دفاعا عن قيم الجزائر لا عن أويحيى
دفاعا عن قيم الجزائر لا عن أويحيى
في ربيع 1994 نظمت الرئاسة الجزائرية مؤتمرا صحافيا نادرا، بعد أن تعوَّدت، مثل بقية مؤسسات الدولة، على الصمت وتجاهل الصحافة والرأي العام. خُصص المؤتمر للحديث عن الحوار الذي كانت السلطات العليا تجريه مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين أخرجتهم من السجن إلى إقامة محروسة في إحدى فيلات العاصمة. كانت البلاد تحترق ولغة الرصاص والدم والدموع هي المهيمنة بلا منافس، فكان يؤمل أن يسهم قادة «الإنقاذ» في إطفاء الفتنة. كان هناك متحدث واحد في المؤتمر الصحافي. اسمه أحمد أويحيى، مدير مكتب رئيس الدولة، اليمين زروال. دخّن أويحيى بشراهة. وعلى عكس المسؤولين الجزائريين الآخرين، ردَّ على كل الأسئلة بلا ارتباك. أخذ وقته فاسترسل وأطنب، دون أن يقول الكثير، طبعا. استعمل، بثقة، لهجة أقرب إلى العاصمية. استعان بأمثلة من الشارع.
في المقابل، أخذ الصحافيون، العطشى للقاء كبار مسؤولي البلاد، راحتهم ووقتهم في السؤال. كان لقاءً استثنائيا بحق في زمن القحط الصحافي والمعلوماتي. وكان لحظة ولادة أويحيى الثانية.
في الأسبوع الأخير من سنة 1995، وكنت في لندن، اتصل بي صديق مبشّرا: مبروك، عيّنوا لنا رئيس حكومة هو الأصغر في التاريخ.. عمره 42 سنة! هذا المحظوظ اسمه أحمد أويحيى. قلت ببرود: هذا يعني أنه سيعيش مع الجزائريين الـ40 سنة المقبلة، يرون صورته ويسمعون كلامه كل يوم.
لقد أخرج ذلك المؤتمر الصحافي أويحيى من كواليس البيروقراطية والمسارح الخلفية إلى الواجهة. وفتح له أبواب مجد كبير لا يضاهيه إلا القاع الذي انتهى إليه الأسبوع الماضي بإحدى مقابر العاصمة.
أؤمن بأن الخراب الذي ألحقه أويحيى بالجزائر يكاد يكون غير قابل للإصلاح. وأؤمن بأنه يجب أن يحاكَم على ذلك. أويحيى مرادف لكل شيء قبيح في الحياة العامة الجزائرية. رمز للفساد السياسي والذل الإداري والتغوّل. هو عنوان «الحقرة»، الفشل، الغرور، والعنجهية والعجز عن قراءة المستقبل. أويحيى شريك أساسي في الدمار الذي حل بالجزائر البلد والإنسان. ويتحمل مسؤولية تاريخية عن الحفرة السحيقة التي وقعت فيها الجزائر منذ 20 سنة وأكثر. أويحيى نجح في تحطيم الجزائريين بيد، وتوحيدهم على كرهه بيد أخرى إلى أن رقصوا في الشوارع يوم اعتقاله.
إذا كان القانون لا يحاسب على سوء التسيير باعتباره قضية تخضع للاجتهاد والتقدير، فأويحيى يجب أن يساءل على الكذب والتدليس والصفقات المشبوهة وهدر المال العام وتفكك الدولة وغير ذلك.
كل هذا شيء، و«السيرك» الأحمق الذي شهدته مقبرة «غاريدي» الاثنين الماضي شيء آخر مختلف. هذا لا يتطلب ذاك. والأول لا يبرر الثاني.
لا أكنُّ أدنى درجة تعاطف مع أويحيى، ليس من اليوم أو من يوم الزج به في السجن. عشتُ ربع قرن أنتظر اختفائه حتى خشيت أن أموت قبل أن أرى ذلك اليوم. لكن، مع واقعة المقبرة، عليَّ أن أُرثي حال الثقافة السياسية والإعلامية في الجزائر. نحن نعاني من ثقب أسود هائل قاد إلى فضيحة «غاريدي» في حضرة الموت. أرثي انعدام ثقافة الدولة لدى الذين يتحملون مسؤولية تلك المهزلة. كان يكفي القائمين على الموضوع ترتيب زيارة لأويحيى إلى بيت شقيقه في وقت مبكر من النهار، يؤدي ما هو مطلوب في هذه المناسبات الحزينة بهدوء وكرامة وإنسانية، ثم يعاد إلى سجنه. ثم يُنقل الفقيد إلى جثمانه الأخير في ظروف لا تقل هدوءًا وكرامة وإنسانية.
الخطأ بدأ هنا وانتهى. ما دار بعده من جدل وتفاصيل وتوضيحات من وزارتي الإعلام والعدل، كله كلام متأخر، الصمت أفضل منه.
وأُرثي، في المقابل، هذا العجز الفادح في النضج المهني، وغياب الأخلاق الوطنية والمهنية لدى حاملي الكاميرات والهواتف الذكية الذين تسابقوا، في ذلك الموقف الجلل، إلى تصوير رجل في أسوأ أحواله على الإطلاق، منكسر ومهزوم وشارد الذهن والروح، وبثِّها لأصحابهم وأقاربهم ورؤسائهم في العمل. هؤلاء ذاتهم نسوا أنهم كثيرا ما تدافعوا للاقتراب من أويحيى وتزلفوا إليه لانتزاع كلمة أو تصريح سياسي منه والتقاط صورة معه.
للموت رهبته وللمقابر قدسيتها وحرمتها عند الجزائريين، فأين ذهبت ذلك اليوم، ولماذا تجرأ بعضهم على دوسها في «غاريدي»؟
لا شيء يبرر ما حدث. لا السبق الصحافي، ولا الفضول الإنساني ولا «سياسة الجنائز» التي أصبحت عرفا سياسيا في الجزائر. شيء واحد يفسر تلك الفضيحة ولا يبررها: الثقب الأسود الكبير في منظومة أخلاقنا الشخصية والعامة.
أتمنى أن يكون ذلك السقوط الكبير صدمة نتعلم منها ونعلّم من خلالها أبناءنا السمو فوق الأحقاد والانتقام، لأنها مشاعر سوداء تقضي على الإنسان ولم تبنِ يوما دولة.
توفيق رباحي القدس
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (9)