الإمارات تتزعم الريادة العربية بصفقة الندالة مع إسرائيل
الإمارات تتزعم الريادة العربية بصفقة الندالة مع إسرائيل
مرت 42 سنة على توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل. ومر أكثر من ربع قرن على تطبيع الأردن علاقاته مع إسرائيل. ومرّ أقل من شهر على إعلان الإمارات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
رغم الهوّة الزمنية الضخمة بين المحطات الثلاث، حققت إسرائيل مع الإمارات في ثلاثة أسابيع ما لم تنجزه خلال 68 عاما مع مصر والأردن مجتمعتين.
إلى اليوم، لا تشعر إسرائيل بأنها حققت شيئا ملموسا مع مصر والأردن، عدا علاقات دبلوماسية هشّة لا وجود لها خارج الدوائر الحكومية والرسمية العليا. بعد كل هذه العقود من الزمن لم يجرؤ مصري واحد على حمل علم إسرائيل، أو التباهي به. ولم يجرؤ أحد في مصر والأردن على تبرير تطبيع حكومته مع إسرائيل، ناهيك عن تبرير قرار التطبيع بلعن الفلسطينيين والسخرية منهم.
وبعد كل هذا الزمن، لا يجرؤ وفد سياحي إسرائيلي على التسكع بحرية وأمان في شوارع القاهرة أو عمّان. السياحة الإسرائيلية إلى هذين البلدين مقتصرة على المنتجعات الفخمة والبعيدة الممنوعة تقريبا على أهل البلد.
في مقابل «التشدد» المصري الأردني، سادت حالة مبالغ فيها من الفرح والافتخار في الإمارات بالاتفاق مع إسرائيل، عبّرت عنها حسابات ناشطين إماراتيين كثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها بلغ مستوى غير مسبوق من الابتذال.
في مقابل الريبة من عمّان والقاهرة، لا شك أن وفودا سياحية إسرائيلية تجوب في هذه اللحظة دبي وتكتشف مفاتنها السياحية الكثيرة، بلا خوف.
التطبيع الإسرائيلي مع مصر أنهى حالة حرب مستمرة منذ 1948. وكذلك فعل التطبيع مع الأردن. كانت مسألة ثنائية بين دولتين. عدا هذا، سرعان ما أدركت إسرائيل أن مصر، رغم وزنها الاستراتيجي والبشري ودورها القيادي، لن تفتح لها الدول العربية الأخرى.
ولم تتنظر (إسرائيل) شيئا استثنائيا من التطبيع مع الأردن.
هذا الفشل (إذا صحّت الكلمة) الإسرائيلي إزاء مصر، سببه أن التطبيع بين البلدين كان أقرب إلى قرار مزاجي اتخذه الرئيس الراحل أنور السادات بعد أن اقتنع (أو اُقنع) بألا جدوى من الاستمرار في معاداة إسرائيل، وألا أمل في استرجاع شبه جزيرة سيناء بالقوة.
واتفاقية وادي عربة مع الأردن كانت أقرب إلى تحصيل حاصل بعد أن وقّع الفلسطينيون اتفاقيات أوسلو وسهّلوا مهمة العاهل الأردني الراحل، الملك حسين. أما التطبيع الإسرائيلي مع الإمارات فمختلف في الشكل والمضمون. ومختلف في السياق الزمني والاستراتيجي.
الدقة اللغوية تتطلب القول إنه ليس تطبيعا بالمعنى المتعارف عليه. هو قرار استراتيجي بين دولتين إقليميتين لم تتحاربا يوما. هو صفقة القرن الحقيقية، جرى التحضير لها بإصرار وصمت.
هدف البلدين يتجاوز مجرد الحرص على تطوير العلاقات الثنائية، إلى رغبة في تغيير حاضر المنطقة والتأثير في صياغة مستقبلها.
الإمارات تدرك هذا. وتدركه أكثر منها إسرائيل.
يُدرك البلَدان أن اتفاقهما أكبر من الفلسطينيين وقضيتهم. وأكبر من موضوع السلام الثنائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
تدرك إسرائيل كذلك أن اتفاقها مع الإمارات أكثر أهمية من اتفاقيتَيها مع مصر والأردن.
وتدرك الإمارات أن ما أقدمت عليه سينتزع «الريادة» في التعامل مع إسرائيل من مصر ويمنحها إياها.
توصف الإمارات اليوم بأنها إحدى أقوى الدول العربية، والأكثر جرأة على خوض المغامرات. ذلك أن مفهوم القوة ومركزها عند العرب تغيّرا وانتقلا من الدول الكبرى جغرافيًا وبشريا، إلى أخرى ليست بالضرورة كبرى، إحداها الإمارات. ستجد إسرائيل سهولة في التسلل إلى الدول العربية سياسيا وتجاريا وأمنيا.
قريبا سنرى أسلحة إسرائيلية في ساحات الحروب العربية.
وسنشهد استعمال حكومات عربية أدوات التنصت الإسرائيلية ضد شعوبها. والفضل سيعود للإمارات التي يحق لها أن تنتظر المكافأة في واشنطن وتل أبيب.
لدى دولة الإمارات أكثر من طريقة لـ«فرض» إسرائيل على خارطة المنطقة. لديها الاستعداد النفسي والسياسي، ولديها الثروة، ولديها الجرأة، ولديها مكانة دبي، ولديها خبرة في «التلاعب» بالدول، ولديها الرغبة في التبرؤ من ماضيها ومن دعمها السابق للفلسطينيين وما يُسمى القضايا العربية. لديها أيضا الدعم الأمريكي الجاهز طالما أن هذه الأدوات ستُستعمَل في تعزيز مكانة إسرائيل وتخفيف عداء الشعوب والحكومات العربية لها، وفي خنق إيران.
من إحدى ربوات شمال الإمارات سيتسلى الإسرائيليون بالتجسس على إيران والتحرش بها. وبفضل الإمارات لن يبقى الإسرائيليون مجرد ضيوف غير مرغوب فيهم بخليج عدن والبحر الأحمر.
استبقت الإمارات الإعلان الرسمي بكثير، فباعت واشترت مع إسرائيل منذ أكثر من عقد. تعاونت معها أمنيا واستراتيجيا. استقبلت الوفود الإسرائيلية والشخصيات السياسية والثقافية والعلمية.
كان كل ذلك عبارة عن «بروفات» أخذت وقتها وانتهت بمنح الإمارات رصيدا من الثقة جعلها لا تكترث بالتسريبات عن أخبار علاقتها بإسرائيل، ولا تحاول تكذيبها.
الإمارات سهّلت لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس المجلس السيادي في السودان، عبد الفتاح البرهان، في أوغندا شهر شباط (فبراير) الماضي.
وستسهّل أيّ لقاء في الأفق بين إسرائيل والقيادة السعودية. وستفعل كذلك مع قيادة شرق ليبيا. ومع الدول الأخرى الفقيرة والضعيفة.
ما من شك أن الإمارات ستجرُّ دولا عربية أخرى للتطبيع مع إسرائيل قريبا. وستصدّر لجيرانها و«أشقائها» الكثير من سلع وخدمات إسرائيل، إلا واحدة: الديمقراطية الإسرائيلية.
توفيق رباحي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (1)