من سيصرخ أولا.. "السلطة الفعلية" أم "الحراك"...؟
من سيصرخ أولا.. "السلطة الفعلية" أم "الحراك"...؟
الكباش الذي دخل شهره الثامن بين الحراك والسلطة الفعلية ووصل الى مفترق طرق حاسم، صارت تتراءى في مشهده كل اشكال التصعيد وصور التحدي،مما ينبىء ان قادم الأيام يحمل الكثير من المعطيات الساخنة والمفاجآت التي ترجح كفة الصراع، وتحدد بوصلة المنحى المتجهة إليه..
لا بد أن نعترف ان منسوب الاحتقان قد ارتفع ،والمواجهة اشتدت ،ومعركة "عض الاصابع" قطعت شوطا معتبرا بالرغم من انعكاساتها السلبية وتداعياتها الخطيرة على المستوى الاقتصادي والوضع المعيشي للمواطن ،ولحد الآن لم يستطع الملاحظون تحديد الطرف الذي سيصرخ أولا في هذه المواجهة الحادة ، بدليل أن الأفق ما زال يكتنفه الكثير من الغبار والأدخنة التي تحجب الرؤية ،وتعمل على تمديد واستمرار مرحلة المخاض العسير ،من دون استحضار مقاربات أو نظريات "سنن التاريخ" وقوانين الحياة" التى تقول بـ"غلبة منطق الحق على منطق القوة" في المواجهات والصراعات التي حدثت في التاريخ..
"السلطة الفعلية" ماضية في تنفيذ خطتها وهي الذهاب الى إجراء الرئاسيات بالقوة ومهما كلفها الثمن ،راحت تكثف من خطاباتها المليئة بالتهديد لأذناب العصابة وللشرذمة القليلة التي تشوش على مسعى الاستحقاق الرئاسي وتعمل على افشاله .. وفي الوقت الذي تستنفر فيه كل الآليات والأجهزة والشخوص ، وتجند كل طاقتها لتحقيق ذلك ،لم يتوانى قائد الاركان في كل خرجاته الاسبوعية من رفع صوته ، والتأكيد على الذهاب والمشاركة في هذا المسعى ، والرد على الطروحات المغرضة والادعاءات الكاذبة التى تروجها أذناب العصابة " التي تذكرنا بـ"خونة الثورة" بأن الجيش له مرشح ، وهو الذي سيكون رئيس الجزائر المقبل بطبيعة الحال،والذي سيحمي مصالح الجنرالات، ويضمن لهم الخروج الآمن ،ويعيد انتاج النظام القديم بواجهة جديدة ، كل هذا الرد تم بإخراج سيء ، وبصيغة مشبوهة وعلى طريقة "كاد المريب أن يقول خذوني" ، فالأدلة والقرائن قوية ، وسياسة التضليل والمراوغة"القديمة الجديدة" شنشنة نعرفها عن آبائهم. ولم تعد تنطلي على هذا الجيل الواعي الذي فجر حراكا استثنائيا شد أنظار العالم كله...
إن مصداقية القول والفعل في فك المعضلة الجزائرية كانت تقتضي منذ الأيام الأولى لإنفجار هذا الحراك أن تبادر سلطة الأمر الواقع الى احتواء هذه الثورة السلمية بالحوار الجاد والمسؤول، وأن هذا الشعب -وأغلبه شباب - شب عن الطوق ،وصار ناضجا بما فيه الكفاية، ويملك من العلم والوعي ما لم نكن نتصوره من قبل ،ولا بد أن نذهب معه الى مرحلة إنتقالية ضرورية للخروج من نظام شمولي فاسد ،الى حكم راشد ودولة العدالة والقانون ، في ظل مقتضيات التجديد التي صارت تفرضها خصوصيات العصر ،وهي عندئد لم تكن لتترك الأمر يتفاقم ، والوضع يزداد تشنجا ،ولكن وللاسف حدث الذي حدث، وإتسع الرقع على الراتق كنتيجة حتمية في نهاية الأمر.. أما ما يثير الانتباه عند المراقبين أن خطاب "قيادة الأركان" والذي يدعو مؤسسات الإعلام ، وأصحاب الضمائر الحية في هذا القطاع الى الاستنفار العام ،والمشاركة بقوة في إنجاح هذا المسعى ، وإلتزام الموضوعية في هذه المواكبة والتغطية ، أن "مفهوم الموضوعية"هنا ،لا يعني سوى بعدا وحيدا ، أو معني واحدا فقط ، وهو أن تكون على "هوى ومزاج" "القايد صالح "ووفق أطروحته لا غير..والعكس سيكون منافيا للموضوعية..ومثل هذا المفهوم لا تجده في أي قاموس من القواميس اللغوية..
بالمختصر المفيد..قمين بنا أن نسأل هنا..هل مثل هذا الطرح يؤشر على منظومة فكرية سليمة تملكها السلطة، وهل لها رصيد من المنطق القوي الذي يميز مشروعها، ويضمن غلبة أطروحتها ..؟ أم أن القناع الذي أسقطه الحراك عنها ،كشف عن مستواها المتدني،ومدى تسلطها على الشعب لعدة عقود ،وتغول غرائزها في معاملاتها له، وتصحر أفقها السياسي والاستراتيجي، وبالتالي فقدت كل مبررات وجودها أو استمرارها ..ولا ينفعها إخراج ترسانتها العسكرية لإدارة حربها هذه ،وهي مضطرة لترك فضاءها لهذه الموجة الشبابية لتبني دولتها العادلة والقوية والمزدهرة..
"الحراك"قارىء جيد، وله عقل ذكي ومرن ،صار يفكك كل ألغام ومناورات السلطة ،ويعي كل حيلها وخداعها الذي تمارسه، فلم يعد يثق في قولها وفعلها ،واعتمد بعد تجارب مريرة قاعدة " لا بد من إساءة الظن بالسلطة الى أن يثبت العكس".. منهج "أغمض عينيك واتبعنا " سقط ،ولم يعد صالحا ، والشعب عازم هذه المرة على صناعة مصيره بيديه ومهما كلفه ذلك من أثمان....هو يؤمن بـ"الانتخاب" مبدئيا..ويرى ألا ديمقراطية بدون انتخابات ،وهويقول لو كانت السلطة لها نوايا حسنة في التجاوب مع الحراك ومعالجة هذه الازمة ، لوفرت المناخ الجيد ،والشروط الملائمة ،ولتم الوصول الى حالة توافقية ، وبالتالي الذهاب الى انتخابات تكون عرسا حقيقيا ،وبداية لحل الأزمة والتأسيس لدولة جديدة..
لكن هاجس السلطة هو فقط تريد أن تخلف نفسها، وتستمر في الاستئثار بكل شيء ،وليذهب الجميع الى الجحيم..
ان قراءة متأنية لثقافة هذا الحراك وفلسفته، ونموذجه الحركي السلمي الفذ الذي طلع به على العالم وأبهر به الجميع،هو أمر غير مسبوق،كما أن نفسه الطويل المتجدد الذي يمتد في الزمان والمكان،وما يحمل في خزانه من التكتيك والاستراتيجية،هو كفيل بأن يذهب بهذا التغيير الذي ينادي به الى الآفاق..فليس معركته الآن مع قيادة الأركان إلا جزءا يسير في أجندته الوطنية والاقليمية والدولية ،ولا يهم كم تستغرق من الوقت ،وهو أمر تقتضيه الصيرورة التاريخية..إنه البعث الحضاري الجديد الذي سيلد نسخة "الجزائر الجديدة"التي يسودها العدل ،والقانون ،والاخلاق ،والابداع ،والسعادة، واحترام الانسان...
لم ينزل هذا الحراك من السماء ،بل خرج من رحم الآلام ،والدموع، والحرمان،عاش يراكم المحن،ويسجل التجارب القاسية ،والخيبات الاليمة،عاش يراقب كل شيء،ويقرأ كل معطى،ويضع كل مفردة في موضعها.. يتساءل عن مكمن الخلل وموضع الجرح ..كيف لبلد مثل الجزائر"كنا ننتظر منه أن يصير يابان إفريقيا في الرقي المادي والحضاري،فإذا به يوشك أن يكون بنغلاديش آسيا في الفقر والتخلف.. "لكن الآن اكتمل عقله النقدي والحضاري والاستراتيجي..واقتنع بمقولة ذلك المفكر" عندما تقبل أن تكون في حالة غياب حضاري، يأتي بالتأكيد من يفكر عنك ولك، ليفرض واقعه ويحكمك.." هكذا يفهم "الحراك" هذا المعترك مع السلطة الفعلية.. ولذلك يرفض الذهاب الى "رئاسيات " كما تريدها قيادة الاركان والتي ستأتي برئيس "طرطور" لا يستطيع ان يخرج عن المربع الذي ترسمه له ، وتعيد بذلك انتاح النظام ورسكلة المنظومة السابقة،وهذا هو المسعى الذي تعمل على تحقيقه.. ، بينما يريد "الحراك" الصندوق الذي يعطي الشعب القدرة على إقالة "قايد صالح"وإحالته الى التقاعد، وإبعاد الجنرالات عن التدخل في السياسة وحصر عملهم في الوظيفة الدستورية كباقي العساكر في الدول المتمدنة الراقية، ثم يأتي الانكباب على إعادة بناء الدولة المدنية العادلة ، فالمعركة ليست عندهم انتخاب رئيس وينتهي الأمر، بل المعركة هي إطلاق سراح وطن.. وتحرير العقول ،وتحرير المناصب ممن لا يستحقها .. وإطلاق سراح الكفاءات واستعادتها من أروبا وأمريكا الى أوطانها ، لكي تبدع وتخترع وتعلي من بناء النهضة الحديثة المأمولة، والوصول بالجزائر وفي ظرف قياسي الى مرتبة ماليزيا وسنغافورة، وما بعد ..بعد، ماليزيا وسنغافورة.. ...."..هذه هي "السطة الفعلية"..وهذا هو "الحراك"..فكيف سيكون المشهد القادم..؟
سامية-ب / للجزائرتامز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)