هل سيجري توازن السلطات في الجزائر بطريقة سليمة؟
هل سيجري توازن السلطات في الجزائر بطريقة سليمة؟
«أقلمة المطالب مع الظرف»، عبارة أثارت انتباهي تلقفتها من إحدى حلقتَي برنامج «حديث الساعة» من قناة «بي بي سي» المخصصتين لأحداث الجزائر في الأيام الأخيرة. في هذا الملف، توالت الأحداث وتتابعت فعلا، وأسعدني أن ركز برنامج «حديث الساعة» مع ضيوفه على محاور تحليلية، حاولت تجاوز ثنائية الحكم والحراك الشعبي للتركيز على قطيعة أخرى، قطيعة «ما قبل الانتخابات وما بعدها.
قد أفاجئ البعض بقولي، ليس الأساسي أن يفوز بالانتخابات أحد ممثلي «الجهاز القديم»، أو بعبارة أخرى أحد ممثلي «الدولة العميقة» مدعوما بالمؤسسة العسكرية، بقدر ما الأساسي، أن ننظر في كيفية كتابة الفائز أيا كان، صفحات المستقبل. فالسياق السياسي الجزائري ليس هو السياق التونسي نفسه، وقد يتقاطع مع المصري من زاوية هيمنة المؤسسة العسكرية على مقاليد السلطة، لكن يختلف عنه كثيرا في كون الحراك غيّب طبقة سياسية، أو حركات تنتمي إلى المجتمع المدني، ما لم يترك للمحلل مجالا لمعاينة تيارات وتوجهات محددة.
لكن هناك خصائص تنفرد بها الجزائر، تجعلها، وقد ذكرنا مصطلح القطيعة، على مفترق جملة من «القطيعات»، التي ينبغي أن تخوض فيها قبل أن يصبح لها استقلال سياسي، يمكن تسميته بالـ»مدنية السياسية». أولاها، هو ما يشترك فيه هذا الجيل الجديد من الشباب الجزائري والفرنسي، الذي يريد القطيعة مع كل ما يمكن أن يمت بصلة في المتخيل الجماعي الجزائري لعقلية «حزب فرنسا» ومرجعيته. وأظن أن المقبل من الأيام ينذر بالإشارات الملموسة في هذا الاتجاه. لنتوقف قليلا عند عبارة «ما نجاوبوش» التي استعملها الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون، ردا على تصريحات الرئيس الفرنسي، الواقعة بين مطرقة عدم استفزاز أكبر جالية مقيمة في فرنسا وسندان مراعاة الأصول الدبلوماسية، مع إبقاء وتيرة الاتصالات على حالها، وهنا نعلم أن الرجلين تخاطبا فعلا ومطولا. تصب عبارة «ما نجاوبوش» على الأقل في اتجاه تكريس برنامج «هوياتي»، ننتظر طبعا تجسيدا له على أرض الواقع. هل ستكون أرض الواقع الجزائري، أرض التجديد؟
نعلم أن أطرافا عديدة من الحراك تجيب بلا، لكن هناك سيناريو آخر يمكن توقعه أيضا، وهو أن يؤدي الحراك في هذه المعادلة دور الرقيب الأخلاقي، المنوط بكل «سلطة مضادة» عندما يطبَّق مبدأ توازن السلطات بطريقة سليمة.
هل سيجري توازن السلطات في الجزائر بطريقة سليمة؟ هنا، مرة أخرى، المسألة على المحك والتحدي على الأبواب، وثمة في هذا الملف سؤال تال ومباشر يطرح نفسه بعد رحيل قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح، وهو هل سيعين الرئيس تبون، الذي يحتل حاليا منصب وزير الدفاع بالوكالة بحكم الظروف، وزيرا مدنيا للدفاع؟ نعم، تجتاز الجزائر حالة من اللايقين، لكن من الأساسي أيضا أن نتحدث عن «الجانب الممتلئ من الكوب» ومؤشرات إيجابية مثل، إطلاق سراح المعتقلين، وفتح المجال الإعلامي، ثم التركيز على مكافحة الفساد، وهي نقطة اشتهر الرئيس الجديد بجعلها شعارا لولايته، كرئيس للوزراء . محاور أعرف أن كثيرين لا يؤمنون بإمكانية تحقيقها في الظرفية الحالية، لكن أمورا في أهمية مراجعة الدستور والتوجه نحو قانون انتخابي جديد، تترك موضوعيا، معطيات مؤسساتية سليمة، فإذا نظرنا نظرة بحتة إلى المسار القانوني، الذي يفترض أن يخوضه الرئيس الجديد، ثمة انتخابات جديدة مقبلة على الأبواب، أي ثمة تفعيل لسلامة سيرورة المخطط الديمقراطي.
أما الموضوع المركزي الشائك، الذي تناولناه عرضا – وهو في الواقع جوهري – أي مدنية النظام وإرجاع المؤسسة العسكرية إلى ثكناتها، ليس موضوعا جديدا، فالتاريخ الذي من المفيد استدعاؤه في لحظات نتمنى أن تكون حاسمة، يذكرنا كيف باتت مدنية الدولة من ركائز أدبيات حزب التحرير الوطني عام 1956. لكن التاريخ صنع العكس. وبالإمكان أن نختتم من هنا، من فكرة روج لها أحد أبناء الجزائر بالتبنّي، فكتاباته الأولى كانت عنها، عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو الذي ذكّر أن ما صنعه التاريخ، يمكن إعادة صنعه دوما.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)