انتخابات تشريعية لإطالة عمر الأزمة من جديد في الجزائر

انتخابات تشريعية لإطالة عمر الأزمة من جديد في الجزائر

فبراير 01, 2021 - 21:37
تم التحديث: 6 سنوات منذ
0 1.9ك
انتخابات تشريعية لإطالة عمر الأزمة من جديد في الجزائر

عكس الانتخابات الرئاسية، التشريعيات والمحليات لا تسبب قلقا كبيرا للسلطة في الجزائر، بقدر ما تثير قلقا أكبر للأحزاب والنخب السياسية المتلهفة على هذا النوع من الاستحقاقات التي تقوم فيها السلطة بتدوير محدود للنخب المركزية والمحلية بشكل دوري، تسمح لها بالاندماج داخل مؤسسات الدولة المحلية والمركزية.

تعود النظام السياسي مع الوقت على إجراء هذا النوع من الانتخابات، التي لا تغير شيئا أساسيا في أعماقه، ولا في علاقاته بالمواطنين، الذين تيقنوا مع الوقت من أن الاستحقاقات الانتخابية التي ينظمها ويدعو لها النظام السياسي، ليست وسيلة تغيير سياسي، ما جعل المواطن الجزائري يهجرها بالابتعاد عنها ويقاطعها، كما بيَن ذلك في آخر استفتاء على الدستور وقبلها الانتخابات الرئاسية في نهاية سنة 2019.

ليس هناك ما يؤشر إلى أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة، مع الانتخابات التشريعية والمحلية المبرمجة في سنة 2021، حتى بعد مبادرة السلطة بقانون انتخابات جديد، حاول فيه المشرع إدخال نوع من التغيير على مستوى نسق الاقتراع، الذي تم الاعتماد فيه على نظام القائمة المفتوحة، بدل المغلقة التي كانت تعطي صلاحيات كبيرة لقيادة الأحزاب في ترتيب المترشحين، نظام قائمة مغلقة كان من جهة أخرى مدخلا كبيرا للفساد المالي السياسي، الذي حوّل العملية الانتخابية إلى سوق كبيرة داخل اقتصاد ريعي يسيطر عليه القطاع غير الرسمي. فساد مالي انطلق بشكله المفضوح خلال العهدة الثانية للرئيس بوتفليقة، بدءا من انتخابات 2007، ترسخ بعد ذلك كقاعدة في انتخابات 2012 و2017، لينتج طبقة سياسية يغلب عليها الفساد وضعف الشرعية، زادت مع الوقت في منسوب لاشرعية مؤسسات النظام. وهو ما تنبه له مشروع قانون الانتخابات المقترح من قبل رئاسة الجمهورية هذه الأيام، بإعطائه دورا أكبر للناخب في اختيار مرشحه المفضل بفتح القائمة، التي يستطيع الناخب فيها التصويت على المرشح بغض النظر عن ترتيبه، وضع ينطبق على الشباب والمرأة، اقترح القانون المناصفة بالنسبة لها في القوائم في البلديات الكبيرة، ليترك للمواطن مرة أخرى حرية اختيار، قد لا تكون بالضرورة لصالح المرأة كحضور داخل المؤسسات السياسية، كما ستدعم بكل تأكيد دور الولاءات التقليدية والعائلية في تحديد مصير هذه الانتخابات، خاصة في المناطق الداخلية، في وقت تعمقت فيه أزمة الحزب السياسي وضعف أداؤه. انتخابات ستشرف عليها الهيئة الوطنية المستقلة، كما أشرفت على الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور، بعد تعيين أعضائها وليس انتخابهم، بشكل لم يقنع المواطن الجزائري باستقلاليتها، ما يجعلها منقوصة الشرعية في عين المواطن الذي لدغ عديد المرات داخل جحر الانتخابات، خاصة وهو يسمع هذه المرة عن نية السلطة تمويل حملة انتخابات الشباب حتى لا يتركوا تحت ضغوط المال الفاسد، وكأن السلطة تريد أن تؤمم الرشوة، وليس القضاء عليها، اعتمادا على المال العام السايب الذي يعلم السرقة، كما يقول المثل.

وضع زاد في تعميق تخوفات الأحزاب السياسية وهي تعاين كيف تقوم السلطة برعاية ما تسميه «مجتمعا مدنيا» للقيام بدور قد يكون حاسما في هذه الانتخابات المقبلة، بعدة طرق من بينها القوائم المستقلة، بعد أن تأكدت أن المواطن فقد الثقة كليا في الأحزاب السياسية، وعلى رأسها أحزاب السلطة القديمة، التي لم تعد قادرة على القيام بأدوارها التقليدية، حتى في حالة حصولها على دعم الإدارة، كما ساد لعقود أثناء فترة الحزب الواحد وبعد التعددية، مجتمع مدني متكون في حقيقة الأمر من وجوه الصف الثاني والثالث لهذه الأحزاب المرفوضة شعبيا، وبقايا نظام بوتفليقة على المستويين المحلي والوطني، تفكر السلطة الارتكاز عليها لخلق توازنات سياسية داخل البرلمان والمجالس المحلية، تعتقد أنها ستكون أسهل من الأحزاب، اعتمادا على خبرة طويلة للنظام، في دمج الأفراد والشلل داخل اللعبة السياسية الرسمية، ما سيكون وبالا على الأحزاب السياسية التي ستعيش قياداتها تحت ضغوط كبيرة، يمكن أن تصل إلى الانشقاق والتمرد، للدفع بها للمشاركة في هذه الانتخابات، التي ستشارك فيها أغلبية الأحزاب السياسية من كل أنواع الطيف السياسي، رغم بعض التمنع الشكلي الذي سيزول بسرعة مع الوقت، تعلق الأمر بالانتخابات المحلية أو التشريعية، مسعى يمكن أن توسعه السلطة إلى بعض الوجوه المحسوبة على الحراك، التي من المتوقع أن تدمج في اللعبة السياسية الرسمية بمناسبة هذه الانتخابات، لتوسيع قاعدة النظام، وإطالة عمر أزمته،

أزمة مرشحة للاستمرار في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة، ستساهم الانتخابات المقبلة في تكريسها، وهي تنتج مؤسسات ضعيفة ومنقوصة الشرعية، كما حصل مع آخر انتخابات رئاسية، وكما كان الأمر مع الاستفتاء على الدستور، أعادت إنتاج الثقافة السياسية الرسمية التي تنظر للانتخابات كألية معزولة عن محيطها السياسي، عكس ما طالب به الحراك الشعبي وهو يقترح مرحلة انتقال سياسي توافقي، تكون الانتخابات جزءا منها وليس كلها، بعد التفاهمات على شروط إجرائها، كالجو الذي تحصل فيه، ومحيطها الإعلامي والسياسي، بما يفترض اتخاذه من قرارات للتطمين، كإلغاء الأحكام القانونية الجائرة على شباب الحراك، وفتح الساحتين الإعلامية والسياسية، التي ازدادت غلقا. موقف عقلاني من الحراك الذي يعرف أن موازين القوى التي حاول فرضها لأكثر من سنة ونصف السنة على النظام، لم تكن قادرة على خلق ضغط، كان يمكن أن يؤدي إلى تغيير جذري للمؤسسات والأفراد، رغم الظرف الجديد الذي خلقته جائحة كورونا وتدهور الوضع الاقتصادي والمالي للبلد، الذي يفترض أن يدفع السلطة للتنازل خوفا على مصير البلد في هذا الظرف الإقليمي المتدهور، وليس للتعنت وفرض انتخابات لن تزيد الا في تكريس حالة الأزمة.

قراءة متفائلة يقوم بها الكثير من المواطنين الجزائريين تفترض وجود مراكز قرار سياسي رسمية، تمتلك الحد الأدنى من الحس الإصلاحي، تبقى الجزائر في حاجة ماسة إليه، وهي تعيش وضعا مأزوما على كل المستويات، لن تخرجها منه هذه الانتخابات المجربة أكثر من مرة، لم تعمل إلا على تكريس الأزمة وابتعاد المواطن عن الاهتمام بالانتخابات كآلية تغيير تحولت مع الوقت إلى وسيلة لإعادة إنتاج أزمة النظام.

ناصر جابي

ما هو رد فعلك؟

مثل مثل 0
لا يعجبني لا يعجبني 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
رائع رائع 0
حزين حزين 0
غاضب غاضب 0
AlgeriaTimes

Historical AlgeriaTimes editorial content.

التعليقات (0)

User