية طاحنة .
مع مجئ بوتفليقة ،تغير الوضع في البلاد، حيث عمل من خلال قيادته الكارزمية على فرض حالة السلم على اطراف النزاع ،وانفق مايفوق 1ترليون دولار على اعادة تأهيل واعمار الجزائر.
لكن مع مرور السنوات وارتفاع المداخيل الحكومية توسعت قاعدة المستفيدين من النظام لتظم الى جانب العسكريين رجال اعمال وبيروقراطيين ،وتوسعت دوائر الفساد. ومع تراجع اسعار النفط في 2016 بدأت دائرة المستفيدين تتراجع ،ومعها بدأت فئات المحرومين والغاضبين تتسع رقلتها أكثر فأكثر .
وبعد اختفاء بوتفليقة في المناسبات الرسمية الجزائرية ،وتدهور حالته الصحية ، لم تستطع المجموعات النافذة ذاخل النظام الاتفاق على رجل اجماع يحفظ لها مصالحها ، ويخدم اجندتها السياسية والاقتصادية، لتقرر بالدفع بعهدة جديدة للرئيس .لتكون لحظة اعلان ترشيحه هي “اللحظة الثورية” التي أخرجت الجزائرين الى الفضاء العام للاحتجاج والمطالبة برفض العهدة الخامسة .
وبفعل استمرار المسيرات ،بدأت تظهر التصدعات و الانقسامات داخل النظام السياسي ، بين قوى الاستمرارية وبين قوى التغيير. ليتبع ذلك مباشرة بروز الانشقاقات في صفوف الاحزاب الحاكمة (الاستقالات من الحزب والبرلمان) ونقابات العمال ورجال الاعمال القريبة من السلطة. ليكون اقوى ا نشقاق وقع الى حدود الان هوخروج منظمة قدامى المحاربين، الفئة قوية في دعم السلطة،والتي تشكل اللوبي القوي داخل النظام الجزائري الحاكم .
من هنا نتساءل عن قدرة الحراك الاحتجاجي الجزائري على تحقيق ما فشل في تحقيقه سنوات الثمانينات و2011.
الحراك العربي الذي اجتاح المنطقة العربية إبان سنة 2011، كان فرصة لاختبار قدرة مكونات المجتمع الجزائري على المطالبة بالتغيير السياسي والانفتاح نحوتأسيس نظام مدني ديمقرطي. لكن مجموعة من العوامل حالت دون ذلك، منها ما هوبنيوي مرتبط بطبيعة النظام السياسي. ومنها ما له علاقة بالمحدد السوسيو-نفسي المستمد من الأثر السلبي الذي خلفته أحداث ما عرف بالعشرية السوداء.
بعد الركود الذي عرفته الجزائر والذي كان إفرازا من إفرازات سيادة العقلية الممركزة للنظام السياسي العسكري طفت إلى السطح حركة احتجاجية احتلت الفضاء العام ، تميزت بمجموعة من السمات أبرزها :
-حركة شبابة :ويعود ذلك الى ارتفاع نسبة الشباب في الهرم المجتمعي الجزائري .
– إعطاء الاولوية للمطلب السياسي على المطالب الأخرى ،خاصة المطالب الاجتماعية والاقتصادية ، فالمتتبع للاحتجاجات سيلاحظ ان شعار رفض ترشح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة اتخذ حيزا كبيرا ضمن الشعارات المرفوعة .
– يتسم الحراك الاحتجاجي بطابع السلمية، هذا الطابع ركز عليه المحتجون بشكل كبير. مقابل ذلك يحاول النظام الجزائري تقويضه، وذلك قصد اكتساب شرعية اخماد الاحتجاجات ونهج المقاربة الأمنية ، وقد برز ذلك جليا من خلال البيان الذي أصدرته المؤسسة العسكرية.
– غياب قيادة واضحة للحراك تضع استراتيجية احتجاجية وتتحمل مسؤوليتها في القيادة والتنظيم وصياغة البيانات والشعارات. .
كل السمات المذكورة أعلاه ،وأخرى لا يتسع المجال لذكرها، تعطي الامكانية لتصنيف الحركة الاحتجاجية في الجزائر ضمن الحركات الاجتماعية الجديدة .
إن الرهان المطروح الآن على الحركة الاحتجاجية في الجزائر هوقدرتها على الاستمرار لتحقيق الهدف المنشود ، خاصة وأن النظام الجزائري يعول على “عامل الزمن” لإخماد قوة الحراك، هذا الاستمرار سيكون مرهونا بتنظيم وتوجيه وهيكلة الحراك.
نقطة أخرى يجب الوقوف عليها ضمن هذا السياق ، مفادها محاولة الاستفادة من تجربة نماذج الحراك العربي إبان مرحلة 2011، خاصة من ناحية التدرج في المطالب واستحضار موازن القوى بين طرفي المعادلة، إضافة إلى العمل على استيعاب الاستقطاب الإيديولوجي لمكونات الحركة الاحتجاجية وتقريب وجهات النظر بين جميع مكونات المجتمع الجزائري ،لإن ” السلطوية” واقعا مشتركا مس الجميع، و”الديمقراطية” مطلبا نادى به الجميع ايضا بغض النظر عن الإنتماء الإيديولوجي أوالسياسي.
إن نجاح الحراك سيكون مرهونا باستمرار ه في التوسع خاصة بعد 8مارس وحفاظه أيضا على طابع السلمية والامتداد ، هذا من شأنه أن يعزز طرح “قوى التغيير ” (من داخل النظام ومن خارجه )،وذلك للدفع بسحب ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة (المطلب المركزي للحركة الاحتجاجية )ودعم مقترحات المعارضة التي يظهر أنها تستجيب لمطالب الشارع المنتفض .
د فضيل التهامي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)