لايجب إقصاء فرضية وباء كورونا الذي يجتاح العالم أمر مدبَّر
لايجب إقصاء فرضية وباء كورونا الذي يجتاح العالم أمر مدبَّر
لديَّ أكثر من سبب لعدم إقصاء فرضية أن وباء كورونا الذي يجتاح العالم أمر مدبَّر.
لن أذهب إلى حد الجزم بأنه مؤامرة من أحد على أحد. لكن، في المقابل، لن أصدّق بسهولة أنه وباء أُصيبت به البشرية هكذا بكل براءة وعفوية.
لست مدفوعا في حذري هذا بالعقلية العربية التي تشكك في كل الأشياء، حتى التي لا تقبل الشك.
بوصلتي بالأحرى هي الآتية:
في صيف 2003، في ذروة نقاش دولي محموم حول كارثة الغزو الأمريكي للعراق وكذب بوش وبلير من عدمه حول أسلحة الدمار الشامل المزعومة، بثت قناة «آرتي» الفرنسية الألمانية سلسلة وثائقية عن خمسين عاما من تاريخ وكالات الاستخبارات المركزية الأمريكية.
شملت التحقيقات من بداية النصف الثاني من القرن الماضي إلى فترة رئاسة جورج بوش الإبن. كتبتُ يومذاك، مبهورا، عن تلك التحقيقات في زاوية «فضائيات وأرضيات» بهذه الصحيفة.
كان هناك سببان لانبهاري. الأول، الصرامة المهنية والجدية التي اتسمت بها تلك السلسلة، كعادة كل أعمال «آرتي». والثاني، الاكتشاف الذي بلغ مني، وأعتقد من كل مَن شاهد تلك التحقيقات، مبلغ الصدمة جراء العبث بالعالم ومصيره على أيدي حفنة من الرجال يلتقون في غرف مغلقة ويقررون ما يحلو لهم حول مصائر مليارات الناس، حفاظا على مصالح ضيقة وربما مؤقتة.
كانت أعمالا ترقى إلى درجة جرائم لا يجب أن تسقط بالتقادم، ويستحق أصحابها المساءلة مهما طال الزمن.
كان يجب أن تعنوَن تلك التحقيقات هكذا: «خمسون عاما من جرائم سي آي أيه بحق الجنس البشري».
من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا، مرورا بأوروبا، عشرات المؤامرات ضمن منازلات الحرب الباردة، استهدفت دولا كانت تنتمي للمعسكر الاشتراكي، وحتى المعسكر الليبرالي، فغيّرت مسارها السياسي والاقتصادي وألحقت بسكانها مصائب وغيّرت مصيرهم إلى الأبد.
انفردت تحقيقات «آرتي» تلك بأنها خلت من أن أي نص يقرأه راوٍ بصوت جهور، كما جرت العادة في الوثائقيات التلفزيونية.
اعتمدت كليا على شهادات (صوت وصورة) من قادة سياسيين وأمنيين وصناعيين، أغلبهم أمريكيون، من الصف الأول والثاني من صفوف المسؤولية التنفيذية. كثيرون منهم كانوا شركاء في صنع القرار أو على مسافة قريبة منه.
خلاصة الأمر أن الوقائع التي بدت في حينها مأساوية، إنسانيا وسياسيا واقتصاديا، وتقبلها الناس عبر العالم ببراءة وصدق، كانت كلها بتدبير وتنفيذ من «سي آي إيه» وعملائها. كان تدبيرا وتنفيذا بلا أدنى رحمة أو شفقة. المصلحة الأمريكية كانت تسمو، والأكيد لا تزال، فوق كل المصالح والاعتبارات الأخرى.
الإنسان؟ مجرد شيء أو رقم مغمور.
بطبيعة الحال، أي عملية (جريمة) كانت ترافقها حملة دعائية ونفسية لا تترك للعامة فرصة التفكير خارج ما يُملى من دوائر التنفيذ. كانت الحرب الدعائية والنفسية ضروسا لا تقل في شراسة عن الجريمة ذاتها.
منذ ذلك التاريخ، استقر لديَّ إيمان بنظرية المؤامرة. آمنت بأنه ليس من الحكمة إبعاد أي احتمال، حتى الأكثر «جنونا» من على طاولة الممكن في الوقائع التي من شأنها تغيير مصير العالم.
لهذا كله، ليس مختلا من داعبت ذهنه في 2020 نظرية المؤامرة، وراودته فكرة أن الولايات المتحدة ربما خططت للانتقام من الصين فكان كورونا هو السلاح. هناك ألف سبب وسبب لتفعل «سي آي إيه» هذا. أقلها أن الصين توشك على إزاحة الولايات المتحدة من زعامة العالم. البداية اكتساح اقتصادي بدأ يطغى، ويكون تتويجه انتهاء هيمنة الدولار كعملة عالمية، ثم تلقائيا ينتقل الأمر إلى السياسة لأن الهيمنة السياسية والاقتصادية متلازمتان.
ستكون مهمة إزاحة الزعامة الأمريكية سهلة على الصين. ففي الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، قابلية كبرى الآن للتخلي عن دورها التقليدي لصالح قوى أخرى وتحت مبررات تبدو للبعض منطقية وضرورية، وللبعض الآخر واهية. الانسحاب الأمريكي ترك العالم بلا زعامة. والطبيعة تكره الفراغ. تجلى هذا أكثر في أزمة كورونا الحالية، إذ بدلا من التعاون والتآزر مع بقية العالم، لجأ الرئيس ترامب إلى أسهل الحلول وأكثرها غباءً وكلفة: غلق أمريكا حتى في وجه العالم وأقرب حلفائه الأوروبيين.
مثل هذه التصرفات قصيرة النظر تعزز قوة الصين أولا وأخيرا.
الصين أصبحت مشكلة للعالم الرأسمالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ولأمريكا على وجه الخصوص.
ليس من دليل أكبر على أن لا شيء ولا أحد بمقدوره إيقاف الصين، أنها نجحت في احتواء فيروس كورونا بسرعة مذهلة وفعالية فريدة من نوعها.
هذه السرعة والفعالية جعلتا من أوروبا وأمريكا بؤرة الوباء، بينما تحتفي مستشفيات الصين، وحتى مقاطعة ووهان، ببداية التعافي.
ربّ سائل يسأل كيف تفتعل أمريكا هذه المصيبة وهي من أكثر المتضررين منه.
الجواب: الغاية تبرر الوسيلة! ضمن منطق «سي آي إيه» الذي برز في تحقيقات «آرتي» قبل 17 عاما، لا بأس إن كان الهدف النهائي يتطلب صدمة اقتصادية وهلاك 100 أو 200 ألف إنسان في عالم يزدحم بسبعة مليارات شخص تقتل منهم الأنفلونزا الموسمية والحروب والمجاعات والأمراض الأخرى عشرات الملايين سنويا. وربّ سائل يسأل لماذا يقصي الرأي العام في الغرب، ومعه وسائل الإعلام العالمية المؤثرة، «نظرية المؤامرة» بسرعة وبلا تردد؟
الجواب: لأنهم، في المطلق، يثقون في المؤسسات وصنّاع القرار الذين يختارونهم. ثم، بتأثير متعدد الطرق والأوجه، من القوى الخفية، هناك رفض لفتح أبواب الشك، لأن فتح الأبواب في واقعة معينة، يشجه على فتحه في كل واقعة (يعني «مش رح نخلص» على قول المشارقة).
أنصح القارئ بمشاهدة سلسلة «آرتي» (متاحة على موقع يوتيوب).
سيسهل عليه الفهم الكثير من الأشياء وتقبلها.
توفيق رباحي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (2)