الشعب الجزائري في انتظار مسيرات جمعة الاستقلال الحقيقي
الشعب الجزائري في انتظار مسيرات جمعة الاستقلال الحقيقي
سيلتقي الماضي بالمستقبل يوم الجمعة 5 يوليو الجاري، بمناسبة المسيرة العشرين في عمر الحراك الجزائري، الذي يصادف ذكرى استقلال البلاد في 1962. بعد المسيرة 19 الأخيرة، التي تميزت عما سبقها من مسيرات بمحاولات عديدة للتحرش بالمواطنين من قبل الأجهزة الأمنية، التي حضرت بقوة غير مسبوقة داخل المسيرات وبين المواطنين. تحرشات لم يتم الرد عليها بعنف من قبل المواطنين، الذين زادوا إصرارا على سلمية حراكهم وهم يرفضون التوجه به نحو آفاق عنيفة، رغم الاعتقالات التي مست العديد من المواطنين منذ عدة أسابيع وأنواع عديدة من الاحتكاكات بينهم وبين أعوان الأمن.
تحرشات بقيت «محدودة» لم تمس حتى الآن، بالطابع السلمي للحراك وطابعه الشعبي وانتشاره الوطني، الذي أكدته آخر المسيرات في العديد من المدن الجزائرية، كما تؤكده مسيرات الحركة الطلابية كل ثلاثاء من أيام الأسبوع. وما تعبر به مسيرات المهاجرون الجزائريون في أوروبا كل يوم أحد. ليبقى السؤال مطروحا، لمصلحة من يتم التحرش بالحراك ودفعه نحو الانزلاقات، وربما العنف والمواجهات؟ كما ظهر في آخر مسيرة بالعاصمة تحديدا، التي يراد لها أن تكون أول مجال تجرب فيه هذه المواجهة بين الجزائريين.
العودة إلى الظرف السياسي الذي تتم فيه هذه المسيرات ورهاناتها السياسية، سيفيدنا بدون أدنى شك في الإجابة عن هذا السؤال المهم، والبلد يدخل شهره الخامس من المسيرات الشعبية للمطالبة بالقطيعة مع النظام السياسي. فالتحرش الأمني بالحراك وبسلميته هو بكل تأكيد مؤشر مهم عن أزمة السلطات الحاكمة التي لا تعرف كيف ترد على الاقتراحات العديدة التي تقدمت بها، زيادة على الحراك أسبوعيا، شخصيات وطنية وأحزاب وجمعيات ونقابات عديدة، منذ وقت ليس بالقصير. سلطة ونخب رسمية لم تستوعب أن جزائر ما بعد 22 فبراير لن تكون كما كانت قبل هذا التاريخ، الذي تحول إلى محطة لقطيعة جذرية في علاقة الجزائريين بنظامهم السياسي، الذين خرجوا في كامل التراب الوطني للمطالبة بتغييره. سلطة تبدو في حالة تخبط ولا تعرف كيف تتعامل مع المتغيرات المتسارعة على الساحة السياسية، فشلت في تنظيم انتخابين في مدة قصيرة جدا، كما فشلت في تسويق الرئيس الذي نصبته تطبيقا للمادة 102 من الدستور، الذي تتعامل معه بشكل نصي يجعله غير قادر على التعامل الإيجابي مع عديد الاقتراحات التي تتفق على الكثير من النقاط، حصل إجماع حولها بين الفاعلين السياسيين على تعدد مشاربهم. اقتراحات وصلت الى مرحلة تنسيق قصوى، كما عبرت عنه اللقاءات العديدة بين أحزاب وقوى اجتماعية منظمة من تيارات فكرية وسياسية متنوعة، عرفت كيف تتجاوز خلافاتها ونقاط ضعفها العديدة لتقترح بدائل وحلولا تحظى بالكثير من القبول الشعبي.
مقابل كل هذا الزخم من الاقتراحات والحيوية السياسية، التي عادت للشارع الجزائري بسرعة فائقة، تبقى السلطة العسكرية كحاكم فعلي في حالة شلل واضح، لعدة أسباب من بينها، قد يكون تثاقل في اتخاذ القرار داخل مؤسساتها وعدم وضوح في التصورات واقتراح البدائل. فكل ما قامت به مراكز القرار العسكرية المسيطرة على زمام الأمور هو التذكير، بأن لا طموحات سياسية لديها، وأنها مع الحل الدستوري دون غيره من التصورات، وأنها بالتالي لا تريد الخوض في المسائل السياسية مع المعارضة، أو أي طرف آخر، وتتركها للسياسيين، تعرف هي قبل غيرها أنهم مرفوضون شعبيا ولا يحظون بأدنى شرعية، وبدون قدرة على اتخاذ القرار. موقف يخلق فراغا سياسيا رهيبا على رأس هرم الدولة، ويجعل الحراك الشعبي والقوى السياسية المنظمة الأخرى بدون محاور رسمي فعلي.
إصرار صاحب القرار العسكري على الذهاب الى انتخابات رئاسية بسرعة، وبدون منح ضمانات كافية طالبت بها كل القوى السياسية الشعبية، قد يكون عامل تفسير لهذا التحرش بالحراك في العاصمة تحديدا، التي تملك مسيراتها بعدا رمزيا وسياسيا كبيرين، يمكنها أن تعطل أي حلول رسمية لا تحظى بالقبول الشعبي بما فيها الانتخابات المقبلة، فالحاكم العسكري لا يريد ان يفشل مرة ثالثة في تنظيم انتخابات رئاسية يتعامل معها كحل سحري لكل مشاكل البلاد والنظام السياسي.
مقابل الموقف الشعبي الذي يصر على ضمانات عديدة قبل الدخول لمرحلة الانتخابات الرئاسية، التي يبقى حولها إجماع كبداية لتغيير النظام السياسي وليس لاستمراره بوجوه جديدة. ضمانات من بينها تنصيب هيئة وطنية تتكفل بكل مراحل تنظيم الانتخابات، بما فيها الإعلان عنها والإشراف عليها. زيادة على إجراءات تهدئة على المستوى الأمني السياسي والإعلامي تؤدي إلى فتح المجال السمعي البصري، وحرية المسيرات واللقاءات وضمان حرية القضاء وإطلاق سراح المعتقلين، وغيرها من الإجراءات المعروفة والمتداولة سياسيا وإعلاميا، كجزء من مرحلة انتقالية تبقى أكثر من ضرورية مهما كانت تسميتها، بدأت السلطات الحاكمة في العمل ضدها بشكل واضح. فقد عاد التضييق على المستوى الإعلامي الرسمي، بعد فسحة قصيرة بكل خطاب التشويه المرافق له. كما رجع بقوة التحرش بالمسيرات منذ الإعلان على الموقف المعادي من رفع الراية الامازيغية التي استعملت كحجة لاختراق الحراك، وتشتيت قواه الشعبية في الولايات المعروفة بقوة حراكها. واستمرت الاعتقالات التي طالت هذه المرة الوجه التاريخي المعروف الرائد لخضر بورقعة، ما جعل الكثير من القوى الشعبية تتخوف جديا على الحراك الشعبي كلحظة تاريخية يجب البناء عليها وليس هدمها وتكسيرها، كما تحاول مراكز قرار رسمية القيام به، للأسف. لهذا ستكون مسيرة الجمعة المقبلة في 5 يوليو المصادفة لعيد الاستقلال محطة مفصلية في عمر هذه الثورة السلمية، التي انطلقت في الجزائر منذ خمسة أشهر بهدف الوصول الى القطيعة مع هذا النظام السياسي، الذي يريد الاستمرار بوجوه جديدة. نظام تعود عبر تاريخه الطويل كل مرة على تغيير واجهته المدنية، التي تحكم شكليا ليحافظ على عمقه العسكري الممثل للدولة العميقة. مهما كان شكل التغيير عن طريق الانتخابات الشكلية التي تعود على القيام بها، او حتى الأبعاد والانقلابات الكثيرة التي تخللت مسيرته السياسية المضطربة، ليزيد ارتفاع منسوب الفساد الذي عرفه هذا النظام الريعي في العقدين الأخيرين، في كبح وتيرة التغيير ومقاومته كما نشاهد هذه الأيام، عكس ارادة الجزائريين الذين يريدون أن تكون مسيرات الاستقلال الأسبوع المقبل المليونية، بداية تحرير الإنسان بعد تحرير الأرض الذي انجزوه في 1962.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)