سياق متشابه بين الانتخابات التونسية 2019 والانتخابات الجزائرية 1991 وإخفاق محتمل؟

سياق متشابه بين الانتخابات التونسية 2019 والانتخابات الجزائرية 1991 وإخفاق محتمل؟

أكتوبر 21, 2019 - 17:44
تم التحديث: 7 سنوات منذ
0 2.4ك
سياق متشابه بين الانتخابات التونسية 2019 والانتخابات الجزائرية 1991  وإخفاق محتمل؟

أثار انتخاب الرئيس التونسي الجديد  قيس سعيد بنسية 72,11  والحامل لرؤية  ثورية في الإصلاح والتغيير، قائمة على إعطاء دور محوري للجماهير، ومتجاهلة لمنظومة حزبية متهمة بالتسبب في ما يعانيه التونسيون، نقاشا وتجاذبا حادين داخل وخارج تونس، اراه اشبه بما حصل  الجزائر بعد فوز حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية بأغلبية المقاعد في انتخابات ديسمبر 1991  البرلمانية. وهو وضع يستدعي القاء الضوء عليه عبر طرح   هذه الأسئلة التالية: هل ينجح الرئيس قيس سعيد في تجسيد رؤيته و أفكاره في الحكم حيث فشل الفيس؟  وفي حالة الفشل، ما هي تداعيات ذلك على منظومة الحكم في تونس؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة دعونا نبحث فيما اره جوانب مهملة من السياق الذي برزت فيه الظاهرتين؟

الجزائر انخراط قسري في العولمة، تونس خروج منها مرحب به؟

عقب انهيار المعسكر الاشتراكي عملت قوى العولمة على الدفع فيما اراه ركائز هذا المعسكر بالانخراط الاجباري في ما استطيع تسميته “جحيم العولمة”. جحيم لأنها لم تكن تمتلك مقومات الانخراط الامن فيها، فضلا على انها لم تمنح مهلة  لتوفير الشروط الابتدائية التي تسمح بالانخراط الامن. علاوة على انها لم تكن تمتلك خيارات  بديلة عن هذا المسار. وهي مؤشرات تسمح لي بالقول، ان صانع القرار في تلك الفترة لم يكن راغب في القيام بإصلاحات لا سيما السياسية منها وفي نفس الوقت لم يكن قادرا أن يقول لا.

لاسيما وان الجزائر واجهت مع نهاية فترة الثمانينيات الجزائر أزمة حادة مست حياة الجزائري في معيشته اليومية (ندرة المواد الاستهلاكية الأساسية الزيت والسكر) وهذا بسبب انخفاض أسعار البترول (المورد الأساسي) في منتصف الثمانينيات. وبسبب هذه الازمة اهتزت العاصمة الجزائرية وبعض المدن القريبة منها  بمظاهرات او ما عرف بانتفاضة أكتوبر 1988″  أو “انتفاضة الزيت والخبز”. لقد كانت مطالب الجماهير المنتفضة  ذات طابع معيشي اقتصادي، ولم يظهر ضمنها ما يوحي بانها  سياسية ( كالديموقراطية وحرية الراي والاعلام)،  الا ما كان يقع في الجامعات والمعاهد حيث ينشط الإسلاميون  والعلمانيون من الليبراليين والتيار الامازيغي البربري).

بعد تلك الانتفاضة شرعت الحكومة الجزائرية في إصلاحات سياسية اعتمدت دستور فبراير 1989 الذي سمح بتشكيل الأحزاب. إثر ذلك،  دخلت الجزائر في مرحلة جديدة قوامها، اعتماد أحزاب دينية عرقية لغوية، وتبعا لذلك برز خطاب “الجبهة  الإسلامية للإنقاذ ” (FIS) اتسم بالحدة والتشدد والشعبوية، سوق الحزب عبره أفكار من قبيل التمكين للمشروع الإسلامي الأكثر عدلا  وإنصاف،  والقادر على اعادة الناس لدينهم الذي عملت الحكومات منذ الاستقلال  بحسبه على ابعادهم عنه.  يحصل هذا في ظل انقسام وانكفاء  الحزب الحاكم “جبهة التحرير” الذي حكم البلاد طيلة 26 سنة، وانفصال الكثير من المناضلين عنه والتحاقهم بأحزاب اخرى.  وفي مستوى آخر،  كان السياق الدولي المنتشي بتبوء الولايات المتحدة هرم النظام الدولي الجديد يدفع في اتجاه تمكين هذا التيار من الحكم في البلدان العربية والإسلامية، لاسيما في البلدان التي انهارت فيها الأنظمة الاشتراكية المتهاوية.

 ساهمت هذه الأوضاع متفاعلة في بلورة اتجاه عام للتصويت العقابي، فضلا على استبدال نظام الاقتراع على القائمة بالاقتراع على الاسم الواحد بالأغلبية في دورين، مع الاشارة إلى أن توزيع المقاعد لم يستند إلى المعيار الديموغرافي وإنما للمعيار الجغرافي. فقد  جاءت النتائج عكس توقعات مهندسي تعديل القانون السابق (89-13 )، إذ  اكدت نتائج انتخابات 26 ديسمبر 1991 صحة وجهة النظر هذه، كونها كرست سيطرت  الجبهة الاسلامية  بحصولها على 188 مقعد  من أصل 380 مقعد، مع بقاء 140 مقعد محل تنافس  ballotages في الدور الثاني، ومرشح ان تفوز بها جبهة الانقاذ.

        رغم الانتصار الانتخابي الكاسح لم تتمكن من تجاوز واقع متشكل ومهيكل ومسيطر عليه من قبل قوى مناوئة لها. فكان لابد في ظل غياب وعي وبصيرة بمالات الاحداث – مع اصرار الحزب على تنفيذ وتجسيد حقه المشروع- أن يصطدم بهذه القوى التي ضغطت على الجيش ليوقف المسار الانتخابي، وتدخل الجزائر على اثره في دوامة عنف وإرهاب خلفت مئات الالاف من القتلى وعشرات المليارات خسائر مادية.

من جانب آخر، أعتبر ما يجري في تونس في هذه الفترة يعكس توجهات عالمية جديدة اخذة في التشكل  تدخل ضمن مسعى  الانعتاق مما اعتبره ظلم العولمة والهيمنة الامريكية الغربية، والذهاب بدل ذلك في اتجاه عالم متعدد الأقطاب. وتبعا لذلك،  اقدر أن تجربة تونس الفتية في الديموقراطية البرلمانية تواجه تحديات خطيرة صعبة، كون التجربة في بدايتها و الأحزاب لم تنته بعد من بناء نفسها، لتتفرغ بعد ذلك نحو خدمة الشعب  التونسي. اذ بدل الاهتمام به ركزت على ما يساهم في إنجاز وخدمة اجندتها الحزبية الضيقة. الامر الذي أدى بها للدخول مع مختلف القوى حتى وان كانت مختلفة بل ومتناقضة معها في المنطلقات الايدولوجية الفكرية والاهداف في مساومات وتسويات. هكذا دخلت جل القطاعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مشاكل أزمات لا حصر لها. أدت إلى حالة من التذمر والرفض لهذه الأوضاع المزرية وعبرها للمنظومة الفاسدة لما بعد الثورة. فهل يمكن اعتبار تصويت التونسيين لفائدة قيس سعيد ترجمة لهذه الرفض ؟ أم أن فوزه جاء نتيجة اقتناع بفكره وشخصيته الملهمة القادمة من خارج المنظومة المتهمة؟

تونس وأزمة الثنائيات  الأرسطية:  قيس سعيد نبيل القروي

انتهز الشعب التونسي الناقم على هذه الأوضاع فرصة الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية للتعبير عن رغبته من جهة في معاقبة هذه المنظومة، ومن جهة أخرى إعلان الولاء لرؤية جديدة تمثلها شخصية مغمورة قادمة من خارج منظومة ما بعد الثورة. لقد عاقب الشعب التونسي الأحزاب الكبيرة  مثل النهضة التي حصلت فقط على  52 مقعد بعدما كانت كتلتها في الانتخابات السابقة 89 في 2011 ثم 69 مقعد  في 2014، وبالمثل بالنسبة لحزب نداء تونس المنقسم لحزبي “قلب تونس” 38 مقعد و”تحيا تونس”  14 مقعد الذي يتزعمه يوسف الشاهد قلب تونس 38  والتيار الديموقراطي 22 مقعد  فضلا على أحزاب أخرى . ولان تشكيل الحكومة يتطلب كتلة من 109 مقعد ستظهر مصاعب ومتاعب في المفاوضات من اجل تشكيلها.  بالموازاة مع  التصويت العقابي ضد الأحزاب،  ظهر المرشح قيس سعيد وكانه العصفور النادر او الشخصية المفقودة المبحوث عنها شخصية،  أستاذ جامعي مشهود له بحسن الخلق والشفافية والنزاهة الصرامة .

من علامات الاستفهام التي أحاطت الانتخابات الرئاسية والتي افرزت هذا الواقع، توقيت إيداع نبيل القروي السجن بتهم الفساد وتبيض الأموال. وهو أصلا  شخصية مثيرة للجدل من خلال مساره التكويني، وفيما بعد أنخرطه في عالم المال والاستثمارات والاعمال الخيرية (صاحب قناة تلفزيونية، ومؤسس جمعية خيرية تعنى بخدمة الفقراء).  ويبدو ان الهدف من الزج به في السجن توسيع دائرة المتعاطفين معه لا سيما من عائلته الأيدولوجية والفئة الصامتة. أيضا ، ما يمكن استخلاصه من المشهد الانتخابي، انكشاف وتعرية حقيقة المنظومة الحزبية والمشهد السياسي عموما، واظهارها على انها اعجز من تقدر على تقديم شخص نظيف. اعتقد أن هذه الظروف ساهمت في الدفع  بقيس إلى الواجهة الحامل لأفكار أحيت آمال ملايين التونسيين في العيش في كنف دولة  القانون والشفافية والعدل والمساواة والحق. فهل يستطيع الرئيس قيس تجسيد أفكاره في ظل منظومة حزبية متهمة وسياق دولي آخذ في التشكل غير مشجع ومرحب بتكريس الديموقراطية؟

وهنا يجدر بنا ان نسعى لفهم فلسفة الرئيس، هل وضعها  دون مراعاة لمعطيات الواقع  المتحكم فيه من قبل قوى تمتلك ادوات القوة الناعمة والصلبة ومتنفذة في  مراكز القرار، وممتدة بمراكز قوة إقليمية وعالمية في أوروبا والمشرق العربي أساسا. كما نتساءل ، عن امتلاك الرئيس للوقت الكافي الذي يسمح له بتنفيذ أجندته في ظل  وجود مطالب ملحة مرتبطة بالحياة المعيشية اليومية للمواطن, ودستور لا يمنحه الهامش  الكافي للعمل والمناورة. ففي ظل هذه الأجواء سيجد الرئيس نفسه مجبرا إما بالقبول بقواعد اللعبة التي توافقت عليها هذه القوى او رفض قواعد اللعبة مما يعني الدخول في مواجهة مفتوحة. وهي الظروف التي دفعت بحزب الفيس الى تبني خيار العنف والإرهاب لمواجهة قرار توقيف الانتخابات، فما هي مالات تجاذب مشروع الرئيس قيس مع المنظومة الحزبية لما بعد الثورة؟

عنف وإرهاب مقابل انبعاث حنين للصرامة والتسلط

يبدو أن الرئيس قيس الذي سيتولى مهامه وفقا لدستور 2014 سيواجه متاعب وتحديات نتيجة استحالة فرض مشروعه في التغيير دون موافقة وقبول الاحزاب المسيطرة على البرلمان. واقصى ما يمكن ان يفعله حل مجلس نواب الشعب وفقا لما ينص عليها الدستور. ايضا سيواجه تحدي ايجاد آلية للتوافق مع الحكومة. وهي حالة عاشتها تونس خلال عهد الرئيس قايد السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد المدعم من قبل حزب النهضة. رغم أن الرئيس يمتلك آليات تسمح  بالمساهمة في تغيير واقع التونسيين، وهذا عبر اقتراح مبادرات تشريعية على شكل قوانين أو باقتراح تعديل الدستور. غير أن هذه الالية تبقى رهن قبول النواب . في ظل هذا الواقع الذي المستعصي عن التجاوز، هل يملك الرئيس حلول لتجاوز هذا الوضع؟

تأتي الاجابة من قبل الرئيس قيس سعيد الذي لخص رؤيته بالقيام بعرض مبادراته أمام الشعب وفي حال رفض البرلمان ذلك سيحمله المسؤولية أمام الشعب، وفي ذات السياق، هدد برفض ختم القوانين التي يعرضها  البرلمان إذا كانت تتعارض مع إرادة الشعب وتطلعاته”. وهي أجواء أقدر أن تنتهي إلى:

في ظل بروز اتجاه  القوى الغربية يعمل على التخلي عن مساعي تغيير الشعوب والأنظمة ، ووجود اتجاه اخر مهيمن يعمل على منع قيام أنظمة ديموقراطية تحسن الدفاع والتفاوض والتساوم على مصالح شعوبها، وفي ظل افتقاد الرئيس قيس للوسائل والأدوات التي تمكنه من تجسيد أفكاره وتصوراته في الإصلاح والتغيير بما يساهم في تحقيق آمال وتطلعات شعبه ( لاسيما فئة الشباب)، ستدفع الاحداث في تونس بعد أن يشعر الرئيس أنه وصل إلى ما يراه طريق مسدود، وبعد أن يقدم لائحة اتهامات ضد الأحزاب، ويشكو المنظومة التي جاءت بها ثورة الياسمين، سيتحرك الشعب الذي ليس لديه ما يخسره بعد أن تتفاعل الاحداث في اتجاه حصول  ثورة ثانية عنوانها:  فليحيا الشعب التونسي وعبره حكم الرئيس الزعيم القائد المنقذ .

أ.د. راقدي عبدالله

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User