الحراك السلمي الجزائري بين المطالب الشعبية الشرعية وتعنت العصابة الحاكمة
الحراك السلمي الجزائري بين المطالب الشعبية الشرعية وتعنت العصابة الحاكمة
لم ويتوقف الحراك الشعبي السلمي في الجزائر، وهو مازال يمنح الصور والمشاهد للقنوات العالمية، عن التحضر والتمدن والوحدة الوطنية، لكن النقاش لم يفصل بعد بين الحلول الدستورية و السياسية، أو بين موقف سلطوي متمسك بكل حروف الدستور وشعب مصر على معاني التغيير والتحول.
الجيش مع الحوار، لكن بين من؟؟
أكد الفريق قايد صالح –في خطابه22 ماي في الناحية العسكرية الرابعة- على تعهده الشخصي في مرافقة عقلانية تتسم بالصدق والصراحة للشعب الجزائري في مسيراته السلمية ولجهود مؤسسات الدولة ولجهاز العدالة، مع التأكيد على عدم وجود طموحات سياسية له،سوى خدمة البلاد طبقا للمهام الدستورية.
وفي خطاب آخر -يوم 28ماي في الناحية العسكرية السادسة- دعا رئيس الأركان للحوار لحل الأزمة، بمشاركة شخصيات ونخب وطنية تكون وفية للوطن ولمصلحته العليا المقدسة، لكن الشعب لم يفهم بين من يكون الحوار؟؟
يأتي هذا السؤال في ظل تلاحق رموز النظام على أبواب الضبطية القضائية و المحاكم والسجون؟؟ وكيف تفهم ملامح الوطنية عن الرجال، بخاصة بعد فشل مشروع الانتخابات الرئاسية ليوم الرابع جويلية، بسبب رفض الهبة الشعبية الوطنية لها، وهو ليس رفضا للانتخابات بصفة عامة، ولكن رفضا لسياقاتها ولمن يشرف عليها .
وإذا كانت تحليلات قادة جيشنا الوطني النوفمبري موضوعية ومنطقية واستراتيجية، فقد يذهب أحفاد الشهداء وأبناء باديس ونوفمبر لاجتماع مغلق بين الجيش و شخصيات وطنية مقبولة شعبيا و وجوه تمثل السلطة الحالية، للوصول لتقديم تنازلات ترضي الحراك الشعبي، وتنسجم مع روح الدستور، فيكون الانتقال السياسي الدستوري، وينتبه الجميع لقضايا أهم وتحديات أخطر داخليا وخارجيا.
علما أن رئيس الحكومة السابق الدكتور بن بيتور قد تحدث عن التفاوض بين النظام والحراك، وحسبه لا جدوى من الحوار، ورفض المشاركة في كل مبادرة حوار، وأكد قبوله المساهمة في مفاوضات تغيير النظام، في حال طلب الحراك الشعبي هذا منه طبعا.
ملفات الفساد ..تفتح ولا تتوقف؟؟
تلاحق العدالة الكثير من المسؤولين السابقين وتحديدا الوزراء بتهم كثيرة مثل إبرام صفقات مخالفة للقانون وقواعد الصرف، وتمكين أشخاص من معاملة تفضيلية وامتيازات، و المقصود هنا بعض رجال الأعمال ومنهم علي حداد و الإخوة كونيناف…
وحرص يسعد مبروك رئيس النقابة الوطنية للقضاة على التأكيد بأن القضاة مطالبون بعدم الالتفات للتدخلات الخارجية في عملهم، وقال:” النقابة الوطنية للقضاة تدعو كل القضاة إلى التمسك بصلاحياتهم الدستورية كاملة، دون الالتفاف لأي مؤثرات خارج الملف القضائي، وفي المقابل ستكون النقابة درع حماية لهم في مواجهة كل المتسلطين، رسميين كانوا أو شعبويين، مع الحرص على تقديم أداء قضائي فعال دون استعجال أو مماطلة بما يكرس قواعد الانصاف”(حوار مع جريدة الخبر، 27 ماي 2019،ص3).
ونبه في الحوار نفسه إلى أن ممارسة الشعب لسيادته يتم التعبير عنها عن طريق الانتخابات الشفافة النزيهة، ومع توفير ظروف نجاحها المادية و البشرية، كما قال:” الحالة الراهنة للبلد تستوجب اللجؤ إلى حل يجمع بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية تفاديا للسقوط في الفراغ والتسيب، على أن يكون دور القضاء في العملية الانتخابية محوريا نصا وممارسة…”
فهل يسمع رئيس الدولة لمثل هذا الموقف؟ وهل يظل الامتياز القضائي في مواجهة الارادة السياسية و الشعبية في مكافحة جرائم الفساد عند المسؤولين الساميين؟؟
لم ينتج النظام البوتفليقي إلا الخراب، ولم يقدم لنا وللعالم إلا وجوه التطبيل و البحث عن المصالح الشخصية، من دون أن تقدر الحكومات المتعاقبة على بناء مستشفى عالمي واحد ، لكي يعالجوا فيه هم قبل الشعب؟؟ بل وتركوا ملايين الشباب الجزائري يعاني البطالة أو مناصب ما قبل التشغيل التي تبقى لسنوات عديدة؟؟فأوقعوا الضغط الرهيب على موظفي وكالات التشغيل، وهم الذين صاروا لسنوات يقومون بمهام نفسية وإدارية وتوجيهية لطالبي العمل من مختلف الفئات الاجتماعية والمستويات الدراسية، في ظل شح سوق العمل؟؟؟
الحلول موجودة ولكن؟؟
ورغم كل صرخات الحراك الشعبي ، ورغم كل نداءات الحقوقيين و الناشطين و أحزاب المعارضة ، للبحث عن الحلول السياسية للأزمة والسماع لصوت الشعب، والتأكيد على أن الشرعية الشعبية أقوى من كلمات أوراق الشرعية الدستورية،فالسلطة مصرة على مواقفها وتسير بنا للانهيار الاقتصادي والانسداد المجتمعي؟؟
وكأن السلطة لم تقرأ مبادرة الدكتور طالب الابراهيمي، وهي التي تؤكد على توقيف الخلط بين السلطة والمال الفاسد، أم أن دعوته لتغليب المشروعية الموضوعية على المشروعية الشكلية قد أحدثت وجعا في رأس بقايا النظام المعزول المرفوض؟؟
وقدم الدكتور والكاتب العالمي واسين الأعرج موقفه في رسالة مفتوحة للقايد صالح، جاء فيها:” لا يمكن للجيش أن يؤيد حالة الجمود التي ضيعت من الجزائريين وقتا طويلا بالحفاظ على حكومة مكروهة ورئاسة لا تستجيب لمطالب الحراك”(جريدة الخبر عدد 29ماي 2019،ص22)
وتبنت قوى التغيير المساندة للحراك الشعبي الكثير من المبادرات التي لم تنل قبول الجيش او السلطة، كما بادر علماء الجزائر بأفكارهم ، ومنها القطيعة مع ممارسات الماضي بكل مفاسدها ومفسديها، و تفعيل المادتين السابعة والثامنة من الدستور الجزائري (الشعب مصدر السلطة)،إسناد المرحلة الانتقالية لشخصية توافقية، تعيين حكومة كفاءات،تعيين لجنة للإشراف على الانتخابات ومراقبتها، تنظيم حوار وطني شامل،….
قد يكون تشبث الجيش بالحلول الدستورية يهدف لإبعاد كل تأويل دولي خاطي عنه وإبعاد شبهة الانقلاب العسكري كمل قال الخبراء الدستوريون والسياسيون، وهو ما يجب أن يستوعبه الحراك الشعبي حفاظا على التضامن و التفاعل بين الشعب وجيشه الوطني، وهنا نرفض كل صوت يتهجم على الجيش وقيادته،في هذا السياق الوطني والاقليمي الصعب والمعقد…
في الختام
على القيادة العسكرية النوفمبرية أن ترافق الحراك وتدعمه، وعليها ان تنسجم مع رغبته في فترة انتقالية بوجوه نظيفة وشعبية وليس بوجوه سياسية قديمة فاسدة، في ظل فشل المقاربات السلطوية المتشبثة ببعض قراءات الدستور والرافضة لقراءات أخرى يرضاها الشعب؟؟ فكيف تقبل بتمديد رئاسة بن صالح للدولة خارج الإطار الدستوري وترفض تحقيق السلطة الشعبية عبر شخصيات يريدها الحراك؟؟
ونسال الله أن يحفظ الأمن والسلم والآمان في الجزائر، وان يوفق أبناءها للوفاء بعهود الشهداء، وان يوفق أهلها للحوار والتفاعل والنقاش في ظل مشهد التغيير السلمي الحضاري الذي بهر العالم.
د. وليد بوعديلة
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)