تبون و«مضمار المقاتل»
تبون و«مضمار المقاتل»
لأول مرة منذ إقرار التعددية الحزبية في الجزائر قبل 30 عاما، تدعم أحزاب السلطة مرشحا بعينه، ثم يخسر انتخابات رئاسية مصيرية.
إلى شهور مضت، كان دعم حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي لأي مرشح يعني بالضرورة فوزه المضمون والكاسح. فعلاوة على الخزان الشعبي الذي يتمتع به الحزبان في كامل ربوع البلاد، واستحواذهما على الموارد الإدارية في مختلف مستويات المسؤولية، يمعن قادة هذين الحزبين، بلا نقاش أو تفكير، في تلبية رغبة السلطة الحاكمة في الاستفادة من الحزبين واستعمالهما في تحقيق مآربها الانتخابية والدعائية، والتضليلية عندما يتطلب الأمر.
هذه المرة انحاز التجمع الديمقراطي وجبهة التحرير، وهما جهازان بيروقراطيان أكثر منهما حزبان سياسيان بالمفهوم المتعارف عليه، إلى مَن سمياه «مرشح القطب الوطني»، عز الدين ميهوبي.
والنتيجة أن خسر ميهوبي وفاز بالرئاسة عبد المجيد تبون. ومن عجائب السياسة في الجزائر أن تبون منتسب لجبهة التحرير وعضو في لجنتها المركزية، أعلى هيئة مديرة، لكنه اختار الترشح «مستقلا» فدعمت الجبهة مرشح حزب آخر!
فلماذا فاز تبون رغم أنه دخل الانتخابات من دون دعم حزبي وبلا قاعدة شعبية ومن غير ضمانات إدارية، ناهيك عن أنه بدأ متعثرا وتعرّض شخصيا، في ذروة الحملة الانتخابية، لهزات ولحملة شعواء من مجمع «النهار» الإعلامي الذي اشتهر بدعمه الأعمى لعصابة بوتفليقة طيلة أكثر من عقد وإلى آخر لحظة قبل سقوطها؟ (من عجائب السياسة الجزائرية أيضا أن «النهار» كان سبَّاقا لتهنئة تبون بالفوز).
خسر ميهوبي وفاز تبون لأن اللعبة داخل النظام انتقلت إلى ملعب آخر، وقواعدها تبدّلت. البداية في كون النظام حافظ على شكله وغيّر أساليبه. في الانتخابات السابقة كان من مصلحة النظام أن يبدو مرشحه («المستقل» دائما وأبدا) قويا متماسكا واثقا في نفسه، لأن ثقافة هذا النظام ومزاجه لا يقبلان ممن يرمز إليه، أو يمثله، أن يبدو مهزوزا ومرتبكا.
اليوم اهتدى النظام، بعد أن تآكل من الداخل وحاصره الحراك الشعبي من الخارج، إلى تقمص دور الضحية: من ادعاء أن فرنسا تتربص به وتتآمر عليه ليلا ونهارا، إلى بكائيات العنف المزعوم الذي تعرّض له الناخبون في المهجر، وصولا إلى متاعب مرشحه «المستقل»، تبون، الذي يتخلى عنه حزبه ويتعرّض لكل أنواع المضايقات والإهانات السياسية والإعلامية.وقد نجح إلى حد كبير دور الضحية الذي تقمصه النظام وجسّده تبون. لكن ليس بسهولة، إذ تطلب الواقع الجديد أن يخضع تبون لمجموعة من الاختبارات ويمر عبر «مضمار المقاتل» ليكون فوزه مستحَقّا.
«مضمار المقاتل» الذي تضمن تأهيل تبون بدأ في ما اصطلح عليه الجزائريون بـ» واقعة المقبرة»، في صيف 2017، واستمر عندما أقاله شقيق المخلوع بمكالمة هاتفية كلّف بها خادمه أحمد أويحيى. آنذاك برز تبون كمقاتل ضد الفساد وعدو للعصابة. استمر التأهيل هادئا إلى أن اتُخذ قرار تنظيم الانتخابات الرئاسية فقفز اسم الرجل بسرعة إلى الواجهة (يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر، في اليوم التالي للكشف عن قائمة المرشحين، تصدّر الصفحة الأولى لجريدة «المجاهد» الحكومية هذا العنوان: «المجلس الدستوري يمنح الضوء لخمسة مرشحين»، مرفوقا بصورة لرئيس المجلس كمال فنيش. ثم صورة لتبون بمفرده مرفوقة بعنوان: «تبون يكشف عن برنامجه.. تحقيق تطلعات الشعب في التغيير». هل هي صدفة أن اختار «المجاهد» إبراز تبون دون المرشحين الآخرين؟ الصدف واردة مع كل الصحف الجزائرية إلا «المجاهد»).
بعد ذلك بقليل دخل «مضمار المقاتل» مرحلته الأخيرة التي تضمنت تقلبات متنوعة وهزّات كثيرة أبرزها استقالة مدير حملة تبون، الدبلوماسي المخضرم عبد الله باعلي، والحملة التي قادتها عليه مؤسسة «النهار» الإعلامية.
مع حملة «النهار» الشرسة استقر في المخيال الجمعي لشعب يكره «الحقرة» وينتصر بالفطرة للمظلوم، أن تبون ضحية فعلا. و»المحقور» في المخيال الجمعي لهذا الشعب يستحق الدعم.
حتى عندما انتهت الانتخابات، امتنع الخاسرون الأربعة عن خوض مغامرة المساس برداء الضحية عند الفائز ومعسكره. كلهم شعروا بأنهم تعرّضوا لظلم وغُبن، وكلهم امتنعوا عن الطعن في نتيجة الاقتراع. لم يقل أحد منهم صراحة أن النتيجة مشكوك فيها، لكن قالتها ملامح وجوههم وتصريحات بعضهم من قبيل «حفاظا على استقرار البلاد لن أعلّق على النتيجة». وهي تصريحات لجأ إليها الخاسرون ليحفظوا ماء الوجه من جهة، وحتى لا يشوّهوا صورة الضحية في المحطة الأخيرة من «المضمار» من جهة أخرى.
نحن الآن أمام خارطة جديدة: بتوجيهه جبهة التحرير الوطني والتجمع الديمقراطي إلى الوجهة التي أراد في هذه الانتخابات، يكون النظام قد قرر التخلص من هذين الجهازين، وأرسل رسالة علنية واضحة بأنه فك الارتباط معهما.
أصبح مشروعا بعد اليوم التساؤل عن مستقبل هذين الحزبين.
وسيكون مشروعا، وقد أصبحت الانتخابات وراءنا، التساؤل هل يستطيع تبون فك ارتباطه مع النظام مثلما فك هذا النظام ارتباطه مع الحزبين الجهازين.
لا شيء يمنعه من أن يحاول، لكن أن ينجح فتلك قصة أخرى تحتاج إلى معجزة يتحرر بها الرجل، المعروف بانضباطه السياسي والوظيفي، من قبضة النظام وترسباته وتناقضاته.
لا يحتاج تبون إلى «مضمار مقاتل» آخر. أسابيع قليلة ستكفي ليتذوق الجزائريون طعم ما ينتظرهم معه.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)