نحو استراتيجية جديدة لـ"الحراك" الجزائري
نحو استراتيجية جديدة لـ"الحراك" الجزائري
ها قد إنتهى الفصل الأول من المواجهة بين "الحراك" و"العسكر".. ربح فيه من ربح ، وخسر من خسر..
مرر فيه "القايد صالح" مخططه بإجراء الانتخاب بالقوة ،واعتبر ذلك معركة مصير ووجود، من دون أن يلجأ الى مشاورة أو إشراك أغلبية الشعب الذي ظل يصرخ بالملايين في مختلف الساحات والشوارع الجزائرية "دولة مدنية ليست عسكرية"..
إحتفل مع أصحابه، و أزلامه ،والمنبطحين له، وكل المدعووين الى هذه الوليمة"المبهرجة" والمليئة بالزهو والفرح ،والمهينة للشعب ،- بعد حالة من الخوف والذعر- بتنصيب الإبن "البار" الذي راهن على تجليسه على كرسي المرادية ،لإعادة الغطاء المدني الذي مزقه "الحراك"بإسقاط العهدة الخامسة ،وإعادة رسكلة منظومة الحكم ،وإعادة تجديد عذرية النظام المهترىء والمتهاوي.. لكنه خسرالجانب الأخلاقي ، بظهوره بأنه الشخص المستبد ،والديكتاتوري، والمتسلط، أمام شعبه ،وأمام العالم الخارجي بمنطق"ما أريكم إلا ما أرى" ..
ولذلك جاء المشهد كما هو في صورته السابقة باهتا بائسا ، لم يتغير فيه أي شيء ،تفوح منه رائحة الفبركة والتزوير ، وضيع بذلك فرصة تاريخية ذهبية ثمنية نتيجة الغرور والكبرياء بعدم الإصغاء الى الذهاب الى حالة من "التوافق" التي ترضي أطراف الجميع ، وهي الوحيدة التي كانت ستنتشل البلاد من المأزق التي ارتطمت فيه، وتذهب من خلال ذلك الى فتح صفحة جديدة يتحقق فيها حلم الشعب بإنشاء "دولة مدنية" تقوم على الحق ،والعدل، والقانون،وتقفز بالجزائر الى مصاف الدول المتطورة والمزدهرة كـ"ماليزيا" مثلا ،والتي نهضت وإزدهرت بفكر "مالك بن نبي"رحمة الله عليه،وسنغافورة ،وكوريا الجنوبية وتركيا.. ويكون "قايد صالح" قد أعاد بذلك "الستارالمدني" أو "القناع" الذي ظل يحجب المؤسسة العسكرية عن الواجهة كحاكم فعلي في إدارة الشان العام للبلاد ، بعد أن إعتلى "تبون" مركز السلطة كخليفة لبوتفليقة بنفس المشاهد ،والصور، والشخوص، والحركات ،والأضواء ،والألوان ،وتكون الاستمرارية البوتفليقية قد أعلنت عن نفسها بكل قوة ووضوح ، وتعود حليمة الى عاداتها القديمة ، بأطلاق العنان للشياتين والمدجنين والأبواق بالإطراء والثناء على مشاهد الحدث البائس الذي وصفوه بالمفصل الديمقراطي الكبيرالذي سيغير الوضع وينهي حالة "الحراك"..
وهو في حقيقة أمره لا يعدو أن يكون قفزة في المجهول ، حسب كثير من المراقبين ليس إلا.. وأن الذهاب الى المرحلة القادمة بهذا الاحتقان ، وبهذا الصراع الحاد بين القطبين الكبيرين، وبهذا الوضع الاقتصادي المفجع ، والمالي المفلس،والإجتماعي المفكك والصعب سيعرض الجزائرالى أخطر فصول مراحل تاريخها منذ الاستقلال..
أما بخصوص "الحراك"الذي خرج بمكاسب جليلة، وإنجازات رائعة،قدر له أن يصاب بخيبة أمل ،وبإحباط كبير لدى الكثير من أبنائه بالرغم من التضحيات الهائلة التي قدمها خلال العشر الأشهر الأخيرة ..وهو أمر يدعوهم الى التأمل والمراجعة ونقد للذات بكل صرامة وصدق..أين أصابوا وأين أخطأوا ..
أين جوانب الابداع، وأين جوانب القصور..أين جوانب القوة ،وأين جوانب الضعف..
لا بد من معالجة كل السلبيات وتعزيز الإيحابيات..والتخلي عن الاسترتيجية الانفعالية الى الفعل الميداني العقلاني ..
لا بد من تمثيل الحراك ولو بطريقة أو بأخرى ، وتحديد مصدر واحد للقرار تلتزم به حشود وجماهير "الحراك"..
لا بد من هيكلة هذا الأخير إبتداء من الأحياء ،والمناطق، والبلديات ،والولايات..
لا بد من توحيد الرؤى الأساسية والشعارات التي تناسب الاحداث وتتناغم مع المشهد الراهن..
لا بد من تعزيز "اللحمة الوطنية" المستحدثة بشكل رائع ، فيعطس أحدهم في وهران فيشتمه الثاني في تيزي وزو ،وما تضامن بجاية وقسنطينة والعاصمة وكل الولايات مع ما حدث في وهران من عنف غير مسبوق على المتظاهرين في الأيام الماضية وإعلان مليونية الزحف نحو وهران إلا صورة رائعة عن هذه اللحمة الوطنية القوية ،التي أرعبت النظام ،وألهبت الكيان النفسي والمعنوي للحراك ..
لا بد أن ينتقي "الحراك" ويبدع في الأساليب والأدوات التي تصيب العصابة في المقتل..لا بد من تحصين كل المنافذ التي تتسلل منها الفتن الى داخل جمهور وكيان الحراك..
لا بد من إنشاء جبهة وطنية لحماية الحراك وتعزيز مسيرته ،ورفع منسوب الوعي لأبنائه لمواجهة كل التحديات المنصوبة .. ..وفي الأخير لا بد أن ينصب "الحراك"دولته الموازية ويوفر لها كل إطاراتها، وبرامجها، ومخططاتها ويضخ في كيانها ما يسمى بـالنفس الطويل و"الصبر الحضاري" وانتظار لحظة الميلاد الحقيقي التي ستكون الانعطافة الحقيقية للحكم الراشد الذي يحلم به الشعب..
أختم بهذه الفقرة لأحدهم وهو في معرض التحامل على الحراك أو نقد مسلكيته بشكا أدق،وهي مهمة بأن يقرأها أهل الحراك، ليتأمل بعمق في مواضع خطواته ،وموقعه الفاعل وهو في هذا المخاض الذي ننتظر خروجه وميلاده خاصة وأنه حلم جميل ،ظل يراوده ويدغدغ المشاعر والعقول طيلة هذه الأشهر العشر... "لقد انتهت الانتخابات الرّئاسيّة، التي يُعتبَر تنظيمها بمثابة أقوى درس عنيف للحراك الشّعبيّ، لأنّ هذا الحراك كان ينبغي معالجته بصدمة الانتخابات الرّئاسيّة حتى يستفيق من غفلته، وحتى يتعلّم أنّ المسيرات يمكنها أن تمنحه النّفَس الطويل، لكن يستحيل أن تحقّق له التّغيير، ويدرك حقًا أنّ ما تمّ تحقيقه في الشّارع ليس إلاّ بداية الطريق، لأنّ الأسهل هو تنظيم مسيرات، ويبقى الأصعب هو طرح البدائل الإيجابيّة لإصلاح ما أفسده الذين من قبلنا.
إلى حين تحقّق هذا، ينبغي على هذا الشّعب أن يعمل على صيانة كلّ ما كسبه الشّارع السّياسيّ منذ بداية حراكه حتى لا يتبدّد، فبالوعي فقط يمكن أن يسير الشّعب إلى مرحلة أكثر تقدّما وبخطى أسرع، وهذا ما نحتاجه، لأنّ كلّ المؤشّرات الاقتصاديّة تنذر بمستقبل اقتصاديّ كارثيّ إذا لم نسرع لتدارك أوضاعنا.
سامية-ب للجزائر تايمز
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (6)