قايد صالح للجزائريين: أعطوني أُعطكم!

من حيث المبدأ لا يمكن للجزائريين إلا أن يحتفلوا باعتقال سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس المخلوع، والجنرالين محمد مدين وبشير طرطاق. كان هذا من ضروب المستحيل قبل سنوات، بل شهور وأسابيع معدودة. اليوم هو واقع تراه العين وتسمعه الأذن. لكن هذه الاعتقالات هي جزء، قد يكون الأهم، من صورة أكبر إطارها الأشمل…

مايو 06, 2019 - 18:56
تم التحديث: 7 سنوات منذ
1 3.7ك
قايد صالح للجزائريين: أعطوني أُعطكم!

من حيث المبدأ لا يمكن للجزائريين إلا أن يحتفلوا باعتقال سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس المخلوع، والجنرالين محمد مدين وبشير طرطاق. كان هذا من ضروب المستحيل قبل سنوات، بل شهور وأسابيع معدودة. اليوم هو واقع تراه العين وتسمعه الأذن.
لكن هذه الاعتقالات هي جزء، قد يكون الأهم، من صورة أكبر إطارها الأشمل العملية السياسية التي يقودها الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، للتوجه بالبلاد نحو انتخابات رئاسية يرى أنها هي السبيل الوحيد للحل. اعتقالات الأحد تكمل المسار الأول من مسارين متوازيين يحاول قايد صالح العمل عليهما: الأول قضائي والثاني سياسي. المسار القضائي يقوم على ملاحقة من يرى الرأي العام أنهم رؤوس الفساد وسبب استفحاله، ثم سجنهم كما حدث مع علي حداد ويسعد ربراب، وبالاستماع إلى قائد الشرطة السابق عبد الغني الهامل ورئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى.
في المسار الأول يبدو قائد الجيش مستعداً للذهاب بعيدا في الاستجابة لمطالب الشعب، بدليل اعتقال ثلاثة من كبار رؤوس الدولة، مدين وطرطاق وبوتفليقة. فهذا المسار يلبي جزءا من مطالب الشارع الغاضب ويمس عواطف الجماهير، خصوصا أبناء الطبقات الفقيرة الذين قتلهم اليأس والإحباط في غيتوهاتهم المنسية.
المسار الثاني سياسي بحتٌ. هنا يُظهِر قايد صالح وجها آخر يصل إلى حد التناقض مع المسار الأول. يقوم هذا المسار على التمسك بالإطار الدستوري حتى لا تنزلق البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، وحتى لا يسجل التاريخ على قايد صالح شخصيا والجيش عامة بأنه استولى على الحكم بقفاز من حرير، أو أضاع على الجزائر فرصة. بين المسارين يشعر الجزائريون بأنهم في مواجهة «قايدَيْن صالحَيْن». واحد مستعد للاستماع للشارع والتجاوب مع طلباته المتعلقة بمحاربة الفساد ومحاسبة الرؤوس التي زرعت الفشل والمظالم. وآخر مُصرٌّ على رفض المطالب السياسية للشارع مختفيا وراء دستور انتُهِك بلا توقف، لفرض حلوله السياسية. في مقابل تمسك الحراك الشعبي بتحقيق المسارين جملة وغير منفصلين، يجنح قائد الجيش إلى الفصل بينهما والتعاطي مع الحراك بالتجزئة.
يتساهل قايد صالح مع المسار الأول ويرفض التنازل في الثاني، وكأنها مقايضة: أعطوني أعطكم! المسار الأول يحصد نقاطا ولا يكلف شيئا ولا تبعات خطيرة له. أما الثاني، أي الاستجابة لأي حل سياسي يطلبه الشارع، ففيه مخاطرة لأنه يهدد أسس النظام، والنظام عند رجل كقايد صالح مرادف للدولة. وتجارب الجيران لا تغري بالمساس بأسس الدولة. كما من شأن «التسامح» في حل سياسي أن يجلب «دخلاء» إلى دواليب الحكم، وهو ما لا يبدو النظام جاهزاً له الآن (النظام تعلم من تبعات تغلغل الدخيل سعيد بوتفليقة إلى دواليب الحكم).

في ساعات معدودة يوم الأحد تعزز المساران بنقاط ثمينة، كلٌّ على حدة، وذاق الجزائريون الحار والبارد: الأول باعتقال سعيد بوتفليقة ومدين وطرطاق، ما أبهج الجزائريين وأدخل السرور إلى قلوبهم. وتعزز المسار الثاني بالخطاب الباهت الذي ألقاه الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، فأصاب الجزائريين بخيبة أمل وإحباط بعد أن رفعوا سقف التوقعات في الساعات التي سبقت الخطاب وتخللها اعتقال الرموز الثلاثة. قسّم ابن صالح خطابه إلى جزأين، فكان الأول انحيازاً للمسار القضائي الذي يرعاه قايد صالح، بينما كان الجزء الثاني انحيازاً لا غبار عليه لقائد الجيش في طرحه السياسي. تماهى خطاب ابن صالح إلى حد بعيد مع خطابات قايد صالح التي يلقيها في زياراته الميدانية كل ثلاثاء.
يعاني المسار الأول من مخاوف من أن تندرج هذه الاعتقالات ضمن ما يمكن تسميتها عدالة العواطف الشعبية، أو العدالة العابرة أو عدالة المنتصرين، بينما خرج الجزائريون بالملايين من أجل عدالة هادئة ودائمة تعيد لهم كرامتهم المغتصبة وممتلكاتهم المنهوبة. هذا الخوف هو الذي جعل محللين يقولون إن مدين وطرطاق وسعيد بوتفليقة اقتيدوا للسجن بسبب اجتماع سري عقدوه في مكان ما بعد بدء الحراك، وليس بسبب أفعال ارتكبوها خلال وجودهم على رأس مسؤوليات كبرى طيلة أكثر من عشرين سنة، وتستحق التحقيق فيها.
ويعاني المسار الثاني من مطبات أخطر. فبإصراره على التمسك بالدستور، يخاطر قايد صالح بالوقوع بالبلد في فراغ دستوري. مع كل يوم يمر تبتعد الانتخابات الرئاسية أكثر. والتمسك بتنظيمها، رغم الرفض الشعبي الجارف لها، يبدو عنادا أكثر منه حرصا عليها. على الأرض تبدو هذه الانتخابات أقرب إلى المستحيل بسبب المعطيات الآتية:
ـ حراك يرفضها ويخطط لمنع حدوثها (الجزائريون متعودون على التغيب عن الانتخبات حتى من دون دعوات لمقاطعة سياسية).
ـ حكومة عاجزة عن الترويج لها، وخائفة أن تفعل.
ـ رؤساء بلديات أعلنوا رفضهم تنظيمها. ومن المحتمل أن يلتحق بهم آخرون.
ـ قضاة قالوا منذ اليوم الأول أنهم لن يشرفوا عليها. وكل شيء يدل على أنهم سيفون بوعدهم.
ـ غياب مرشحين جديرين بالاحترام وبإمكانهم إغراء الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.
ـ غياب أي تفاعل من الأحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني معها.
والأخطر في الأمر أن هذه البيئة المعادية للانتخابات التي يصر عليها قايد صالح وابن صالح، تتعزز كلما اقترب الموعد المحدد للاقتراع، وليس العكس. والرهان على الزمن لرؤية الحراك يذبل ومطالبه تتراجع يفتقد إلى الحكمة. فحتى لو تراجع الحراك خلال شهر رمضان، من المفيد للبلاد أن يدرك الذين على رأس الدولة أن الانتخابات المقبلة ستحييه أقوى مما كان، وتشعله من جديد مثلما أشعلته انتخابات 18 نيسان (إبريل) المقبورة.

توفيق رباحي القدس

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (1)

User
دحمان
دحمان 7 سنوات منذ
<strong>ميونخ</strong> توفيق وطرطاق ونزاروتواتي والعماريين وبلخير..... مجرمين حرب عذّبوا وخطفوا وقتلوا والسعيد وأخيه لصوص وخربو البلاد وكذلك الديناصور القايد صالح أكبرفاسد حسب ويكليكس،قناة النهارهي قناة العار لصاحبها ولد الحركي عميل الإمارات