خاصية جوهرية في الدستور الجزائري أنه دائما في حالة مسودة بقدر تعدد الرؤساء
خاصية جوهرية في الدستور الجزائري أنه دائما في حالة مسودة بقدر تعدد الرؤساء
الجزائر ، بلد متخلف لأنها تنتمي إلى الدول التي لا تزال تعاني من صعوبة انجاز الدولة التامة و الدستور النهائي للسيادة و نظام الحكم القار. فقد تعددت الدساتير بقدر تعدد الرؤساء ، لا بل تعددت الدساتير حتى في عهدات مختلفة لدى الرئيس الواحد مثل حالة الرئيس المخلوع بوتفليقة. و عليه، فإن الخاصية الجوهرية للدستور الجزائري أنه دائما في حالة مسودة حتى و أن نُشر في الجريدة الرسمية بتاءً على استفتاء شعبي أو عبر تمريره المضمون على البرلمان. فقيمة و أهمية أي دولة في العالم هو بمدى أصالة قانونها الأساسي، و استمراره في إدارة تنظيم السلطات و حكم المرافق الأساسية للدولة و المجتمع و عدم المساس به .
وعلى خلاف ذلك، نجد القانون الأساسي للدولة الجزائرية لا ينظم الشأن العام و المؤسسات العمومية التي تنطوي على مفهوم الشخصية الاعتبارية ، بقدر ما يعيد التستر على اعتبارات القيادة العليا للجيش، أو ما يعرف بحكم العسكر الذي يعبر عن الدولة العميقة، و يكتفي فقد بتحديد صلاحيات الممثل المدني للقوة العسكرية. و من هنا غياب أية قيمة قانونية و أخلاقية لوثيقة الدستور، لأنها لم تغادر منزلة المسودة إلى مستوى النص القانوني الذي يتفاعل مع معطيات الدولة و مسار المجتمع و سيرورته، ويستمد تاريخيته من مدى تواصل النص مع الحياة العامة إِنْ على الصعيد الوطني أو الصعيد الدولي، لأن الشرعية الداخلية تتلازم حتما مع الشرعية الدولية. و كما هو معروف ، فإن من جملة مصادر القاعدة القانونية الحياة الإجتماعية، التي تمنح النص قيمته الحيوية و من ثم اعتباره القانوني ليستوفي شرط دائمية الدولة و مؤسساتها .
وهكذا، فأصل التخبط لصياغة مُحْكَمة دائمة للدستور كنص مرجعي هو أن نظام الحكم في الجزائر، لا يزال يعاند و لم يخرج في شَرْنقة أمراض ما بعد الاستعمار و جوائحها . فقد بقي عند لحظة حكم العسكر، بعد ما تقدمت دول العالم و صار الاعتبار المدني و السياسي و القانوني أعلى من أي اعتبار آخر، لا بل أن حكم الجيش أضحى عنوانا كبيرا على التخلف، و مشدوداً أكثر إلى تاريخ الاستعمار منه إلى ما بعده. كما أن العرض المتوالي للدساتير كمسودات على الاستفتاء و النقاش “العام” يدل في التحليل الذكي على أن موضوع الإستقلال لا يزال لم يُحْسم فيه بعد و أن مسألة الشرعية لا تزال قائمة ليس بمعنى ما و لكن بكل المعاني. و الحقيقة التي عادة ما يكشفها نظام الحكم، أن مسودة الدستور تطرح في كل مرة تستهلك نسخته المصادق عليها بسبب الاختراق و الانتهاك و الاعتداء ، بحيث يعاد إلى أصله الأول كمسودة.
وثيقة الدستور، لا تتجاوز وضعية المسودة ، تنتظر التعديل و الخوض فيها بالإنتهاك و الإختراق، لأن الأصل فيها بعد حكم العسكر (السلطة السرية التي تتأبى عن تنظيم صلاحياتها و ميزانياتها)، تكِّثف كل الصلاحيات الفائقة في يد الرئيس، تسمح له ، عبر مقايضة ضمنية مع القيادة العليا للجيش بتأمين مصيره ما بعد الحكم، على ما حصل مع كل الرؤساء الذين تَعَاقَبُوا على النظام في الجزائر ، فلم يُعَاقَبُوا إطلاقا، و لم يحاسبهم أحد، رغم الكوارث المدلهمة التي تسببوا فيها. عدم المسؤولية ، حالة غير دستورية ، تتنافى مع أبجديات القواعد القانونية، ناهيك أن الحامي الحقيقي للرئيس ليس الدستور بل الجيش من خارج الدستور. و تلك هي حقيقة الحقائق في نظام الحكم في الجزائر، القائم على ترتيب مؤقتmodus vivendi، يعالج بها أوضاعا عارضة ، تعفي الرئيس من أية مسؤولية.
بقاء النظام السياسي في الجزائر عند لحظة النشأة المستأنفة للدستور، يُعَبّر عن حقيقة الأزمة التي تجعل البلد ينظر إلى الخلف في الوقت أن المطلوب هو التطلع الدائم إلى الأمام. ففي الوقت الذي كل العالم يصبو إلى أن يكون دولة طالعة حققت الاكتفاء القانوني الذاتي الذي يؤمن لها تحقيق شرط الدولة التامة، لا زالت الجزائر تخوض ، في صراع يائس و خائب مع نظامها السياسي، معركة صياغة الدستور التي تستغل دائما كمسودة تؤول الى التعديل و الانتهاك، على ما لحظنا و شاهدنا فترة ترتيب الإنتخابات الرئاسية ما بعد بوتفليقة، و مدى الانتهاكات المروعة و المفضوحة أرتقت إلى الاستبداد المطلق.
وهكذا، على ما يطلعنا التاريخ إلى عهد قريب، أن قصة مسودة الدستور تدعو ليس إلى إثراء النقاش و إبداء الرأي، لا بل إلى التوجه بالتحليل الذكي إلى مصير الجزائر كما تصنعها المسودة الجديدة للرئيس الجديد. فدستور 1989 للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي عينته القيادة العليا للجيش ، رتب بداية لما قبل تاريخ الحرب الأهلية التي نشبت عام 1992، على إثر إلغاء قيادة الأركان للمسار الانتخابي و لأول تجربة ديمقراطية في الجزائر المستقلة. كذلك دستور الرئيس المخلوع بوتفليقة، الذي أعفاه من المسؤولية، هو ذات الدستور الذي وضع العلامة لما قبل تاريخ نظام العصابة. فلم يعد الموضوع يطرح عن الإصلاحات التي تقدمها وثيقة الدستور، بقدر ما يجب إجالة النظر في مسار آخر ينتظر مصير كارثي للجزائر. و بتعبير آخر يفيد نفس المعنى، أنه من طبيعة مسودة الدستور أن تؤسس في منطلق العمل بها لبداية تاريخ الكارثة القادمة. فالعبرة كل العبرة بخواتيم الدساتير و ليس ببداياتها. فعصر صياغة الدساتير أنتهت مع تحقيق الشعوب لإستقلالاتها.
مسودة الدستور التي عرضها الرئيس الجديد تعاني منذ البداية من فجوات مفضوحة لا حصر لها، لعلّ أولها، اختراقها من قبل صاحبها ، أي الرئيس ذاته، الذي تعهد ، أثناء تأديتها لليمين الدستورية أنه يحافظ و يسهر على حماية الدستور (دستور بوتفليقة)، فيما راح بعد ذلك إلى الخوض فيه و إعادته إلى حالة المسودة الأولى. ثانيا، اقتراح اللغة الأمازيغية كلغة رسمية و وطنية لا تمس بأي تعديل لاحق، بينما لم يشترط عدم التعديل بالنسبة لبند الإقتصار على العهدتين فقط دون تجاوزهما، مما يعنى استخفاف صارخ بمقومات الهوية و استباحتها و أن مسألة العهدتين مسألة فيها نظر لما يأتي حينها، على ما فعل الرئيس المخلوع . ثالثا، هجانة النظام السياسي و عشوائيته ، فمسودة الدستور و ما ورد فيها من مقترحات لا يستند إلى أي نظرية في تنظيم الحكم، و لا تنتمي إلى أي من الأنظمة السياسية المتداولة في العالم، ناهيك أنه لا يزال يتوكأ على الشرعية الثورية و ليس الدستورية، لأن المرجع الأصلي لنظام الحكم في الجزائر هو لسلطة القيادة العليا للجيش، أي مرجع خارج الدستور و أعلى منه.
جميع المقترحات التي وردت في مسودة الدستور التي تقدم بها الرئيس الحالي تنم عن جملة من التوصيات لا يحكمها أي ضابط أو خط فكري ، تنظيمي ، مما يحوّل المسودة إلى مجرد وثيقة إعلامية موجهة للإثارة و الاستهلاك من قبل الفئة التي تراهن عليها السلطة في استخلاص الشرعية من الشعب، أي عُشُر الهيئة الناخبة ( لا يوجد مفهوم حقيقي للشعب لدى النظام الحاكم). و في الوقت ذاته تحرص السلطة القائمة، عبر مسودة الدستور على عدم وصول المعارضة السياسية إلى الحكم، مستعينة في ذلك بآلية التعديل و التغيير و الانتهاك و الاختراق التي لا تبيح أية امكانية التراجع و التصحيح و التعرض إلى الطعن (غياب تام لمفهوم الديمقراطية). عندما يكون الرئيس غير مسؤول عن أخطائه، و السلطة الحقيقية في يد القيادة العليا للجيش و النص القانوني لا يستوفي شرطه الإجتماعي و التاريخي فلا يمكن كتابة تاريخ مؤسسات الدولة الجزائرية، مما يعنى في نهاية المطاف و التحليل أننا لا نزال نراوح عند النشأة المستأنفة و أبدًا نريد أن نتخطى إلى ما يليها ، أي ما بعد إقرار الدستور.
نورالدين ثنيو
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)