كيف نبتت شجرة الشوك في الجزائر
كيف نبتت شجرة الشوك في الجزائر
كان من الأمور الطريفة أن التظاهرات الشعبية في الجزائر تحوّلت إلى شيئ يشبه الاحتفالات الشعبية الجماعية، فقد سارع المواطنون عبر الوطن للالتحاق بالشارع بعد صلاة الجمعة مع أزواجهم وأبنائهم بل وشيوخهم للتنزه والاستفادة من شمس الربيع وجمال المحيط، بعيدا عن البيوت المتلاصقة التي قام بتصميم عمران كثير منها مهندسون لم يتفهموا أن المنازل ليست مجرد أمكنة للنوم والإنجاب.
وانضمت العائلات إلى الجماهير يشاركونهم هتافاتهم ويلتقطون معهم الصور التذكارية، ثم يهدون الورود لرجال الشرطة الذي كانوا يردون بالابتسامات الوقورة.
وكان الأكثر طرافة هو أن سائقي السيارات، وبرغم الزحام، لم يلجأوا إلى أجهزة التنبيه لإبعاد المتجمهرين عن الطريق، وبحيث لا تسمع “كلاكسونا” واحدا طوال اليوم.
وكان الملحوظ أن أحدا من قيادات المعارضة لم يجرؤ على الاقتراب من التظاهرات، وكان هذا حكما واضحا بأن الشارع، وإن كان في هذا بعض الظلم، يرفض الجميع.
وبدا لبعض أنصار النزعة البربرية توزيع بضعة رايات تحمل الشعار البربري الذي ابتدعه الصهيوني “جاك بينيت” في الستينيات على صِبية فرحوا بالتلويح بها، لكن المجموع تعامل بالتجاوز المتعالي على ما بدا تلويثا لوحدة الإرادة التي يمثلها العلم الوطني، وكان الطريف هو أن بعض الشباب جاءوا فورا بأعلام فلسطينية راحوا يلوحون بها في مواجهة الرمز الذي يطلق عليه الجزائريون علم “الفورشيطة ” (الشوكة) الدخيل الذي لم تعرفه الجزائر طوال تاريخها العميق والعريق، وكان اختيار العلم الفلسطيني نغزة واضحة للذين رفضوا التضامن مع القضية الفلسطينية في نهاية الأربعينيات.
وأعود اليوم لأستكمل الحديث الماضي عن مقدمات الانزلاق في 2008.
وكما قلت، لم أكن أعرف آنذاك على وجه التحديد ماذا كان يريد الرئيس، فلم يحدث أن التقيته إطلاقا في جلسة خاصة حتى عندما كنتُ عضوا في الحكومة، وإن كان السفير عبد القادر حجار، قال لي فيما بعد إن بو تفليقة كان رافضا لعهدة جديدة.
وتخيلت سبب تغير موقف الرئيس، لأنني كنت أعرف كيف تسير الأمور في القمة، وتملكني، كمناضل، الخوف من أن يستغل “البعض” وجوده حول الرئيس فينتزع ما لا يحق له من سلطات، وهو ما كان بالفعل وراء ممارسات بالغة السوء في الثمانينيات، ولوث الأرض بالسوائل سريعة الاشتعال، كانت في انتظار عود ثقاب.
وكنت على يقين من أن أساس قوة ذلك “البعض” إقناعهم الرئيس بأنهم هم أصحاب الفضل في انتزاعه أعلى مراتب المسؤولية في الدولة، وبأنهم القادرون على حماية وجوده على القمة والترويج لعبقريته ولبعد نظره وقوة بصيرته.
وأحسست بأن عليّ أن ألتف حول كل هؤلاء لأبعدهم، بقدر الإمكان عن الرئيس، ولم يكن أمامي إلا قلمي، أحارب به قوىً كان مجرد التفكير في مواجهتها نوعا من الجنون.
وكتبت أقول، بنوع من الأكروباتيات المرهقة، مُوجّها كلامي لقارئ معين، إنه:
“إذا كانت هناك إرادة كامنة في عهدة جديدة فإن التاكتيك السياسي (..) يفرض أن يؤكد المرشح نيته احترام الدستور، وهو ما سوف يجعل المجموع الشعبي، بمن فيهم من لا يحبونه، يطالبه بتجديد عهدته، لمجرد أنهم يرون فراغ الساحة كما أراه”.
وقلت: “عندما يتزايد الضغط الشعبي، وهو لا شك سوف يتزايد وبشكل عفوي، يمكن أن يستجيب الرئيس، والمهم هنا قبل أي شيء آخر هو أنه لن يكون مدينا لأحد من مجموع المستفيدين من السلطة الذين يتنادون بشعارات العهدة الثالثة، بل سيتجاوزهم، لأنه سيتعامل بشكل مباشر مع الجماهير، وبالتالي يصبح أكثر قوة وأكثر حرية في التعامل مع الأحداث، ولن تستطيع البطانة التحكم في قراراته ومواقفه أو الاستفادة المطلقة من العهدة الجديدة التي يتلهفون على إقرارها، أي ببساطة وحسب تعبيره، لن يكون رئيسا إلا ربع.”
لكن تعديل الدستور تمّ بإجراء برلماني، وأحسست بأن أي حديث حول هذا الأمر أصبح أمرا مزعجا للجميع، واكتفيت برفضي تأييد مشروع التعديل بصفتي البرلمانية، ولم يكن في إمكاني أكثر من ذلك، وأنا عضو في الثلث الرئاسي بمجلس الأمة، لأن البديل كان هو الاستقالة، وهو ما سوف يضعني آليا في خندق أعداء الرئيس، أي في نفس الصف مع من لا أحب أن أكون بجانبهم حتى في صلاة جمعة رمضانية أمام أقدم بيت بُنيَ للناس.
ويعرف شهر أبريل 2009 إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل حماسٍ واضح الفبركة، ثم عشنا العهدة الثالثة في ظل بحبوحة مالية أعطت الجهاز التنفيذي فرصة علاج الكثير من القضايا الاجتماعية، ولو باستعمال ما رآه البعض نوعا من الرشوة باستعمال مالية الدولة.
وأصل إلى العهدة الرابعة، والتي انطلقت بعد إصابة الرئيس في 2013 بما سُمّيَ إعلاميا “نوبة إفقارية عابرة” (Accident Ischémique transitoire (وكانت سكتة دماغية AVC)) أفقدته المقدرة على الحركة، وكان بالإمكان آنذاك، لو حُسنت النوايا وسادت الحكمة والحرص على مستقبل البلاد، أن يتم تعديل جُزئي للدستور يُمكّن الرئيس من تعيين نائب أو أكثر، وبهذا لا تكون الأمور بيد جماعة غير دستورية، طبقا للتعبير الذي ابتكره فيما بعد السيد علي بن فليس.
لكن ذلك لم يكن في صالح “الجماعة”، وسكت، جهلا أو تجاهلا أو تواطؤا، كل المكلفين، بحكم مهمتهم، توقع احتمالات المستقبل (gouverner c’est prévoir).
ولأنني أخشى من اتهامي بادعاء الحكمة بأثر رجعي أورد ما كتبته في أبريل 2014، ونشر آنذاك على صفحات هذا المنبر بالذات، وأعدت نشره في صحيفة “اليوم” الجزائرية الصادرة بتاريخ 19 أبريل 2014، بينما امتنعت صحيفة “الشعب” عن نشره عندما رفضتُ أي تعديل لكلماته، وهاجمته صحيفة “النهار” تحت عنوان: عميمور ناكر الجميل (ولست أدري عن أي جميل تتحدث).
قلت: ” لعلي أزعم بأن الانتخابات كانت، ممارسات ونتائجا، أسوأ انتخابات عرفتها الجزائر منذ استرجاعها للاستقلال (..) فقد أحجم نحو نصف الناخبين عن المشاركة أساسا في التصويت، وهو ما يُعتبر فشلا للطبقة السياسية في معظمها، وسواء منها من كان في السلطة أو تموقع في المعارضة، وهذا بدون أن أتوقف عند النسبة الهامة من الأوراق الملغاة أو البيضاء، والتي يبدو أنها وصلت إلى حوالي العُشر، وكل هذا يعني أن نصف الشعب فقد الثقة بسلطاته السياسية.
وعندما ندرك أن حجم الشباب هو نصف عدد الناخبين تقريبا، يمكن أن نستنتج أن جيل اليوم والغد لم يتجاوب مع الحدث.
ولقد سبق أن قلت بأن من أسباب قوة النظام أن المعارضة لم تستطع أن تنتزع ثقة الشعب بها أو احترامه لها أو التزامه معها.
فقيادات المعارضة لم تنجح في القيام بعمل سياسي متكامل (وأركز على كلمة “متكامل”) يستقطب جيل الشباب، ليجعل منه تيارا واعيا مدركا لمعادلة الحقوق والواجبات الوطنية، كما لم تستطع التفاعل مع شرائح المجتمع المدني، لكي يكون واحدا من روافد العمل السياسي، بمعناه الحضاري الواسع لا الحزبي الضيق.
(..) وكان حكم الجماهير على تلك القيادات قاسيا، بل كان أحيانا ظالما، نظرا لوقوعه في شراك التعميم، وكان ذلك الحكم نتيجة لما نسب لبعضها من ممارسات دموية في التسعينيات، أو ما نسب للبعض الآخر بعد ذلك من فساد سياسي ومالي، أو ما سُجّل على بعض رجالها من فشل في القيام بالمهام التي أسندت لهم.
ومن جهة أخرى، فإن جموع الشباب التي كانت تنادي بالتغيير وتطالب بتسلّم المشعل لم تفرز قيادة واعية تشبه القيادة التي أفرزتها الحركة الوطنية في الخمسينيات، وتمكنت من انتزاع مقاليد القيادة من الزعامات القديمة.
وهكذا ظلت المطالبات بالتغيير أمرا يشبه أنين المطرب الأندلسي، الذي يردد طوال الليل وهو جالس شبه مغيب: جيبو لي حبيبي.
ودخلتْ على الخط أصوات مشبوهة راحت تنتهز فرصة الفراغ السياسي وعوامل التوتر الاجتماعي لتدفع بالشباب نحو تحركات غاضبة تعيد مأساة أكتوبر 1988، التي سقط فيها العديد من الأبرياء إثر انتفاضة تأكد اليوم أنها لم تكن عفوية.
أما حزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني) الذي كان مدرسة النضال طوال العقود الماضية، فقد تآكل، منذ التخلص من آخر زعمائه التاريخيين المرحوم عبد الحميد مهري في منتصف التسعينيات، وأصبح التعبير السائد لدى كثيرين عندما يأتي ذكر هذا الحزب: إرحموا عزيز قوم ذل.
وربما يتضح مدى عجز هذا الحزب عن إدراك متطلبات المرحلة عندما نعرف أنه الحزب الوحيد الذي يملك صحيفة يومية ومجلة أسبوعية، ولكنه لم يتمكن حتى من ضمان توزيعها لتكون رافده في نشر أفكاره.
بل إن قياديين في جبهة التحرير الوطني لم يكونوا يتابعون الصحيفة أو المجلة.
وهكذا، وبالنظر إلى وضعية الطبقة السياسية، يمكن القول بأن مستوى الممارسة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان أسوأ مستوى عرفته الجزائر على الإطلاق، خصوصا وقد لاكت الألسنة كلمة “الشكارة” (الكيس) والتي تشير إلى وضعية فساد سياسي، موّله رجال أعمال صنعوا ثرواتهم بأساليب ليست فوق مستوى الشبهات، وكان كل جهدهم منصبا على إقامة نظام يحمي مكتسباتهم، ويضمن زيادة نفوذهم وقدرتهم على تسيير الأمور لصالحهم.
ورفعت تجمعات شبابية شعار التنديد بالعهدة الرابعة للرئيس عبد العزيز بو تفليقة، لكنها لم تحقق إجماعا شعبيا لسببين رئيسيين، أولهما أن الواقع الدستوري، بعد تعديل 2008، يعطي الرئيس الحق في التقدم لعهدة جديدة، وكان المفروض أن يتصدى الجميع قبل ذلك للتعديل الذي أنهى اقتصار الولاية الرئاسية على عهدتين، وقد ذكرت أنني كنت وقفت مع قلة من الرفاق ضد التعديل الدستوري، ورفضتُ المصادقة عليه كعضوٍ في البرلمان، وهو ما يعني أن من لم يرفض التعديل الذي قاد إلى العهدة الثالثة فإنه يفقد الحق في التقدم للجماهير كطليعة واعية ترسم لها طريق المستقبل.
السبب الثاني، هو أن بعض المشبوهين ظهروا في تلك التجمعات، مما خلق تناقضا واضحا بينها وبين مجموع المثقفين الذين تحمسوا في البداية لشعار “بركات” (أي …كفاية) وأعطى ذلك الفرصة لكثيرين لكي يلوكوا الأساطير التي تم بثها في السنوات الماضية خوفا من الربيع العربي، وهو ما كان فرصة للإعلام الموجّه للتحذير من حدوث مآس كالتي تعرفها سوريا وليبيا وغيرها.”
ثم قلت، ومعذرة لاجترار رأيته ضروريا للأمانة التاريخية:
(..) “كان الجديد في الحملة الانتخابية لهذا العام (2014) أن المرشح الأول لم يشارك فيها بشكل مباشر، وبرغم أن البعض انتهز الفرصة للتندر، وبشكل بذيء، على الوضعية المرضية للرئيس، فإن الشعب الجزائري، المعروف بعفته، تجاوز ذلك، وربما كان مرض الرئيس فرصة للتعاطف معه والتصويت له.
والواقع أن تصرف بعض المعارضين كان يصب في مصلحته، حيث انتزع بعضهم منه كل فضيلة، ولم يجدوا في ولاياته الثلاث أي إنجاز يستحق الذكر، وكان هذا، بالنسبة للمواطنين ولإطارات الدولة، ظلما فادحا، لا لبو تفليقة فحسب، وإنما أيضا للدولة التي عرفت في السنوات الماضية تقدما ملموسا في أكثر من مجال، وربما كان التخلص من مديونية خارجية تجاوزت 38 مليار دولار واحدا من تلك الإنجازات.
غير أن أهم ما أساء لبو تفليقة (..) وجود وجوه تحوطها الشبهات حوله، أو ينسب لها العديد من الأخطاء والممارسات المشبوهة، وكان مجرد ظهور البعض في واجهة حملته الانتخابية مثارا للتندر، بل واستفزازا لجماعات من الشبيبة، حالت دون عقد بعض الاجتماعات الانتخابية.
(..) وكانت دعوة المعارضين لمقاطعة الانتخابات، في تصوري، هي نكتة الموسم، وقد قلت عنها في تعليق نشرتُه في “الفيس بوك” إن هؤلاء كان يتوقعون عزوف الكثيرين عن المشاركة فأرادوا أن ينسبوا الفضل لأنفسهم، وهو ما حدث بالفعل، عندما أعلن أحدهم بأن ضعف المشاركة كانت نتيجة لمطالبته ورفاقه بالمقاطعة.
(..) ويبقى أن عبد العزيز بو تفليقة نجح برغم سوء حملته الانتخابية وما أحاط بها
من عثرات وما حدث فيها من أخطاء (..) وأعتقد أن سبب الانتصار يعود أولا إلى تقدير الشعب لماضي الرئيس، ولرغبة مواطنين، وخصوصا كبار السن رجالا ونساء، في تأكيد تعاطفهم مع مرضه، كما يعود إلى طبيعة الشعب الجزائري في رفع التحدي ضد وسائل إعلام فرنسية سخرت من مرض الرئيس، وهو يعود أيضا إلى تداعيات العشرية الحمراء وما نتج عنها من آلام ومآسٍ، حيث شعر كثيرون بأن تجديد العهدة له هو ضمان للاستقرار والأمن، خصوصا وأن معارضيه لم ينجحوا في إقناع الجماهير بعكس هذا الطرح وبأن الاستقرار تضمنه المؤسسات القوية، فهم لم يبذلوا جهدا حقيقيا لبناء تلك المؤسسات.
وربما أراد البعض تأكيد شوقه وحنينه لمرحلة الرئيس هواري بو مدين، برغم أن المُرشح لم يتناوله بخير أو بشرّ طيلة السنوات الأخيرة !!.
وربما رأى مواطنون كثيرون أن “إللي نعرفوه خير من إللي ما نعرفوهش”.
كان هذا بعض ما قلته يومها، وقد حذفت اليوم فقرات كثيرة للتخفيف على القارئ، لكنني أكرر اعتذاري عن اجترار رأيته ضروريا لأقفل الباب على المزايدين.
دكتور محيي الدين عميمور
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)