حتى لا يصنع الجزائريون طاغية جديداً
حتى لا يصنع الجزائريون طاغية جديداً
مانع عندي أن يتسابق «مجاهدو الساعات الأخيرة» في الجزائر لادعاء بطولات ـ غير موجودة ـ في مقارعة نظام عبد العزيز بوتفليقة ومعارضته منذ سنوات طويلة. هذه سُنَّة الحياة. ولا أرى مشكلة أن يدَّعي شخص، بلا مجد وبلا موقف، أنه نصح بوتفليقة مرارا على امتداد السنين للتخلي عن الحكم «لكنه لم يستمع للنصح» (هكذا بلا حياء).
أخشى الأسوأ.. من أنَّ بعض المتملقين الذين سارعوا للادعاء بأن لهم فضلا في استقالة بوتفليقة، هم الآن بصدد صناعة صنمٍ جديد: الفريق أحمد قايد صالح. لقد كثرت القصائد الشعرية والنثر ولوحات تمجيد الرجل. صحيح أن «القايد» دفع بوتفليقة نحو الباب الضيّق في يوم عصيب، لكن الفضل يعود إلى ملايين الجزائريين والجزائريات الذين خرجوا إلى الشوارع في كبرياء وأمل منقطعي النظير. لولا تلك الملايين لكنَّا اليوم في ذروة الحملة الانتخابية لـ«الخامسة» و«القايد» يتابع راضيا وساهراً على حسن سيرها.
المفروض أن العكس هو الصحيح: «القايد» هو الذي يجب أن يكون ممتنا للجزائريين ويشكرهم، لأنهم حرروه من نظام بوتفليقة ومن تبعيته له. أتاحوا له خروجا مشرفا، بل بطوليا، بعد أن كان الحلقة الأقوى في نظام فاسد ثار عليه الشعب بالملايين. وحتى لا ننسى: «القايد» لم يكن فقط رجل النظام، بل رجل بوتفليقة منذ 2004. وظلَّ كذلك إلى غاية ما بعد بدء الحراك الشعبي. لم يتبّنَ مطالب الشعب إلا في الأسبوع الثالث من التظاهرات. هو الذي تساءل محذرا بلهجة حادة في تصريح علني تناقلته وسائل الإعلام العالمية «هل يعقل أن يتم دفع بعض الجزائريين نحو المجهول من خلال نداءات مشبوهة ظاهرها التغني بالديمقراطية وباطنها جرّ هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة بل غير مؤمنة العواقب، مسالك لا تؤدي لخدمة مصلحة الجزائر ولا تحقيق مستقبلها المزدهر؟». (خطاب 26 شباط/فبراير الماضي).
الاحتفاء بـ«القايد» في هذه الأيام وقول الأشعار فيه ورسم اللوحات الممجدة له يسيء للجزائريين والجزائريات الذين خرجوا إلى الشوارع يصرخون ملء حناجرهم أن ارحلوا جميعا، فرحل بوتفليقة وزمرته المشؤومة. ويسيء أكثر للمطبلين ويثبت رضاهم بالعبودية والإذلال وقبولهم بالطغاة فوق رؤوسهم. لكن الأسوأ أن هذا التملق الذي يذكّر بشعراء الجاهلية، يمهِّد الطريق نحو تشكيل طاغية جديد.
مع حفظ الفروق بين التجربة المصرية في 2013 والجزائرية اليوم، أخشى أن بعض الجزائريين ممن يعتقدون أنهم صنَّاع رأي في العالم الافتراضي، يُشبهون كثيراً نظراءهم المصريين الذين احتضنوا المشير عبد الفتاح السيسي وحوَّلوه إلى طاغية. والنتيجة أنه لم ينتظر الانتهاء من الإسلاميين ليدوس عليهم هم أيضا والعالم كله يتفرج بين أعمى ومصفق. رغم الاختلافات، لا شيء يضمن أن الجزائر لن تسقط في فخ التجربة المصرية، تحت حجج مختلفة، وهي موجودة وكثيرة، حتى لو لم تكن النهابة بـ«القايد» رئيسا للدولة. يقظة الشعب كفيلة بمنع ذلك، وأيضا التعلم من التجربة المصرية لأنها كابوس قاتل لا يستحقه أيّ شعب. مع ضرورة أن يتوقف دجَّالو السياسة والوافدون الجدد عليها عن تأليه أحمد قايد صالح والثناء عليه باعتباره مخلّص الشعب، بينما العكس هو الصحيح.
الجزائريون يكنّون احتراما كبيراً ومتوارثا لأفراد الجيش لأنهم أبناؤهم وجيرانهم وأصهارهم ورفقاء الدراسة (إلى وقت قريب كان التحاق أحد أبناء العائلة بالخدمة العسكرية، أو انتهاؤه منها، حدثا اجتماعيا تقام له الولائم). لكن مقابل هذا الاحترام والثقة، هناك حسابات بعض المحسوبين على «النخب» الثقافية والسياسية، وانتهازيتهم. وهذه حسابات لا يمكن فصلها عن الطموحات الشخصية واقتناص الفرص بحثا عن المناصب والمكاسب. تلكم هي مشكلة الجزائر، في «النخب» البائسة التي لم تقدّم للمجتمع غير الفشل.
التجربة الجزائرية الآن في أصعب مراحلها وأكثرها حرجًا وحساسية، لأنها في منتصف المسار. الرجوع للوراء مستحيل والتقدم إلى الأمام محفوف بالمخاطر. ستنجح هذه التجربة عندما يرافق قائد الجيش (يرافق ولا يقود) هذا التحول برفق وثقة في المجتمع، ويحميه إلى نهايته. ثم بعد النهاية الآمنة، يكون أول مَن يقدّم استقالته للرئيس المنتخب ناصحا إياه بإتاحة الفرصة للشباب من الضباط الكبار والقادة العسكريين. آنذاك يحق للجزائريين أن يرقصوا في الشوارع الليل والنهار، ويصبح واجبا عليهم أن يرووا لأبنائهم وأحفادهم من هو أحمد قايد صالح وما قصته.
في ذروة حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، تبنَّت قيادة جبهة التحرير شعارا وفرضت انتشاره: «بطل واحد، هو الشعب». اليوم، يجب أن يُبعث هذا الشعار من جديد، ويدخل يوميات الجزائريين حتى يؤمنوا به قولا وفعلا.
لحسن حظ الجزائريين أنهم لم ينشؤوا في ثقافة عبادة الشخص وتأليه الحاكم، عدا محاولات بعض الدجالين في عهد بوتفليقة. كان الجزائريون دائما متمردين، وفي أحسن الأحوال محايدين أو سلبيين تجاه رؤسائهم. هذا هو مبعث الأمل والتفاؤل، ولا عزاء لـ«الشيَّاتين» الجدد. لكن الحذر واليقظة مطلوبان اليوم أكثر من أي شيء آخر حتى لا تضيع الفرصة ونضطر إلى الوقوف على رصيف الانتظار 30 سنة أخرى.
توفيق رباحي القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (7)