عالم ما بعد حرب الكمامات
عالم ما بعد حرب الكمامات
من جملة الحقائق التي كشف عنها انتشار وباء كورونا في العالم، أن البشر ليسوا متساوين أمام الموت حتى عندما يتعلق الأمر بهذا الوباء العادل جدا في نشر الخوف والحزن. فقد بينت الإحصائيات المتعلقة بالوفيات في الدول الغربية الكبرى، كالولايات المتحدة وفرنسا، أن الأقليات العرقية التي تعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية هشة في هذه الدول، هي الأقرب للقبر، كما هو حال الكبار في السن، من دون حماية، المكدسين في بيوت الشيخوخة وأبناء الأحياء الشعبية المكتظة والعمال المهاجرين الذين كانوا على رأس قائمة ضحايا هذا الوباء القاتل، لدرجة أن الإحصائيات الوطنية، أصبحت لا تقوم بالإعلان عن وفياتهم ولا يحسبون أصلا ضمن قوائم المغادرين لهذا العالم، الذي فقد إنسانيته، كما حصل في إسبانيا والعديد من الدول التي عرفت الإعلان عن نسبة وفيات عالية. عادت فيه بعض طروحات اليمين المتطرف المنادية بالتخلص ـ باحتشام حتى الآن – من كل ما هو» غير مفيد ومكلف» على الميزانيات العمومية، الإله الجديد للنخب المعولمة الحاكمة.
انتشار الوباء، الذي كشف من جهة أخرى عن نتائج ضياع الحماية الصحية والاجتماعية، التي كان يتمتع بها الكثير من الشعوب، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كنتيجة مباشرة للخيارات السياسية، التي تم تطبيقها في العقود الأخيرة، بعد سيطرة الأفكار السياسة الليبرالية، في العديد من دول العالم. فقد اكتشف المواطن الفرنسي والأمريكي والبريطاني، أن الغطاء الصحي والاجتماعي الذي كان يتمتع به الأب وقبله الجد، لم يعد موجودا منذ مرور مارغريت ثاتشر، دونالد ريغان وساركوزي، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وأن نظامه التعليمي لم يعد قادرا على إنتاج الطبيب والممرض، اللذين يحتاجهما عند المرض. بعد تحول الجامعات إلى مصانع عملاقة لإنتاج أصحاب «اليافطات البيضاء»، من متخصصين في المال والأعمال، داخل هذا الاقتصاد الافتراضي المهيمن دوليا.
صورة قد تكون أكثر قتامة، نجدها حاضرة في العديد من دول العالم الثالث، التي اكتشفت الحل السحري في تزوير أرقام الوفيات، أو عدم حسابها أصلا، أو حتى الانهماك في حروب أهلية، تنسي الشعوب وباء كورونا»، وتضيع الوقت في حساب الموتى، كما هو حاصل في المنطقة العربية، التي لم يبق أمامها إلا التعويل على الديموغرافيا – مجتمعات شباب ـ في انتظار ما ستجود به شمس فصل الصيف القريب. إذا صحت هذه الفرضيات الرابطة بين الحر وانتشار الوباء، التي تجد قبولا كبيرا لدى أبناء هذه الثقافة، التي مازالت تنتظر الحلول من السماء، بدل البحث عنها على الأرض. شعوب فقدت الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية التي كانت تتمتع بها في وقت سابق، نتيجة استفادتها من بعض السياسات الصحية والاجتماعية، التي طورتها بُعيد الاستقلال، كجزء من خيارات سياسية انحازت للشعوب ومصالحها خلال تلك الفترة. كان من بينها نشر التعليم، وبناء الجامعات وتكوين نقابات عمالية ومنظمات مهنية، لم تدافع عن العمال والأجراء فقط، بل على كل الفئات الهشة التي تكوّن مجاميع واسعة بين أبناء هذه الشعوب الفقيرة.
نقابات كانت قد أعلنت عليها، هذه السياسات الليبرالية الصاعدة في دول الغرب، حربا شعواء، في عقر دارها، كما حصل مع ثاتشر وزميلها ريغان، وصلت آثارها بعد سنوات إلى دول العالم الثالث، التي اقنعت نخبها الحاكمة، بان النقابات تعطل الإنتاج وتقضي على التنافس، كمحرك للتنمية وتخدم الأفكار السياسية «الهدامة لليسار» الذي يحب القضاء عليه كجزء من هذا المشروع الذي اضعف اليسار، لكنه لم ينجح في بناء مصانع لإنتاج الكمامات الطبية للشعوب. كما يحصل في الجزائر هذه الأيام، التي تدفع فيها ثمن سياسات طبقت منذ سنوات خلت، تم فيها تصفية جزء مهم من قطاع النسيج العام المملوك للدولة، بدون أن يتم فيه خلق قطاع خاص، كما حصل في تونس والمغرب على سبيل المثال، ظهرت بعض نتائجه في التعامل مع وباء كورونا. وعديد الأرقام والنسب المعلن عنها حتى الآن.
تطبيقات هذا المشروع في نسخته الجزائرية، على سبيل المثال، والعالم يحتفل بعيد العمال، هي التي تجعل عاملين من ثلاثة عوامل في الجزائر، على سبيل المثال، في تجربة وطنية عرفت تاريخيا بقوة نقابتها، من دون حماية قانونية ونقابية، بعد التحاقهم بالقطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي، الذي يرفض مالكوه، من حديثي النعمة، ومن ورائهم الدولة الوطنية – أي حضور للنقابات داخله، لم ينجح رغم ذلك، في الدخول في أي منافسة دولية، وإيجاد موضع قدم له في هذا التقسيم الدولي للعمل، كما هو وضع تجارب بلدان جنوب شرق آسيا، التي نجحت على مستوى الاقتصاد العالمي، حتى وهي تضيع حقوق عمالها وشعوبها، في حين كان الفشل نصيبنا أمام التحديين.
وضع ينطبق على أغلبية المنطقة العربية، التي اكتفت فيه بدور مُسوق، لما تجود به الأرض، من ثروات طبيعية من غاز ونفط. يبين لنا عالم ما بعد كورونا منذ الآن، أن اتجاهاته الثقيلة قد دخلت في اتجاه سير جديد، بعد تأكيد ظهور المنافسة الأمريكية والروسية، التي استولت على نسب عالية من الإنتاج العالمي للنفط، كما أشرت إليه أزمة الأسعار، التي يتخبط فيها الاقتصاد العالمي بمناسبة انتشار وباء كورونا، داخل سوق عالمية نجحت الصين داخلها في التحول إلى مصنع لكل العالم، حسنت من المستوى الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها، في وقت قياسي، بدون أن تنجح في رفع العديد من التحديات التي أظهرتها أزمة انتشار الوباء كالمسألة البيئية، ومطالب الديمقراطية، التي يمكن أن تتحول إلى أحد تحديات «النموذج الصيني» لعالم ما بعد كورونا، وهو يعود فيه بقوة إلى منطق الدولة الوطنية، وقد يعيد النظر حتى في بعض مسلمات العولمة الاقتصادية والمالية التي استولت على عقول النخب الحاكمة، كأقليات مالية وسياسية، كانت المستفيد الوحيد من هذه الخيارات حتى الآن، كما تدل على ذلك نتائج الانتخابات، واصطفاء الأقليات الحاكمة في العديد من الدول، بما فيها تلك الدول التي كانت تفتخر بنماذجها الديمقراطية العريقة.
في عالم قد يعرف بداية انحسار للكثير من التوجهات السياسية المهيمنة عالميا، على مستوى النخب التي برعت في بيع المفاهيم الفضفاضة والأوهام لشعوب، اكتشفت انها لم تعد تملك على أرض الواقع – وليس في الاقتصاد الافتراضي ووسائطه المتعددة، مستشفى يمكن أن تتوجه له في حالة مرضها، أو مصنع لإنتاج كمامات تحميها من الوباء، استبدلتها منذ وقت طويل بناطحات أسواق المال الافتراضية، ومقرات البنوك الشاهقة. حاولت أن تقنع الشعوب أنها رمز التقدم والحداثة الوحيدة الممكنة.
ناصر جابي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (0)