تحرير الإعلام من يد العصابة أصبح ضرورة

تحرير الإعلام من يد العصابة أصبح ضرورة

أغسطس 28, 2019 - 17:37
تم التحديث: 7 سنوات منذ
0 2.2ك
تحرير الإعلام من يد العصابة أصبح ضرورة

ستولد الجزائر الجديدة عندما تتمكن من تحرير الفضاء الإعلامي من الدعاية وعبادة الأشخاص وممارسات التضليل والإلهاء، ومن نشر الكراهية والعنصرية والجهوية، ونشر الأخبار والإشاعات ذات المصادر المجهولة.

المنظومة الإعلامية التي لم تتحرر من الدعاية، انهارت وغرقت في التبعية للاجهزة الإدارية والأمنية منذ إلغاء المسار الديمقراطي سنة 92، كما ذابت في شبكات وعصب النظام، وهو الوضع الذي زاد تعقيدا منذ أن فُرض بوتفليقة في الحكم سنة 99.

تسعينيات القرن الماضي والحرب ضد المدنيين، كشفت عن العلاقة العضوية والوظيفية بين مدراء المؤسسات الإعلامية وعصب منظومة الحكم، ففي هذا المجال يمكن التأكيد أن أول مؤشر عن ذلك هو اصطفاف غالبية هؤلاء وراء إلغاء المسار الديمقراطي سنة 92، كما أن الغالبية القصوى منهم مارسوا حرب كراهية ضد كل النخب السياسية التي رفضت الانسياق وراء سياسة الاستئصال والكل الأمني، والعودة إلى الأرشيف تمكننا من إنتاج "قاموس كراهية" ضد بعض الشخصيات السياسية والحقوقية التي وقعت على أرضية العقد الوطني، بين وصف الخيانة والعمالة الصليبية الحاقدة، ووصف الشيطان والعمل للمخابرات الأجنبية وخيانة الشهداء، وتأييد الإرهاب.. وغيرها الكثير من الكلمات التي نشرت وأذيعت في الإعلام العمومي والخاص، الذي تخصص في التخوين وتوزيع شهادات الوطنية على البعض ونزعها من البعض الآخر.

وهذا الوضع أنتج إعلام كراهية ينشر الكذب والتضليل، ويضخم الخلافات ويخفي خروق حقوق الإنسان ويبررها.. إعلام صفق للقتل خارج القانون والاختطاف وللتعذيب بحجة أن الضحايا من الأصوليين الارهابيين، وكان في الوقت ذاته هدفا للعنف وتغذيته لضمان استمراريته.

ولما بدأت صراعات شبكات التوفيق وبلخير ونزار ضد شبكات بتشين وغيرها، انقسمت العناوين بين من قام بحملة كراهية وتشهير وشتم ضد رجال زروال ووزير عدله وبعض الوجوه الأخرى، في حين حركت شبكات زروال وبتشين في مواجهة معاكسة للحملة.

العودة لهذه الفترة تبين امتدادات العصب والشبكات في منظومة إعلامية أنتجت مدراء أثرياء، وصحفيين يعيشون العوز ومهنة منكوبة تحول فيها الصحفي إلى شخص يمارس كل شيء باستثناء مهنته.

هذا الوضع ازداد تعقيدا مع بداية العهدة الرئاسية الثانية للرئيس المُقال أو المستقيل، والذي بدأ في إغراق السوق الإعلامية بعناوين ميتة تم احياؤها بالتعاون مع مصالح الاستخبارات التي أوجدت عناوين جديدة كذلك، وكل ذلك بفضل ريع الإشهار العمومي وإشهار القطاع الخاص المرتبط بالشركات المتعددة الجنسيات، ومع بداية سنة 2008 اتضحت خطة تكميم كل الأفواه التي تنتقد أو تتحفظ من سياسة بوتفليقة، لتزامن هذا كله بانتشار الفساد وظهور جيل من الصحفيين الذين اتخذوا طريق الابتزاز مصدرا للثراء، وهي الظاهرة التي استفحلت مع ظهور القنوات التلفزيونية الخاصة، والتي تأسست كشركات أجنبية، وتم السماح لها بالظهور في إطار استراتيجية التسيير الإداري والأمني لما يسمى الربيع العربي.

اكتمل المشهد بإغلاق كامل الساحة الإعلامية أمام كل الاراء التي لا تتفق مع ما يراه آل بوتفليقة والأوليغارشيا التي أنتجتها والتي تحالفت مع قوى خارجية متخصصة في المضاربة.

ثورة 22 فيفري قامت بعملية تعرية حقيقية لهذه المنظومة التي لم تتحرك لمغازلة الشارع إلا عندما بدأ قائد الأركان القيام بذلك، حيث انقلبت على شبكات بوتفليقة التي كانت سببا في ظهور وتمويل الكثير منها، لتبدأ حملات كراهية واسعة ضد الرئيس ورجالاته ومحيطه، قبل أن تبدأ في عملية تضليل أخرى وكراهية جديدة ضد كل السياسيين والنشطاء الذين لا يرون ما تراه السلطة الفعلية اليوم، حيث تسير غالبية المؤسسات التي ساعدت بوتفليقة في طريق مساندة ورقة طريق قائد الأركان، وهي الانتخابات في أقرب الآجال كحل لأزمة كبيرة يقول المسؤول الأول عن الجيش اليوم إن سببها العصابة التي كانت تسير قصر المرادية وبناية الدكتور سعدان، في حين تبقى بعض العناوين الصحفية التي ترتبط بما تبقى من شبكات نزار وتوفيق ترى أن ذهاب القايد صالح من على رأس قيادة الأركان هو الحل، بالرغم من أن هذا الخطاب بدأ يتراجع مع اشتداد التضييق الإداري على الإعلام.

اما الإعلام العمومي فقد انتقل وبسرعة فائقة من قراءة رسائل الرئيس إلى بث وإذاعة خطابات قائد الأركان وتنظيم حصص لشرح خطاباته وأبعادها، وبث مستمر لحصص خاصة عن الجيش، لتنتقل نشرة الثامنة من النشرة الرئاسية إلى النشرة العسكرية وبامتياز!

أمام هذا الوضع وأمام حملات التشويه والتضليل والتعتيم التي تتعرض لها ثورة الشعب، أصبح الشارع ومنذ أسابيع عديدة يندد بالإعلام ويعتبره جزءا من المشكل، وأنه يتآمر ضد الشعب، وهو وضع أوصل جزءا من الشارع إلى حد رؤية الشعب ممثلا في قناة المغاربية التي تبث من لندن وباريس، وهو وضع وبكل المؤشرات يُبين أن السلطة لا تملك رؤية واضحة حول حل أزمة منظومتها فقط، بل ليس لديها أدنى حد من الذكاء أو الدهاء لإيجاد هوامش مناورة لمنظومتها الإعلامية العامة و الخاصة، تمكنها من تسيير الوضع حتى لا يبقى الراي العام محل تشكيل من الإعلام الأجنبي أو من القنوات التي تملك أجندة فئوية أو حزبية أو جهوية أو غيرها.

المنظومة الإعلامية التي انتقلت من الدعوة إلى الانقلاب وتأييده إلى دعاية الحرب ضد المدنيين في التسعينيات، إلى التصفيق لبوتفليقة وشبكاته الفاسدة في الداخل والخارج، أصبحت اليوم تشخص المؤسسة العسكرية وتربط خروج الجزائر من أزمة الحكم بالتطبيق الحرفي لورقة طريق "قايد صالح"، كما يواصل الإعلام ممارسة كل أشكال الدعاية والتضليل، وهي كلها معطيات تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذه المنظومة لا يمكن إلا أن تكون أحد أهم عوائق ميلاد الجزائر الجديدة، بل هي جزء من تهديد النسيج الاجتماعي والأمن القومي من خلال غياب المهنية وسيطرة المال الفاسد عليها وارتباطات هذه المنظومة عضويا وبنيويا بعصب وعصبيات السلطة.

أكبر ضحية في كل ما يحدث هو مهنة الصحافة، وحق الجمهور في الإعلام، وغياب ثقافة الدولة التي تمكن الصحفي من أن يفهم عمليا الفرق بين الدولة والسلطة، وبين الشعب والأمة، وبين الأشخاص والمؤسسات، وبين الفكرة والكراهية، وبين الإعلام والدعاية، وبين الأخلاقيات المهنية والرقابة الذاتية.

الجزائر الجديدة ستولد بمسار تغيير شامل، تكون فيه المنظومة الإعلامية إحد أهداف التغيير وأحد آلياته في الوقت نفسه، حتى يتم إيجاد منظومة إعلامية مهنية تساهم في تأسيس الفضاء العمومي الكفيل بأحداث القطيعة النهائية مع الشخصنة في نطاق بناء المؤسسات التي تزهر فيها دولة المواطنين والمواطنات.


 رضوان بوجمعة

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User