المطلب البربري الذي أثاره قائد الأركان في ظل الحراك الجزائري
المطلب البربري الذي أثاره قائد الأركان في ظل الحراك الجزائري
هذا المقال ليس انخراطا في المسألة البربرية بالمعنى الذي أثاره قائد الأركان، عندما أمر بمنع رفع أي راية عدا الراية الوطنية، وإنما يصدر المقال عن ما ينبغي أن يلتزم به الجميع حِيال حراك ينطوي على خاصية واحدة تمثل ماهيته، التي يجب ألا يحيد عنها وهي تلاشي بقية النظام، واستعادة الشعب للسلطة وليس قشورها.
سلمية الحراك ومسالمته للجميع، لا يمكن أن تستغل للنفاذ إلى ما يثير الخلاف والفتنة، ومن ثم تغيير وجهة الحراك والاستجابة المجانية لما يرغبه قائد الأركان، الذي يريد أن ينفرد بسلطة الاحتكام إزاء المتخاصمين والمختلفين، بالاستناد إلى صلاحيات أوهم نفسه أنه صاحبها، ويريد أن يحتكرها لنفسه. وعليه مرّة أخرى، يجب على جماهير الحراك، القوة المتنامية، والآيلة إلى امتلاك السيادة، ألا تنخدع بمسألة الثقافة البربرية، لأنها ليست من مقتضيات العصر الجماهيري الجديد، الذي لا يعترف إلا بالإطار الديمقراطي لطرح كافة المسائل، خاصــــة منها المتعلقـــة بالهويـــة الوطنية. فالحراك، على ما نحضر ونشاهد يدَشِّن عصرا جديدا، ليس بمعنى ما ولكن بكـــل المعاني. ولعلّ أهم معانيه الكبيرة: «الشرعية «، التي تبرر أولا طرح المسألة البربرية في الجزائر عندما تصبح ذات دولة تامة وكاملة منزّهة تماما عن الأشخاص والجماعات.
غني عن القول، إن الجزائر حازت الاستقلال بعد الاستفتاء الذي نظمته الإدارة الفرنسية في 3 يوليو/تموز 1962، وعبّر هذا التصويت عن رغبة الجزائريين في الاستقلال وتقرير مصيرهم عن الحكم الفرنسي. وكان من نتائج هذا الاستفتاء حيازة القيادة الجزائرية الجديدة شرعية الوجود الوطني والدولي، أي حيازة الشرعية الداخلية والخارجية. بينما الاستفتاءات والانتخابات التي نظمها النظام الجزائري طوال عهود الاستقلال كانت مزيفة وغير شفافة، ما يحيل كافة قراراته إلى خانة الأحكام الفاسدة وغير الشرعية ومنها، مسألة الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية، التي مررها على هيئة برلمانية معينة في انتخابات صورية فاسدة، قبض أعضاؤها سلفا عربون الصفات المشبوهة والملوثة، وهكذا، فإن أفضل المطالب وأجدرها صدقا ومصداقية هي تلك التي تحظى بالشرعية، منذ التفكير فيها إلى غاية تحقيقها في حياة الجزائر والجزائريين. وإذا كان ما بني على باطل فهو باطل، على ما يرى رجال القانون، فإن «المطلب الأمازيغي» في ظل قيادة الدولة الوطنية المستقلة هو استمرار شبه أمين «للمطلب البربري» كما كان يطرح زمن الاستعمار، خاصة في سياق الخلاف الذي دب بين صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. فقد كانت المسألة البربرية تعكس خلافا في عدم قدرة الحركة على تأمين تمثيل المناطق على صعيد العمل الوطني والثوري في الحركة الوطنية ثم في الثورة التحريرية.
إن العودة إلى تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية زمن الاحتلال لا نقصد به الانتقاص من قيمة مطلب ثقافي تلَوِّح به جهة معينة، بقدر ما أننا نحرص على عدم الانسياق في مطالب لا تستوفي سياقاتها ومقتضياتها الحقيقية، وأهمها على الإطلاق الإطار الديمقراطي الذي يبقى دائما يُرعب السلطة ويفزع الجهات التي تروم اغتنام هشاشة البلد من أجل تمرير ما لا يمكن أن يمر إلا بالاحتيال والتواطؤ الفاسد، على ما فعل نظام العصابة مع دستور 2016 الذي أحبكت صياغته لتأمين ما بعد بوتفليقة ببقاء نظامه، حتى لو اضطر ذلك إلى الاعتراف باللغة الأمازيغية والسعي إلى ترسيمها، وبإعلاء قيمة الرموز الوطنية ومعالم السيادة وتمجيدها والوقوف عندها بالتقريظ والمديح الساذج والمبتذل لاستمالة المجاهدين.
كنّا دائما نقارب موضوع الحراك وما يثيره، من خلال معاينة الواقع في راهنيته وتلقائيته، أي بما يعرف بالتاريخ الراهن، الذي لا يعير كبير أهمية للماضي، بقدر ما يحرص على التماس الشرعية لحقيقة ما هو قائم. وما هو قائم اليوم في المسألة البربرية أنها لم تتخطَّ بعد الطرح الكولونيالي كأزمة سياسية داخلية في الحركة الوطنية، ومسألة تبحث عن فضاء بَرْبَرِي في فرنسا، تتويجا لنضال عمال من أصول قبائلية منذ مطلع القرن العشرين إلى ما بعد الثورة التحريرية، ثم إلى ما بعد الاستقلال، حيث صار المهاجرون من أصول قبائلية كتلة انتخابية تلازم الانتخابات الفرنسية، من أجل الظفر بمناصب في الهيئات المنتخبة والمعينة. هذا لا يمنع من أن النظام الجزائري لما بعد الاستقلال كان أيضا يحرص على صوت المهاجرين بصفتهم المجردة، ومن أصول مختلفة بقصد توكيد شرعية النظام وتزكيته ولو بالتزييف والاحتيال على أصواتهم.
وإذا كان لكل مقال مقام، كما يقال، فإن «المسألة البربرية» كما لا تزال تطرح إلى اليوم ليس مقامها الحراك الذي يبقى دائما يؤكد على الوطن والدولة والأمة في أهم قواسمها المشتركة ، تحسبا إلى بناء دولة لا ترتهن بالأشخاص والجماعات والعصابات. ومنع رفع أي راية غير راية الوطن لا يراد به إطلاقا تقديس العلم ورموز الدولة، بل إبعاد هذا الرمز لأنه مستهلك لدى العصابة الحاكمة، وسبق لها أن قايضت به واستغلته لتمرير دستورها الوخيم، ورمت من خلاله تأبيد حكم العصابة بعد وفاة الرئيس الجثة. وعليه، فقيادة الأركان تبحث عن «سلع» جديدة، قابلة للتداول من أجل تمديد عمر العصابة في لعبة مسرحية جديدة.
ولأن الحراك يشهد كل يوم جمعة حوارات ومناقشات في الساحات والميادين العامة، فإننا نقدم هذا الرأي أو قراءة تاريخية راهنة لموضوع اللغة البربرية، كما وردت في سياقها الاستعماري، فقد كانت كل اللهجات في الجزائر بما في ذلك العربية الدَّارجة ألسنة تداول وتعامل بين المسلمين الجزائريين في كافة مناطقهم، وأن الإدارة الفرنسية، من خلال المكاتب العربية ثم مديرية الأهالي عمدت إلى إعداد كرّاسات وأدلة وكتب كأدوات لتسهيل إدراج هذه اللهجات في التعامل الإداري والقضائي. وقد تبيّن للإدارة الاستعمارية أن العربية ليست فقط لهجة دارجة، وأنما أيضا لغة عالمة لورود القرآن بها، وأن الأهالي مسلمين عن بكرة أبيهم ومن هنا وجب الحذر من هذا المقوّم الجوهري للجزائريين.
وهكذا، دائما في توضيح المسألة البربرية في صلتها بالاستعمار، فإن اللهجة البربرية لم تشكل خطراً إطلاقا على الوجود الفرنسي، بل الخطر الداهم كله جاء من الحركة الإصلاحية التي استبطنت في مشروعها الإصلاحي الدين الإسلامي واللغة العربية، وهما أهم ما يجمع كل الجزائريين على اختلاف وتباين أصولهم وجهاتهم، بما في ذلك سكان القبائل والميزاب والشاوية، الذين كانوا كلهم حاضرين في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد كانت اللغة العربية بالنسبة لبقية اللهجات الجزائرية وغيرها في بلدان عربية أخرى، بمثابة اللغة التي تعكس الوعي العلمي والفني والأدبي والفلسفي. فاللغة العربية، كما كانت متداولة في عصر النهضة العربية والإصلاح الديني، هي مستوى آخر أعلى تستكمل به اللهجة البربرية منظومتها اللغوية والفكرية، ولم تكن تتوفر على أي عبقرية خاصة لكي تتجاوب مع عصر الحداثة في كافة تجلياته ومظاهره.
ففي الوقت الذي راحت فيه الحركة الإصلاحية تدعو إلى استعادة الدين واللغة العربية من السلطة الاستعمارية، واستحقت من ثم شرعية الوجود في الدولة، راحت الحركة الوطنية تبحث عن مقومات السلطة السياسية، من أجل ترقية المجتمع من الناحية المادية والمعنوية مؤكدة على خصائص الأمة من لغة عربية ودين إسلامي، أما استخدام اللغة الفرنسية فهو تحصيل حاصل لأنها هي اللغة التي يجب أن نطرد بها المستعمر. فهل اقتصر أو يجب أن يقتصر استخدام اللغة الفرنسية على العهد الفرنسي في الجزائر أو يجب تمديده؟ ذلك هو السؤال الذي أحجم نظام العصابة عن طرحه، وفتح الباب لدخول المسألة البربرية من جديد. فلو حسم موضوع الفرنسية لما طرحت أصلا المسألة البربرية.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)