ما هي دروس الحراك الجزائري بعد شهر من المسيرات المليونية
نظم الجزائريون كما كان متوقعا يوم الجمعة 22 مارس مسيراتهم المليونية الخامسة في مختلف مناطق البلاد. رغم الأجواء الطبيعية غير المواتية، بعد موجة البرد والأمطار التي اجتاحت شمال البلاد. مسيرات متوقع لها أن تستمر لغاية تحقيق ما خرج من أجله الجزائريون، بعد أن طفح الكيل بهم، إبعاد بوتفليقة وعائلته وعصبته…
نظم الجزائريون كما كان متوقعا يوم الجمعة 22 مارس مسيراتهم المليونية الخامسة في مختلف مناطق البلاد. رغم الأجواء الطبيعية غير المواتية، بعد موجة البرد والأمطار التي اجتاحت شمال البلاد. مسيرات متوقع لها أن تستمر لغاية تحقيق ما خرج من أجله الجزائريون، بعد أن طفح الكيل بهم، إبعاد بوتفليقة وعائلته وعصبته الحاكمة وانطلاق مرحلة انتقال سياسي توافقي لتغيير هذا النظام السياسي الذي تحول إلى خطر على البلاد والعباد.
مسيرة الجمعة التي اعقبتها في اليوم الموالي مسيرة المحامين والقضاة، الذين خرجوا في شوارع العاصمة ومدن أخرى بالآلاف، دعما لحراك شعبهم، فقد أصبحت العادة منذ انطلاق الحراك أن يستمر الشعب الجزائري بمختلف فئاته المهنية في التعبير عن مطالبه بأشكال عدة، مازال يركز فيها على المسيرة والخروج للشارع كشكل تعبيري رئيسي. تميزت هذا السبت بخروج المحامين والقضاة الذين منحوا ثقة كبيرة للحراك الشعبي، وطمأنوا المواطنين على حراكهم، وزاد من عزلة النظام السياسي وعصبه التي أهانت القاضي وشوهت القضاء.
المتابع لهذا الحراك منذ انطلاقه في 22 فبراير يمكن ان يلاحظ أن الحراك بدأ في الابتعاد عن الشفهية إلى النص المكتوب، وأن التعبير عن أهدافه ومطالبه أصبحت أكثر وضوحا من الناحية السياسية. وهو دليل على أن الحراك بدأ في الخروج من العفوية الكبيرة التي انطلق بها، نحو مسارات أكثر تنظيما. تحول نوعي من إنجاز مجموعات شبانية مستقلة ومناضلين جمعويين، نقابيين وحزبيين بدرجة أقل، أصبح حضورهم أكثر بروزا منذ المسيرة الرابعة والخامسة، ما يفرض على الجميع الذكاء في التعامل بالتركيز على ما يجمع وعدم الدخول في حسابات سياسية وتنظيمية ضيقة.
قضية تنظيم الحراك الشعبي وإفراز قيادة له التي تطرح بحدة على مستوى النقاش السياسي هذه الأيام، بخبث واضح من قبل النظام السياسي وأدواته الإعلامية والسياسية، التي يبقى هدفها واحدا ووحيدا، قطف رؤوس الحراك التي تكون قد أينعت، إن عبّرت بشكل مكشوف عن حضورها.. قطف رؤوس يعرف النظام كيف يقوم بها، هو الذي تخصص في رشوة وتحييد أي صوت معارض أو مستقل أنتج هذا التصحر الذي عاشته الحياة السياسية في الجزائر.
مقابل الصدق والتخوف الواضح الذي تطرح به قضية تنظيم الحراك وإفرازه لقيادته شعبيا، التي بدأت في إيجاد حلول لها بعد ظهور هذا العدد الكبير من الشباب الذي انطلق في الدفاع عن حرية الشعب بواسطة تنظيم الحراك نفسه والدفاع عنه في الوسائط الإعلامية والحضور السياسي اليومي في المسيرات. جيل جديد من الشباب لم ينتظر الكثير منهم 22 فبراير للتعبير عن مواقفه الرافضة للنظام القائم. فالجزائر ليست أمام جيل – طفرة خرج من العدم هكذا فجأة، من دون مقدمات، فالغالب لدى هذا الجيل انه عرف النقاش السياسي وأدوات عمله وهو يحتك بمن هو أكبر من الأجيال السياسية، هو ابن المدينة والفئات الوسطى التي كانت حاضرة بقوة في الحراك على مستوى العاصمة تحديدا، وبعض المدن الكبرى. فئات استفادت بقوة من التعليم والانفتاح على العالم، لم تكن راضية عن هذا النظام السياسي رغم استفادتها الاقتصادية منه. وهو الحضور نفسه الذي ميّز المرأة التي غابت أكثر في المدن الداخلية، والتي عوضتها الطالبات والمحاميات والمعلمات والطبيبات كمهن تعرف مستوى تأنيث كبير في الجزائر، باعتبار أن عالم الشغل النسوي كان دائما ولا يزال عالما نخبويا بامتياز. رغم هذا الحضور البارز للفئات الوسطى استمر الحراك لغاية المسيرة الخامسة في التعبير بصدق عن كل ما يميز الجزائر ديموغرافيا وسوسيولوجيا، بعد أن استطاع ان يشمل كل التراب الجزائري، بما فيها مناطق أقصى الجنوب، التي راكمت الكثير من التجارب الجماعية في العمل السياسي المطلبي، كما حصل في ولاية ورقلة مع حركة رفض استخراج الغاز الصخري، أو حركة البطالين، بدون نسيان دور المهاجرين الجزائريين في الخارج، الذين تظاهروا واحتجوا في أكثر من مدينة عالمية، تعبيرا عن علاقتهم المتينة بالوطن، واستمرارا لما ميز المهاجرين الجزائريين على الدوام، منذ البدايات الأولى للحركة الوطنية، وعادت رموزها من راية وطنية وأناشيد ووجوه، إلى الواجهة مع هذا الجيل الصغير الذي يقود الحراك الشعبي.
لتبقى كل العيون متوجهة هذه الأيام الى ما تبقى من ممثلي السلطة داخل المؤسسات السياسية، التي مازالت تتمتع بالحد الأدنى من الشرعية وإلى قيادة الجيش التي لم تخرج لحد الساعة من مرحلة التغزل بالحراك وبالشعب الجزائري العظيم الذي أبهر العالم، بعد ابتعادها عن المواقف المعادية التي اتخذتها عند انطلاق الحراك (خطاب تمنراست لقائد اركان الجيش). قضية موقف الجيش التي عادت في الكثير من الأوراق والنقاشات التي اقترحت كحل للانسداد السياسي، وكان آخرها ما صدر عن المعارضة الحزبية يوم السبت الماضي، التي فصلت في رؤيتها للحل السياسي ولمرحلة الانتقال، كاقتراح للنقاش والتداول حوله بين المواطنين.
جيش مازال مقتنعا بأنه لن يقبل الزج به في مواجهة الجزائريين، وهم في حالة رفض للنظام السياسي الذي ورّط البلد ومؤسساته، بمن فيهم بعض وجوه القيادة العسكرية الحالية، عندما دافعوا عن العهدة الخامسة في بداية الترويج لها. ترويج ابتعد عنه الحزب والسياسي الموالي، بخبث أكيد وسوء نية مبيتة، كما ابتعدت عنه قيادة الجيش، كما يظهر من تصريحات قائد الأركان، بعد استمرار المسيرات الشعبية الرافضة لها. ليبقى المطلوب الآن التركيز أكثر وبوضوح لا غموض حوله على الأدوار الدستورية للمؤسسة العسكرية وحماية حراك الشعب، بدون التدخل في الخيارات السياسية للشعب الجزائري التي تبقى من صلاحياته وحده، كمصدر وحيد للشرعية، كما تنص على ذلك المادة السابعة من الدستور الذي تم الاعتداء عليه من قبل النظام ورموزه أكثر من مرة.
الحراك الذي يمكن ان يصعّد مطالبه إذا استمر هذا السكوت حول مطالب الشعب الشرعية، بتغيير نظامه السياسي، بما يرتضيه لنفسه كصاحب سياسية وانطلاق مرحلة انتقال توافقية عند نهاية عهد الرئيس الرابعة في 27 إبريل المقبل. فقد يطالب الجزائريون في مسيرتهم السادسة يوم 29 مارس بمحاسبة الفاسدين والمفسدين، قبل رحيلهم الذي لا خيار لهم فيه، بعد أن قال الشعب الجزائري كلمته الأخيرة غير القابلة للتفاوض.
ناصر جابي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)