سفينة الجزائر اليافعة وخشب بوتفليقة المهترئ
سفينة الجزائر اليافعة وخشب بوتفليقة المهترئ
«أردنا انتخابات من دون بوتفليقة فانتهى بنا المطاف إلى بوتفليقة من دون انتخابات».. هذا هو لسان حال الجزائريين المصدومين بكابوس قرارات الرئيس بوتفليقة الأخيرة. أكثر من ذلك: انتهى بهم الأمر بالأخضر الإبراهيمي ونورالدين بدوي ورمطان العمامرة في القيادة. لا توجد وصفة أفضل للخيبة والإحباط. ينقص الجنرال محمد تواتي ونعود جميعا ربع قرن إلى الوراء، إلى «سيرك» ندوة الوفاق الوطني التي نظمها الجنرال خالد نزار، باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد آنذاك حتى بعد تقاعده من على رأس وزارة الدفاع، ورفاقه لشراء الوقت وإيهام الجزائريين والعالم بأن البلد ليس مأزوما وليس غارقا في الديكتاتورية والقمع.
كنا في الأسبوع الأخير من كانون الثاني (يناير) 1994، في ذروة حملة غير مسبوقة من القمع بحق الجزائريين، وخصوصا منتسبي جبهة الإنقاذ والمتعاطفين معها. عقَدَت الزمرة الحاكمة، بقيادة نزار، ندوة وطنية تمنحها الشرعية داخليا وتسوَّق سياساتها خارجيا. احتاجت «ندوة الوفاق» إلى تحضيرات مكثفة، وكان هدفها الأول إخراج النظام من ورطته الداخلية والخارجية باختيار رئيس جديد للبلاد، خلفا للمجلس الأعلى للدولة، وإيهام حلفاء النظام والمتواطئين معه بأنهم جزء من منظومة الحكم، وشراء صمتهم.
من الصدف أن الرجل الذي كان في قلب الحدث آنذاك هو ذاته اليوم: عبد العزيز بوتفليقة. كان قادة الجيش في مفاوضات حثيثة معه يسابقون الزمن لإقناعه باستلام الرئاسة. اشترط بوتفليقة أن يُعيِّنه المجلس الأعلى للأمن، بينما كان رأي نزار أن تعيِّنه الندوة حتى يُبعد الشبهة عن الجيش كصانع رؤساء. فشلت المفاوضات. وفي الوقت بدل الضائع، والندوة المنعقدة في «نادي الصنوبر» تقترب من نهايتها، استقل بوتفليقة طائرة إلى جنيف تاركًا نزار ورفاقه في مأزق اضطرهم إلى فرض الرئاسة على الجنرال اليمين زروال، وزير الدفاع آنذاك. «وُضع زروال أمام الأمر الواقع من دون أن يُمنح فرصة للتفكير أو إبداء رأيه» (مذكرات الجنرال المتقاعد رشيد بن يلس).
كانت الندوة، التي حضرتُها مراسلا صحافيا، أقرب إلى «سيرك» منها إلى عمل دولة: نفوذ سياسي وتنظيمي مطلق لرجال النظام في عين المكان، من أصغر مخبر إلى أكبر ضابط أو موظف أمني، في مقابل كومبارس تائهين بين ردهات «قصر الأمم»، وبينهم الصحافيون. كانت الندوة مفعمة بالأبوية والغرور من رجال النظام، وغارقة في أسباب الفشل.
التاريخ يعيد نفسه بعد ربع قرن بالتمام. الذين على رأس الجزائر تجمدوا في بروجهم غير مدركين أن المجتمع سبقهم بسنوات ضوئية.
بالوجوه التي قيل للجزائريين أن بوتفليقة اختارها لإدارة المرحلة المقبلة ووضعِ الترتيبات السياسية لها، الإبراهيمي والعمامرة وبدوي، وبالخطاب البائس الذي سمعه الجزائريون من ثلاثتهم، سننتهي حتما إلى نسخة أسوأ من ندوة 1994.
عندما استمعتُ إلى الإبراهيمي يتحدث للتلفزيون الجزائري مساء الأربعاء، خُيِّل لي أن المرحوم محمد الشريف مساعدية بُعث من قبره. كان خطابا عقيما، في شكله وفي مضمونه. ذكّر الجزائريين بالحزب الواحد عندما يحضر مسؤول طاغ في سطوته إلى التلفزيون الحكومي (في الغالب المسؤول يستدعي طاقم التلفزيون إلى مكتبه) أمام صحافي يتجنب طرح الأسئلة الحقيقية ويفتقد لأدوات التحليل الجريء. مُنح الإبراهيمي في ذلك المساء فرصة من ذهب ليبدع ويقنع، لكنه، وعلى الرغم من أنه قضى ربع القرن الأخير من عمره وعمله مفاوضا ومتحدثا في الدبلوماسية العالمية، فشل في التحرر من اللغة الأبوية القديمة والجافة المنتقاة من قاموس مساعدية وجيله وسياساته.
أما الوزير الأول المكلف، نور الدين بدوي، فكان بائسا أكثر من الجميع، إخفاقه وارتباكه يثيران الشفقة. لم يحتج الجزائريون إلى عناء كبير ليدركوا أن الرجل في ورطة سياسية وشخصية، ومكلف بمهمة أكبر منه وأخطر مما يعتقد. ومثله كان العمامرة الذي لم تعوَّد على ترف الدبلوماسية بعيدا عن هذا النوع من الأزمات المحلية.
سقط الثلاثة في اختبارهم الأول، لأن قضيتهم فاشلة، ولأنهم نتاج مدرسة سياسية عفا عنها الزمن، ونظام سياسي عفن سيعجز كل محاميي الدنيا عن تبييض صورته لكثرة ما أجرم بحق الجزائر والجزائريين.
من نافلة القول أن سقوطهم ذاك سبب رئيسي في خروج الجزائريين نهار الجمعة في تلك المظاهرات غير المسبوقة في ضخامتها. ومن نافلة القول أن الثلاثة وأداءهم المخيِّب كان وراء بروز شعار «لن تصنع سفينة جديدة بخشب قديم» في مظاهرات الجمعة.
هل نأمل شيئا آخر أفضل مما نرى؟ لا، لأن البداية غير متكافئة. المنطلق أبويٌّ خاطئٌ لسلطة تعتقد أنها وصية على الشعب وأدرى منه بمصلحته. والثلاثي المكلف بإدارة المرحلة المقبلة يبدو أقرب إلى كونه في خدمة بوتفليقة وخططه منه إلى المجتمع. ويبدو بعيدا جدا عن لعب دور الحكم النزيه بين السلطة والشعب.
بمناورته البائسة وتعيينه الثلاثة، لم يفعل محيط بوتفليقة غير إضافة حطب جديد لنار الأزمة الجزائرية. على بوتفليقة أن يرحل ويأخذ معه الجميع، زائدا الثلاثة، حتى لا تمتد النار وتأكل الجميع بما في ذلك هو.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (4)