مصيبة الجزائر اللغوية
مصيبة الجزائر اللغوية
عودة إلى المربع الأول! الجزائر على موعد جديد مع نقاش عقيم يبدو أن قدرها ألا تخرج منه. كلما طُرح نقاش سياسي في البلاد قفز إلى الواجهة بسرعة الجدل الأزلي حول اللغة والهوية والانتماء.
هذه المرة، يتجدد الجدل بمناسبة طرح مسودَّة الدستور المعدّل للنقاش العام. سرعان ما أخرج مقاتلو المعسكرات المتناحرة تقليديا سيوفهم من أغمادها استعدادا لمعركة 2020. لا جديد في شكل وهوية المعسكرات المتصارعة. الجديد هو المناسبة فقط. ولا جديد في النقاش والحجج: معسكر يدافع عن الأمازيغية ويرى أنها ما تزال مظلومة أمام العربية. ومعسكر متعصب للعربية ويرى أن أيّ مساحة إضافية تُمنح للأمازيغية ستكون مساسا مرفوضا بالعربية ومكانتها في البلاد. المعسكر الأول يضم بين ثناياه المتمسكين بالفرنسية والخائفين على اندثارها. فئة من هؤلاء يتمسكون بالفرنسية كُرها في العربية وليس حبا في الأمازيغية.
بعد قرابة ستين عاما من الاستقلال، لا تزال الجزائر عاجزة عن مواجهة هذه المشكلة، حتى كبرت وتضخمت وأصبحت معضلة. كل محاولات التعاطي مع الموضوع كانت ترقيعية. والأخطر أنها كانت ملغومة وكيدية، فزادت الطين بلّة.
الجزائر لم تحل أيَّة مشكلة من مشاكلها الموروثة عن الاستعمار.. مشكلة التاريخ، اللغة، الهوية، التوجه الاقتصادي، نمط الدولة والحكم، النموذج الاجتماعي.. إلخ. كان رؤوس النظام الحاكم يفضلون دائما الهروب إلى الأمام من قضايا مستعصية ترفض أن تتركهم. لكن من سُنن الحياة أن المشاكل لا تُحل بالتهرب منها. وفي نهاية المطاف، الجزائر أنتجت على مر العقود الماضية أجيالا نصف معرّبة وليست مفرنسة وغير أمازيغية. بينما كان المفروض أن تصنع البلادُ معجزات لغوية في حضرة ثلاث لغات موجودة أصلا وتحتاج فقط إلى ذكاء لتوظيفها والاستفادة منها. خريجو الجامعات الجزائرية اليوم عاجزون لغويا. وكثيرون من الذين يتفوَّقون في العربية أو الفرنسية، يفعلون لأسباب تعود إلى التنشئة الاجتماعية والانتماء الطبقي أكثر منها إلى تحصيلهم التعليمي في المدرسة أو الجامعة.
الفضاء العام في الجزائر لا يمنح الجزائريين أمانا لغويا. لا يجرؤ المرء على الحديث في السوق أو محطة القطارات باللغة التي تريحه، بكل ثقة واطمئنان وبصوت مرفوع. المعرّب غير مطمئن على لغته من ردات فعل الذين من حوله. والمفرنس غير واثق، والأمازيغي ينقصه شيء. تتكلم عربية فصيحة تخاف أن تجلب لنفسك سخرية فئات من المجتمع، أو أن تُعيَّر بأنك «معرّب» فاشل. حديثك بفرنسية طليقة قد يجلب لك شبهة الانسلاخ الاجتماعي والثقافي والتعالي بالانتماء إلى طبقة من غير عامة الناس. تتحدث الأمازيغية، فيكون هناك من ينظر إليك بطرف عين إذا لم يفهم ما تقول.
كان الأمر سيكون مقبولا لو أن المشكلة انحصرت في مساحات النقاش الأكاديمي والفلسفي. بيد أن الأمر تسلل إلى مفاصل الدولة وتغلغل فيها فأصبح معرقلا لعمل بعض المؤسسات وحتى لتقدم المجتمع نحو الأمام. وزارة التربية والتعليم كانت دائما الأرضية الخصبة والمفضّلة للصراع. وقد أسفر الصراع الأيديولوجي ـ اللغوي عن سقوط وزراء وعرقلة برامج والكثير من سبل وضع العصي في الدواليب. آخر فصول المبارزة كان في منتصف العام الماضي وتضمّن إدخال الإنكليزية إلى في التعليم الجامعي. اتُخذ القرار فجأة من دون دراسة وبلا أي تمحيص، ومن دون تحضير للأدوات والبيئة. كان ذلك القرار كيديًّا منطلقه التدخل الفرنسي المفترض في شؤون الجزائر وهي تعيش حراكا شعبيا عارما. فكان بمثابة رسالة لفرنسا أكثر منه حرصا على مصلحة الطلاب الجزائريين (وحدث أن ترتبت عن ذلك القرار بعض «المواقف اللغوية» المضحكة). علاوة على ذلك، فالقرار متأخر لأن الإنجليزية، التي كنا في طفولتنا نتسابق لفك طلاسمها ونتباهى بنطق جملة جديدة منها، ولو كانت مبتورة، لم تعد امتيازا. العالم كله يتكلم الإنكليزية اليوم، والشعوب «الشاطرة»، بما في ذلك الإنجليز والفرنسيون، تتجه إلى لغات أخرى مثل الصينية والإسبانية والعبرية وحتى العربية.
لقد أضاعت الجزائر وقتا طويلا وثمينا، ولم تعد تمتلك ترف تضييع المزيد. لحسم معضلة اللغة، أو اللغات، تحتاج الجزائر إلى مصالحة لغوية وثقافية. يجب أن تتفق الأطراف المتناحرة على تجريد النقاش من شحنته العاطفية. لابد من تطهير اللغة، اللغات، من دنس الأيديولوجيا وعقمها. المعرّبون مطالَبون في دفاعهم عن العربية بالتحرر من رفضهم للأمازيغية والفرنسية. ومعركة أنصار الأمازيغية ستكون أكثر وجاهة وعدالة عندما تتحرر من كراهية العربية أو الخوف منها. الجزائر تتسع للعربية والأمازيغية ولغيرهما. ولن تكون واحدة على حساب الأخرى إذا ما كنا أذكياء بما يكفي لتجريد النقاش من الألغام المزروعة حوله. أما المفرنسون فلا عزاء لهم. الفرنسية إلى زوال في الجزائر إن عاجلا أم عاجلا. ستختفي الفرنسية ليس بقرار سياسي، بل بعوامل طبيعية منها قلة الاستعمال والمستعمِلين، ثم انعدامهم. هي مسألة وقت فقط لتصبح الفرنسية غريبة تماما في الجزائر.
وسط الحرائق والحروب التي تجتاح العالم، لم تعُد المسألة اللغوية في الجزائر من ترف النقاش. الرهانات الجيوسياسية الإقليمية والدولية خطرة ومعقدة، وأيّ مغامرات، تحت غطاء اللغة والثقافة، ستكون كارثة مكلفة لأجيال. على «مجاهدي اللغات» في الجزائر أن يعوا هذه الخطورة قبل فوات الأوان.
توفيق رباحي القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (8)