الجزائر 2019 سنة مُزدحمة بالوقائع أهمها الحراك الشعبي السلمي الدي ابهر العالم
الجزائر 2019 سنة مُزدحمة بالوقائع أهمها الحراك الشعبي السلمي الدي ابهر العالم
ينقضي 2019 ومعه تكاد تمر سنة على بدء الحراك الشعبي، مضت أشهر مُزدحمة بالوقائع والمشاهد والاتفاقات والخلافات، وبالأمل الذي ظننا أنه دُفن في الجزائر. لقد أجريت انتخابات رئاسية، لم تتحمس لها ولم تُشارك فيها سوى أقلية، وأفضت إلى اسم يشغل كرسيا ظل شاغراً منذ الربيع الماضي، وخفت حناجر المحتجين في الساحات العامة، وعملياً يمكن القول إن الحراك أنهى جولته الأولى، ودخل مرحلة ثانية، يسودها التأمل وإعادة التحليل والتفكير في ما جرى، بعيداً عن التعصب للرأي، وتجنباً للمديح أو الإطراء، قصد ترتيب المجريات، وتشريح جسد الجزائر، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، الذي مسته تغيرات وصال فيه مبضع، ولم يعد كما كان قبل عام من الآن.
من السابق لأوانه أن نتنبأ بحصول تغيرات في جزائر «ما بعد الحراك» أو نستبشر بنتائج عاجلة، مثل التي حصلت في بقاع غربية، شهدت حدثاً مماثلاً، لكن الشيء الأكيد أن الحراك أحدث «القطيعة» مع أسلوب الحكم الذي عمّر في العقدين الماضيين، أسلوب حكم المال والتخويف والتفرقة العرقية، حقق انعطافاً مرجواً، طالما اعتقدنا أنه بعيد. الجزائر ما بعد الحراك ليست نفسها قبل الحراك، 22 فبراير هو الزمن الفاصل بين حقبتين، على الأقل في طبيعة العلاقة الهرمية بين السلطة والشعب. وهذا الحراك لن يظل حدثاً منفصلاً، لكن نتائجه لن تستعجل الوصول، وقد ننتظر سنوات أخرى كي نشاهد أولى نتائج 2019، لقد أزيل الجدار الذي عزل الجزائريين عن بعضهم بعضا، ومنعهم من التحاور في ما بينهم، تهاوت الحواجز، وتراجع الشك وسوف نحتاج صبراً آخر كي نتلمس تبعات الزلزال البشري الذي عم البلد في الأشهر الماضية.
إن المعاينة التي قد نتفق عليها الآن أن النظام السابق في الجزائر، كان نظاماً غير قابل للإصلاح، تستحيل معالجة الأمراض التي نخرته، وبدل تضييع مزيد من الوقت في ترقيعه، جاء الحراك ليكشف عيوب ذلك النظام، ويُعلن أن وجوده كان العائق الأكبر في البلد، وليقترح مخرجا تمثل في القطيعة. انفرط ذلك النظام واكتسب الناس وعياً وثقة في النفس، ما حفز رغبتهم في مواصلة ما بدأوا عليه، أن لا يوقفوا العربة في منتصف الطريق، أن يرفعوا سقف مطالبهم وأحلامهم، أن يؤمنوا بشرعية دعواتهم إلى التغيير، فما علينا الآن سوى التريث، وعدم استعجال الأحكام كي نرى خلاصات ومآلات الحراك، وهي تتراكم تدريجياً على أرض الواقع.
ما يمكن أن نلاحظه أيضاً أن الجماعة الحاكمة التي تلت سابقتها لا تثق في الشعب، ولا تولي اهتماماً كافياً بالملايين الذين خرجوا إلى الشارع، وقد تكتل بعض من الحكماء في تنظيمات ومجموعات اقتراح، لكن في النهاية لم تر الجماعة، التي يصفها الجزائري بالعامية «الفوق»، سوى انتخابات رئاسية، حلاً لما يجري على الأرض، أفلحت في ما ذهبت إليه، لكن من خلال قرارها ذلك منحت الحراك عمراً ثانياً، حياة أخرى، كي يستعيد أنفاسه، وهو يدنو من عامه الأول.
استعاد الجزائري هذا العام حقه في الكلام، وحريته في الاحتجاج خصوصاً، كلما احتج ازداد يفاعة ونضجاً. ساد اعتقاد، في العشرين سنة الماضية، أن الجزائري قد اعتزل الاحتجاج، وقد ضيع على نفسه قاطرة التغيير التي انطلقت في دول الجوار في 2011، لكن إزاء ما جرى وما يجري منذ فبراير الماضي، يصح القول إنه كسب الرهان، فقد دشن الحراك مرحلة جديدة، ربيع غضب سلمي، منظما ومستقراً، رغم أن لا رأس له ولا قيادة. لقد خرج الجزائريون للاحتجاج واستعادوا حقهم في التلفظ ﺑ«لا»، أن لا يتواطأوا مع رئيس ولا حكومة، أن يرفضوا حين يجب الرفض، أن يصيروا شركاء في الرأي وفي القرار، أن يكرسوا ـ كما سلف الذكر ـ قطيعة مع ماضٍ قريب كان فيه الاحتجاج يوصم بالفوضى، تُرافقه ماكينة إعلام لا تتوانى عن شيطنة كل حركة غاضبة.
تصدر «الإعلام» قائمة الخاسرين هذا العام، بدا منذ اليوم الأول للحراك مرتبكاً، محتاراً ومتردداً، يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، ينقل تارة نصف المشهد، وتارة أخرى يعتم على الحدث، وناب عنه إعلام المواطن، بالصور المباشرة والبث الحي على منصات التواصل الاجتماعي، ولكن هذا المعطى ليس في مصلحة الحراك، بل يجب استرداد الإعلام، والجميع يعلم أنه لم يكن يوماً حراً، سوى في الخطابات الرسمية المُكررة، لأن البديل المتمثل في الإنترنت ليس خياراً ثابتاً، فالإنترنت ورقة ضغط في يد السلطة، وتحرير الإعلام واستمالته في صف الشعب هو المنطق الأمثل، مع أنه عمل شاق، يستوجب سنوات أخرى من الانتظار، وذلك جوهر الحراك الشعبي ألا يبتهج ببعض المكتسبات الآنية، وأن يتحلى بصبر أكبر قصد أن يستكمل دورته.
يجب أن لا نعزل الحراك عن حركات احتجاج سابقة له، على قلتها وضيق نطاقها الجغرافي، كما يجب أن لا نعزله عن حركات شعبية أخرى وانتفاضات سابقة، أبرزها انتفاضة 5 أكتوبر 1988، فما شهدته الجزائر عام 2019 هو تتمة لمشروع لم يكتمل في السابق، وهو ممهد لحركات أخرى سوف تليه، قد يغيب أحياناً عن الأنظار، في حمى الانشغال بالحاضر لا غير، يغيب عن الملاحظ كرونولوجيا الغضب في الجزائر، التي لم تنقطع منذ الاستقلال (1962)، لذلك من المهم أن ندرج هذا الحدث الأكبر الذي شغل العقول هذا العام في سياق تاريخي، وأن التراكمات هي من يصنع التغيير المأمول، من أجل عقد اجتماعي جديد ومتوازن بين الحاكم والمحكوم.
فقد الجزائري الثقة في السياسة، واتخذ مسافة حياد تجاه التنظيمات والأحزاب، بل إنه لا يثق في الانتخابات، ونسب المشاركة فيها غير مقنعة في الغالب، مع ذلك لم يفقد الثقة في حقه في التظاهر، في حقه في امتلاك الشارع، في المجاهرة بصوته من أجل التغيير، في مقارعة النظام ومجابهته سلمياً، في تحديث أساليب الاحتجاج، وفي ترقيع علاقته مع الفضاء العام، واستثمار الساحات العامة من أجل الاعتراض، مع وجوب الانتباه إلى أن السلطة لم ولن يرضيها ما حصل، ولن نتفاجأ في الأيام المقبلة إذا شاهدنا حملات تشويه لرموز الحراك، وكل من شارك فيه واستبعادهم، قصد محو أثاره وقطعه من الأذهان. بقدر ما هي مسؤولية كبيرة الحفاظ على نار التغيير متقدة، يجب أن لا نغفل أنه هناك من يُناور ويُحاول جاهداً النفخ فيها قصد إخمادها.
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)