بعد نصف قرن من الاستقلال ماذا بقي من الوطنية الجزائرية
بعد نصف قرن من الاستقلال ماذا بقي من الوطنية الجزائرية
عاد الحديث بقوة هذا الأسبوع عن الوطن والوطنية في الجزائر، ليس بمناسبة عيد الاستقلال فقط، ككل سنة، بل بسبب أحداث أخرى التصقت بالحدث، كان من بينها عملية استلام 24 جمجمة لشهداء المقاومة الوطنية، كانت معروضة في أحد متاحف باريس منذ أكثر من قرن ونصف القرن، تم السكوت عنها بشكل غير مقنع ولا مفهوم لفترة طويلة بعد الاستقلال، من قبل الدولة الوطنية ونخبها الحاكمة.
عيد الاستقلال الذي استغله الرئيس تبون للإعلان عن إطلاق سراح بعض مناضلي الحراك المحبوسين، قد يكون محاولة لفتح صفحة جديدة مع هذه الثورة الشعبية، في انتظار إجراءات نوعية أخرى تتعلق بفتح الحوار السياسي، وضمان حريات وحقوق الجزائريين، للخروج من حالة الانسداد السياسي، الذي يعيشه البلد منذ سنوات.
تحتفل الجزائر بعيد الاستقلال هذه السنة، وهي تعيش بداية نوع من القطيعة الديموغرافية ـ السياسية، مع جيل الشرعية الثورية الذي حكم الجزائر منذ استقلالها في 1962. فلا الرئيس تبون ولا قائد الأركان الفريق سعيد شنقريحة، كانا من المشاركين في حرب التحرير، بفعل عامل السن، الذي لم يكن يسمح لهما بذلك (الاثنان من مواليد 1945). بداية قطيعة على مستوى الجيل السياسي والعسكري الحاكم تبقى أقل بروزا من تلك القطيعة الديموغرافية على المستوى المجتمعي العام، الذي يسيطر فيه الشباب، قد تكون أحد أسباب الشروخ الحاضرة بين الحاكم والمحكوم في الجزائر منذ عقود طويلة، استمرت فيها الوطنية كعقيدة سياسية مركزية، يتم استدعاؤها كل مرة، كما حصل هذا الأسبوع بمناسبة احتفالات الاستقلال، وعودة جماجم الشهداء، رغم كل التشوهات والعيوب التي التصقت بها كعقيدة سياسية، قلًت قدرتها على التجنيد السياسي، في وقت يتبين فيه بشكل واضح حاجتها إلى التجديد الفكري، بعد التآكل الذي عرفته لمدة أكثر من نصف قرن، من فرط الاستعمال والمبالغة فيه. فقد تبين مع الوقت أن الفكرة الوطنية، شاخت وفقدت بريقها وتواصلها الحي مع أفكار العصر، التي استطاعت أن تقيمها، عندما كانت في حالة صعود بداية من ثلاثينيات القرن الماضي، لتميل أكثر في وقتنا الحاضر نحو نوع من الشعبوية، تكون قد وجدت صدى كبيرا عند بعض الفئات- بمن فيهم بعض الشباب ـ التي كانت علاقاتها بثورة التحرير والفكرة الوطنية عامة علاقة سمع وعنعنة، زادت في إضفاء طابع أيديولوجي، بل وأسطوري لم يكن من صفات الوطنية الجزائرية في نسختها الأصلية، التي كانت أكثر انفتاحا على العالم، وأكثر فهما له.. عندما كانت تواجه الاستعمار، بالفعل وليس القول، كما يفعل أبناء هذه الثقافة الشعبوية، الذين تخصصت في إنتاجهم بشكل صناعي هذه الوطنية، وهي تعيش حالة أزمة وانغلاق بعد الاستقلال، تواضعت فيه طموحاتها الى حدها الأدنى، وزاد فيه ضجيجها كأي ظاهرة صوتية، تبالغ في القول وتتطرف فيه، بدل الفعل.
فكرة وطنية لم تعد قادرة على الارتباط بالديناميكيات الاجتماعية، والفكرية التي تشتغل داخل الجسم الاجتماعي، على أكثر من صعيد ديموغرافي وسوسيولوجي وثقافي. في حين كل الدلائل تقول إن نجاحها وعودة الروح لها، يكمنان في هذا التلاقي مع هذه الديناميكيات الاجتماعية والثقافية العميقة، وطنيا ودوليا، كما أنجزت ذلك الوطنيات الناجحة في الحالتين الفيتنامية والصينية، التي بنت دولة قوية واقتصادا أقوى، وهي تستعمل الإرث الوطني، بما فيه فترة الكفاح المسلح ضد الاستعمار، كما كان الحال في الجزائر، بدون السقوط في فخ النكوص الذي تعيشه الحالة الجزائرية، التي لم تنجح في الارتباط بالديناميكيات الوطنية والدولية السائدة على مستوى العالم، فتقهقرت إلى الوراء، لأن الذي لا يتقدم يعود إلى الوراء، في هذا العالم المتحرك، ديناميكيات وطنية تأتي على رأسها النزعة إلى الانفتاح على العالم وفكره المعاصر، الذي تعبر عنه قوى شعبية واسعة ـ على رأسهم الشباب – ترفض أن تدخل في علاقة عدائية مع العالم، بما فيه فرنسا التي تورط معها الخطاب الشعبوي والقوى الاجتماعية الموجودة وراءه، في علاقة مرضية لا تمت للعصر وموازين القوى الفعلية التي تتحكم فيها بأي علاقة موضوعية. نظرة لم تكن هي السائدة مع الجيل، الذي حارب الظاهرة الاستعمارية في وقتها، على أرض الواقع، وليس ستين سنة بعد الاستقلال، كما يفعل هؤلاء الثورجيون الجدد، جيل رغم تواضع تعليمه وتجربته استطاع ان يفتك استقلال بلده من فم الأسد الاستعماري، ضمن موازين قوى دولية، لم تكن لصالحه في أغلب الأوقات، بعد ان تعلم السكوت والفعل، بدل الثرثرة البعيدة عن ثقافة الجزائريين، تاريخيا.
ديناميكيات اجتماعية، يحتل فيها الطلب على العلم وتحرر المرأة، بما يفترضه من تعليمها وعملها وتحررها من ضغوط الماضوية، التي تقول بعض المؤشرات، إن هناك عودة جزئية لها في بعض الأحيان، وتبني لها حتى عند الشباب كنتيجة ومؤشر عن الانكسار، الذي حصل لدى الوطنية في الارتباط بالديناميكية الاجتماعية الهائلة، التي يمثلها الشباب داخل المجتمع الجزائري، وهو ما عكسته رمزيا حالة استمرار سجن الصحافي الشاب خالد درارني، ابن العائلة المجاهدة، التي جسدت الوطنية في عز قوتها وصعودها أثناء ثورة التحرير، فقد احتفل خالد بعيد الشباب وعيد الاستقلال في السجن هذه السنة ـ مئة يوم من الحبس- لأنه أراد أن يقوم بعمله بشكل احترافي، كأول صحافي يفرض على المرشح إيمانويل ماكرون الحديث عن أهمية الذاكرة، والاعتراف ببشاعة الاستعمار الفرنسي – بعيدا عن الصورة النمطية السلبية التي فرضتها تجربة الدولة الوطنية، بعد الاستقلال. خالد الذي أراد الارتباط بحراك شعبه – وهو يقوم بدوره كمواطن وإعلامي – باعتباره أهم ديناميكية شعبية يعيشها المجتمع الجزائري منذ ثورة التحرير، ستبقى لمدة طويلة كأهم لحظة جيلية عاشتها جزائر ما بعد الاستقلال. تماما كما كان الحال بالنسبة للجيل الذي ارتبط بثورة التحرير، وهو الجيل الذي احتكر العمل السياسي منذ شبابه بُعيد الاستقلال مباشرة، ليستمر على رأس الدولة ومؤسساتها المركزية لعقود طويلة، لم يفشل فقط في بناء دولة حديثة واقتصاد قوي، كما فعلت وطنيات مشابهة، بل نفر أغلبية المجتمع من الفكرة الوطنية ذاتها التي كانت في وقت ما مصدر قوة للشعب الجزائري، حققت له انتصاراته التي ما زال يفتخر بها رغم كل المطبات. جيل تطور مع الوقت إلى مواقع غاية في المحافظة والنفاق الاجتماعي، على مستوى السلوك والقول، فرضه على كل مؤسسات الدولة، هي التي تفسر كيف تحول هذا البلد المتوسطي الجميل إلى بلد منفّر لشبابه وقواه الحية، التي تفضل الموت على ضفاف المتوسط، بدل البقاء داخله والارتباط بمصيره، حتى وهو يحتفل بعيد الاستقلال والشباب.
ناصر جابي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (10)