كيف سيكون حراك الجزائريين في رم
كيف سيكون حراك الجزائريين في رمضان؟
سيكون رمضان الجزائريين هذه السنة مختلفا تماما وغير عادي. بعد أن قرروا الاستمرار في حراكهم الشعبي، الذي انطلقوا فيه منذ ثلاثة شهور تقريبا، للمطالبة بالقطيعة مع النظام السياسي، والذي عبروا فيه عن رفض لمؤسساته واتهام لرجاله بالفساد الذي ميزهم. رمضان بنكهته الجزائرية سيعرف بكل تأكيد تغييرا في طقوسه التي تعوّد عليها الجزائريون لسنوات، في هذا الفصل الربيعي الجميل الذي يحل فيه هذه السنة.
تعوّد الجزائريون من أبناء المدن خاصة (ثلاثة من أربعة جزائريين يعيشون في المدن الكبيرة والمتوسطة) على السهر لساعات الصبح الأولى والإفراط في الاستهلاك، مع جرعة لا بأس بها من النرفزة، بل العدوانية عند البعض، التي تكون أكثر حضورا في الأيام الأولى من رمضان وفي الأواخر منه، نتيجة التعب والإفراط في السهر الذي تظهر نتائجه على شكل تشنج في العلاقات الاجتماعية، يبرز على شكل صور مضحكة تنطلق في اليوم الأول من رمضان مباشرة، بعد انطلاق آلة الرقابة الاجتماعية الدينية التي تميز رمضان الجزائري.. فهل سيكون رمضان هذه السنة مختلفا، تعبيرا عن هذه اللحظة الأخلاقية التي جسدها الحراك في يوميات الجزائريين، هم الذين أبهروا العالم وأبهروا انفسهم بسلمية كبيرة جدا، ورقي في العلاقات الاجتماعية، وقبول الآخر، خلال مسيرات مليونية انطلقت من أكثر من 48 مدينة كل يوم جمعة، زيادة على مسيرات يوم الثلاثاء التي تعودت على تنظيمها الحركة الطلابية في كل المدن الجامعية. ناهيك من تلك المسيرات والتجمعات التي تنطلق يوم السبت والأحد من كل أسبوع في مدن أوروبية وأمريكية، يحضرها الجزائريون، أفرادا وعائلات بقوة، تأكيدا للأواصر القوية التي تربطهم ببلدهم الأم، في وقت غابت الجالية الجزائرية المقيمة في البلدان العربية كنتيجة منطقية لغياب الحريات في هذه البلدان.
قرر الجزائريون هذه السنة الاستمرار في حراكهم بمناسبة سهرات رمضان الطويلة التي سيحولونها إلى فرصة للقاء والحوار والتشاور، في ما بينهم، والتأكيد على مطالبهم السياسية التي لم يحققوا إلا جزءا بسيطا منها لغاية اليوم. تمثل في إفشال العهدة الخامسة وفتح ملفات الفساد التي مست بداية هذا الأسبوع وجوها كبيرة كشقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، ومدير المخابرات الأسبق توفيق مدين، ولا يريد الجزائريون مقايضتها بمطالبهم السياسية التي لا يحيدون عنها. فالجزائريون مصرون على استغلال سهرات شهر رمضان للتأكيد على أنهم ما زالوا مصرين على مطالبهم، عكس ما ينتظره منهم من يعول على ضعف تجنيدهم وفتوره في شهر رمضان، للانقضاض على هذا الحراك الشعبي. حراك يصر الجزائريون على إنجاحه خلال شهر رمضان بالعودة إلى قيم التضامن التي غابت عنهم في السنوات الأخيرة، بالإكثار من الإفطار الجماعي والتواجد في الشوارع والساحات العامة، تأكيدا لالتزامهم بمطالبهم التي خرجوا من أجلها في 22 فبراير/شباط.
يحل رمضان على الجزائريين وحراكهم في مفترق الطريق، بعد أن حقق بعض النجاحات في حين ينتظر تحقيق الأهم، وهو القطيعة مع النسق السياسي الحاكم، الذي يريد البعض أن يعيد إنتاجه، حتى إن تم سجن وجوهه القبيحة التي مثلته لسنوات، بكم الفساد الذي اقترفته لعقود، انطلاقا من قناعة شعبية راسخة، مفادها أن الجزائريين خرجوا لتغيير النظام وليس تغيير الوجوه. حراك شعبي يمر بمرحلة حساسة جدا بأحداثها المتسارعة، ويقوم هذا الحراك الشعبي بالتعامل الذكي معها كل أسبوع. فقد نسي الجزائريون رئيسهم السابق، ولم يعودوا يذكرونه، بمجرد إفشال عهدته الخامسة، ليطالبوا بتحقيق ما خرجوا من أجله، الذي لا يكتفي بتغيير الوجوه مهما كانت بشاعتها وأهمية إبعادها وتحييدها سياسيا، كما هو حال رئيس الدولة الذي فرضته القراءة النصية لمواد الدستور، الذي كان بعيدا كل البعد عن تصور مثل هذه الحالات التي فرضها الحراك الشعبي بمطالب التغيير الذي حمله معه. وجوه ما زال الحراك يطالب بإبعادها وتعويضها برجال ونساء مقبولين شعبيا، ميزتهم الأساسية ابتعادهم عن الفساد، وقربهم من مطالب الحراك الشعبي. شخصيات سياسية يعرفها الجزائريون ويطالبون بها لتسيير المرحلة الانتقالية التي يريدون الدخول فيها، في وقت معقول كمدخل لتنظيم انتخابات رئاسية نزيهة، تحت إشراف وتنظيم هيئة وطنية مستقلة، تبعد العملية الانتخابية من أيدي المزورين، الذين تعودوا لعقود السطو على إرادة الجزائريين، على طول المحطات الانتخابية التي أُفرغت نهائيا من محتواها، كآلية للتداول السلمي على السلطة. وكانت سببا مباشرا في انطلاق الحراك في فبراير 2019 ورفض العهدة الخامسة للرئيس المقال.
ستكون فرصة سهرات رمضان لمدة ثلاثين يوما بلياليها الطويلة، محطة مهمة في تأكيد إرادة الجزائريين في بناء نظامهم السياسي، الذي يريدونه، بدل هذا النظام الفاسد، الذي تحول إلى خطر على دولتهم الوطنية ومؤسساتها المركزية، وعلى رأسها مؤسسة الجيش الوطني الشعبي، الذي يطالبه الجزائريون بمسايرة هذا الحراك، والاستفادة من مرحلة الانتقال لتكريس دورها الدستوري في حماية البلاد، بعيدا عن كل دور سياسي تعودت عليه لعقود، آن الأوان للابتعاد عنه، كما حصل في تجارب الانتقال السياسي الناجحة التي عرفها العالم، بدل التلويح بالتجارب العربية الفاشلة التي يريد البعض فرضها كأمر واقع لا مفر منه في هذه المنطقة التي تعيش تداعيات «ما بعد الصدمة الجماعية» التي ولدتها الحالة المصرية وشقيقاتها العربيات، ليتحول الحراك الشعبي بذلك إلى حام لهذه المؤسسة، التي ما زال الجزائريون يثقون فيها بقوة عكس مؤسسات أخرى، كان يفترض فيها تمثيلهم كالحزب السياسي والبرلمان، كما أكده العديد من استطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة. رصيد ثقة ما زال حاضرا في علاقة الحراك بالمؤسسة العسكرية، على الرغم من بعض بوادر سوء الفهم والتفاهم مع قائد الأركان، كما عبرت عنه شعارات مسيرات الجمعتين الأخيرتين، التي من مصلحتنا كجزائريين تجاوزها بسرعة للوصل إلى الإمساك «برأس الخيط السياسي»، الذي يسهل انطلاق مسار الإصلاح السياسي بتعيين وجوه سياسية يكون من السهل الدخول في حوار بينها وبين الحراك الشعبي، والطبقة السياسية، بدل قيادة الأركان التي عليها مسايرة الوضع من بعيد، وهي تتجه نحو الاضطلاع بمهامها الدستورية، كتمهيد لدخول مرحلة انتقالية تنطلق عمليا من دون تأخير، بتعيين رئيس دولة مؤقت مقبول، وفتح مجال الحريات لتكون الأرضية التي يبني عليها الجزائريون مؤسساتهم الجديدة.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)