الحرب العقائدية هي التي مزّقت الجسم الجزائري
الحرب العقائدية هي التي مزّقت الجسم الجزائري
مع بداية عامه الثاني دخل الحراك الجزائري، بوضوح أكثر، مرحلة الاتهامات والاتهامات المردودة. «الوطنيون» (وأغلبهم مزيَّفون) يتهمون العلمانيين و«التغريبيين» و«حلفاء فرنسا في الجزائر» بالاستيلاء على الحراك وتوجيهه لأهدافهم السياسية والعقائدية. العلمانيون و«الديمقراطيون» (وأغلبهم مزيَّفون واقصائيون) يتهمون الإسلاميين والمحافظين بوضع اليد على الحراك من أجل الهدف نفسه.
زادت هذه الاتهامات اشتعالا في خطبة قاسية ألقاها رئيس حركة مجتمع السم (إخوان) عبد الرزاق مقري يوم الخميس في قسنطينة، كال فيه للعلمانيين الكثير من الاتهامات والأوصاف القبيحة. ثم جاءه ردّ مطوَّل من الرئيس السابق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني أمازيغي) يوم السبت، لم يقصّر هو الآخر في كيل الاتهامات للمعسكر الآخر، وإن بلغة أخف قليلا.
اتهامات «الوطنيين» جاهزة ومكرورة منذ الصيف الماضي عندما قرر قائد أركان الجيش السابق، الفريق أحمد قايد صالح، فرض انتخابات رئاسية بأي ثمن. واتهامات «الديمقراطيين» جديدة بلغت ذروتها في منشور سعيد سعدي.
أيًّا كانت الآراء في الموضوع، أجد أن هذه الاتهامات علامة صحية. وأجد أن العجز عن حشر الحراك في خانة عقائدية أو سياسية واحدة واضحة، علامة على أن هذا الحراك نجا من محاولات الاستقطاب، وبأنه ما زال جامعا يضم في صفوفه هؤلاء وأولئك، وأن لا هؤلاء غلبوا فيه ولا أولئك سيطروا عليه.
ما نعيشه اليوم من اتهامات وتنابز بالألقاب، مجرد حلقة من مسلسل طويل ضارب في التاريخ. لقد عانت الجزائر طويلا من معضلة الخلافات العقائدية واللغوية التي سرعان ما تنعكس في السياسة والحكم، وتترك آثارا مؤلمة أحيانا. منذ ما قبل ثورة التحرير (1954 ـ 1962)، عاشت النُخب السياسية والثقافية الجزائرية انقسامات حادة منطلقها وعنوانها الخلافات الأيديولوجية والعرقية. أثّرت تلك الخلافات سلبا على سير الحركة الوطنية وانسجامها، وكادت تفجرها. ثم تغلغلت إلى أركان وقادة الثورة بعد انطلاقها، وحتى بين صغار المجاهدين، فكانت سببا في خلافات عميقة وحتى تصفيات جسدية لقادة معينين. والأخطر أنها تركت جراحا عميقة، فوق أنها لم تندمل بعد، يصعب العودة إليها أو مناقشتها حتى بعد قرابة ستين عاما من الاستقلال، خوفا من تداعياتها على الاستقرار الاجتماعي.
استمرت الانقسامات بعد الاستقلال وتوارثتها الأجيال. بل تعمقت وانتشرت في كل مكونات المجتمع. عن جهل أو عن علم، ساهمت سياسات النظام القائم في تقسيم «الكعكة»، فكان التعليم والقضاء من نصيب «الوطنيين»، وهم خليط من الإسلاميين والمعرّبين لغةً وفكرًا والمحافظين اجتماعيا وثقافيا. وكانت الإدارة وقطاعات المالية والتصنيع من نصيب «العلمانيين»، وهم في المقابل، خليط من المفرنسين لغةً وفكرًا والمتحررين اجتماعيا وثقافيا مقارنة بمنتسبي المعسكر الآخر. استمرت الخلافات مع نجاح يُحسَب للنظام في الحفاظ على التوازنات ومنع انزلاق الخلافات إلى مساحات خطرة، لكن مع نتائج مؤسفة ومكلفة، إذ كانت هذه الخلافات العميقة سببا وإن غير مباشر في العقم الذي تعيشه الجزائر، وفي الثقة المنعدمة تماما بين نخبها.
عندما قرر الجيش، بقيادة اللواء الهارب اليوم من العدالة خالد نزار، تنفيذ انقلاب كانون الثاني (يناير) 1992، استعان بمعسكر المفرنسين و«الليبراليين»، واستعملهم واجهة لمسعاه السياسي والأمني. لكن الغباء الذي استبد بالقادة الانقلابيين آنذاك قادهم إلى سحق المعسكر الآخر، بدلا من البناء على رصيد من التوازن كان موجودًا أصلا، ثم محاولة الاقتراب من ذلك المعسكر وإغرائه بالمشاركة في المسعى الجديد. ولم يستفد الانقلابيون كثيرا من وقوف حركة المجتمع الإسلامي (حماس آنذاك) في صفهم، لأنه كان وقوفا في المعسكر الخطأ، مدفوعا بحسابات سياسية ومطامع آنية، ولم يكن وقوفا مبدئيا وعن قناعة.
أحد أكثر الذين تركوا بصمتهم في الصراع العقائدي المستفحل بين المعسكرين، كان الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة. بدهائه استطاع الأخير أن يعبث بالاثنين. باع الوهم للمعسكرين واستعملهما كما شاء. أقنع «الديمقراطيين» بأنه ديمقراطي مثلهم وعلماني. وأقنع «الوطنيين» بأنه وطني مثلهم وإسلامي ومحافظ أكثر منهم. بينما هو في واقع الأمر لا هذا ولا ذاك، كان مجرد مريض بالسلطة لا هدف له في الحياة سوى الانتقام من أقرانه ومن التاريخ. لكن ما كاد يدشن فترته الرئاسية الثانية حتى خسر ثقة المعسكرين، دون أن يخسر دعمهما. جمع المخلوع في حكوماته تناقضات المعسكرين وضمّهما تحت مظلة واحدة، كما وحّدهما ضده قبل نحو عام من الآن.
لا يحفظ التاريخ أن المعسكرين اتفقا يوما، إلا في مناسبة واحدة يتيمة هي مناسبة الحراك الشعبي في 2019. كان الحراك من القوة والغضب بحيث انفجر كالبركان شاملا في طياته كل أطياف المجتمع، من كل الفئات والأعمار والمناطق. ولأن الخلافات أعمق من أن تُستأصل بظرف فرض نفسه، عادت بمجرد تنحي المخلوع واختفائه كعدو مشترك. أدى إصرار الفريق أحمد قايد صالح على فرض خارطة سياسية معينة تُتوَّج بانتخابات رئاسية، إلى انقسام الحراك بين مؤيد ورافض. ثم وظّف قايد صالح وفريقه الانقسامات التقليدية فدعمه «الوطنيون» ورأوا فيهم الحليف الذي خرج من بين ظهرانيهم، والذي سينتقم لهم من «الديمقراطيين» على موقفهم الداعم لانقلاب 1992. وعارضه «الديمقراطيون» لأنهم رأوا فيه «معرَّبا» سيقوِّي شوكة «المحافظين» عليهم.
من حسن الحظ أن داعمي الحراك اليوم خليط من الوطنيين والعلمانيين، ورافضيه خليط من المعسكرين أيضا. لو أن فئة واحدة استولت عليه، كان يستحيل أن يصمد كل هذا الوقت، وكان النظام سيقضي عليه بسهولة وفي وقت وجيز.
إذا كان من درس في استمرار الحراك مكوَّنا من المعسكرين، فهو أن الجزائر تسع الجميع وتحتاج للجميع. ومن الدروس الأخرى أن المعسكرين، بقليل من التسامح والذكاء، يستطيعان التعايش، وأن الأسباب التي وحّدتهما في بداية الحراك لا تزال موجودة وتستدعي التحالف أكثر من آنذاك، وأن النظام الحاكم لا حليف له ولا يتورع، كما في الماضي، عن استعمال أحدهما أو كليهما إلى أبعد الحدود وأبشعها.
توفيق رباحي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)