لماذا يقاطع الإعلام الدولي الحراك الشعبي في الجزائر؟
لماذا يقاطع الإعلام الدولي الحراك الشعبي في الجزائر؟
شد انتباهي تصريح السفير الأمريكي الأسبق في الجزائر دافيد بيرس، عندما قال بأنه لا يفهم سبب مقاطعة الإعلام الدولي للحراك الشعبي في الجزائر، رغم قوة تجنيده، سلميته واستمراريته، منذ أكثر من تسعة أشهر، في أكبر بلد في العالم العربي وافريقيا.
مقاطعة، لم يكن الجزائريون في حاجة إلى تغريدة السفير الأمريكي لاكتشافها، فهم يعاينوها بالعين المجردة، منذ انطلاق الحراك. فقد غاب الصحافي الأجنبي عن يوميات الحراك، الذي قاطعته عمليا وسائل الإعلام الأجنبية، فلم تعد تتكلم عنه إلا من باب رفع العتب وكخبر ثانوي، في آخر شريط الأخبار الدولية. حراك تكفّل بتغطية أحداثه بعض الصحافيين الجزائريين، كمراسلين محليين لدى ما تبقى من وسائل إعلام دولية وعربية، مازالت تهتم بالحراك الجزائري كخبر يأتي في الغالب كمادة إعلامية، بعد أحداث العراق ولبنان واليمن وسوريا وفلسطين، التي ابتليت بنوع من الابتذال الإعلامي، نتيجة استمرار هذه الازمة المستعصية التي تحول فيها قتل الأطفال وتشريد العائلات وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، من قبل الإسرائيليين إلى خبر لا يبيع، كما يقول رئيس التحرير الجزائري المهموم بالمبيعات. فقتل الفلسطينيين المستمر منذ عقود لم يعد يعني أحدا، بمن فيهم أصحاب القضية، الذين يٌراد لهم أن يستكينوا ويقبلوا بهذا الوضع كأمر واقع.
وهو ما حصل للحراك الجزائري تقريبا، ليس نتيجة سلميته، التي تكلم عنها السفير الأمريكي فقط، بل ربما بسبب أبعاده الدولية والإقليمية الغائبة حتى الآن، كما هو الوضع في العراق أو لبنان. زيادة على نمطية أشكاله التعبيرية السائدة، على شكل مسيرات أسبوعية. فالسلمية لا تبيع إعلاميا، خاصة إن استمرت وسادت كما هو حال الجزائر، بعد تسعة أشهر كاملة من هذه الهبة الشعبية، تماما كما ابتذال العنف في الحالة الفلسطينية. فكما العنف اليومي المبتذل لا يبيع، فالسلمية الدائمة لا تبيع ولا تغري أحدا بالكلام عنها.
الأمر بالطبع لا يفسر بالسلمية فقط التي حولت الحراك من حدث إلى لا حدث لدى الإعلام الدولي. أسباب أخرى متعلقة بمتغيرات أكثر ديمومة مرتبطة بما يميز النظام السياسي نفسه، وتسييره للشأن الإعلامي الذي سوي في الغالب الأعم، بالبروباغندا، كما كانت تمارسها الأنظمة الشمولية المندثرة، إعلام يتم التعامل معه كمصدر لشرعية لم يحصل عليها النظام السياسي الجزائري ونخبه، عن طريق الآليات المعروفة كالانتخابات، فعوّض ذلك بالبحث عنها في نشرة أخبار الثامنة للتلفزيون العمومي.
نظام سياسي كرّس لنفسه صورة النظام المغلق، المُنفر للأجنبي الذي لا يأتيه الا مكرها وللضرورة، كما يمكن التأكد منه بسهولة من هذه المفارقة الغريبة. بلد- قارة بإمكانيات سياحية طبيعية لا تتوفر عليها دول الجوار السياحية، التي تستقبل ملايين السياح. مقابل عدد سياح الجزائر في السنة، الذي يقل عن عدد سيارات الدرك والشرطة التي تحرسهم، عندما يتنقلون تحت الحراسة المشددة، كما جرت العادة. سواء تعلق الأمر بالسائح الخليجي في فيافي الصحراء، أو الغربي في قصبة العاصمة، تماما كما يحصل للصحافي الأجنبي أو الدبلوماسي المقيم، الذي يغامر بالخروج من مكتبه للتعرف على البلد وسكانه، ليس بسبب تدهور الوضع الأمني، كما كان مبررا في السابق، بل لاستمرار عقلية الغلق التي تبناها المسؤول الجزائري كسياسة دائمة، كانت في الأصل مؤقتة لارتباطها بحالة الاضطراب الأمني الذي عاشه البلد.
مسؤول سياسي وأمني ينسى أن هذا الأجنبي يملك خيارات أخرى قريبة من الجزائر، ترحب به وتستقبله، من دون تأشيرة وتساعده على الاستثمار والإقامة و»التفرهيد» كما يقول إخواننا التوانسة. في وقت تغلق فيه الجزائر أبوابها تطبيقا لسياسة «تأشيرة» استعملت كوسيلة مقصودة لغلق البلد عن العالم الخارجي، بحجج أقرب لمنطق الحرب الباردة و»الحائط» الذي يحتفل العالم بذكرى سقوطه الثلاثين هذه الأيام. أزمة «فيزا» اعتقد جازما أنها لن تحل عن طريق السياسي، بل عن طريق المستثمرين الجدد في قطاع الفندقة السياحية الذين سيفرضون منطقهم الاقتصادي على هؤلاء السياسيين الفاقدين للجرأة والشرعية، الذين تبجحوا لسنوات، عن فتح الحدود وجلب السياح، من دون أن يعملوا شيئا ملموسا على أرض الواقع، خاصة بعد اكتشافهم انهم قد يستفيدون من هذا الغلق كأشخاص ومصالح، حتى إن خسر البلد وزاد مستوى انغلاقه.
وهو ما يؤكد أن سياسية الأبواب المغلقة التي نفّرت الصحافي والسائح ورجل الاعمال، ليست مرتبطة بأشخاص فقط، مهما كان موقعهم المهني والسياسي، فهي عقلية سياسية قبل كل شيء، وتعبير عن خوف من الآخر، مازال يعانيه المسؤول السياسي والأمني الجزائري، الذي أعاد إنتاج ثقافة السرية والخوف التي بنيت عليها المؤسسات المركزية للدولة الجزائرية، منذ مرحلة ما قبل الاستقلال، نتيجة ما ميز التاريخ السياسي للبلد، الذي يصر الكثير من مراكز القرار السياسي على عدم القطيعة معه في جوانبه السلبية، حتى لو افترض ذلك، خلق أحداث وأعداء، منهم الفعلي ومنهم الوهمي الذي يُخرج للوجود عند الحاجة.
غلق إعلامي ستحتار مراكز القرار في تسييره بمناسبة الإعلان عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، فهي لن تستطيع رفض حضور الصحافة الدولية ولو مؤقتا، لأسباب دبلوماسية بديهية، لكنها لن تقبل بحضور الكل، لأنها لا تريد حضور الصحافي الدولي – الشاهد على هذه الانتخابات التي ستكون مستويات المشاركة فيها في أدنى درجاتها، إن تمت فعلا بهدوء، ومن دون احتكاكات، لا يمكن لأي أحد توقع حجمها الفعلي، أمام الإصرار الشعبي على رفضها، أمام حالة إنكار رسمي، تكفّل الإعلام الرسمي بالترويج لها بشكل بعيد عن المهنية، لم يعد يقبل بها حتى الصحافي المروض العامل في القطاع العام.
سيتم اللجوء كما جرت العادة إلى سياسة التسويف المعروفة عن الإدارة الجزائرية، التي لن ترفض رسميا حضور الاعلام الدولي، لكنها لن تقبل به بشكل واضح. ستمنح تأشيرات للبعض لأيام، في أحسن الأحوال، في آخر دقيقة، كما يمكن توقعه بمناسبة هذه الانتخابات، لأهمية الانتخابات الرئاسية كواجهة دولية للنظام، لايزال رئيسه في حاجة إلى شرعية الانتخابات دوليا، حتى لو كانت منقوصة للحصول عليها. محطة ستكون فرصة أخرى لاستفحال عورات السياسة الإعلامية التي يطبقها الإعلام العمومي والخاص المروض، الذي مازال يعيش بمنطق سبعينيات القرن الماضي. إعلام رسمي لن يطالع ما كتبه لا المواطن الجزائري، ولا المسؤول الذي يفضل الاطلاع بالعكس على ما كتبته يومية «لوموند» الفرنسية أو «نيويورك تايمز» الأمريكية، وهو على قناعة تامة أنه ليس أمام وسيلة إعلامية، بل أمام الإليزيه والبيت الأبيض، اعتمادا على تجربته كنظام يبحث دائما عمن يقف وراء أي مقالة أو جريدة ، لابتزازه أو رشوته.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (5)