فرنسا لن تعتذر للجزائر لهذه الأسباب
فرنسا لن تعتذر للجزائر لهذه الأسباب
استاء كثير من الجزائريين من تقرير المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا حول «الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا» الذي سلمه للرئيس إيمانويل ماكرون.
لم يرقَ التقرير لطموحات الجزائريين. ولم يرقَ التفاعل الفرنسي معه إلى طموحاتهم أيضا لأنه كان تكرارا لمواقف سابقة في هذا الموضوع.
في فرنسا لم ينل التقرير حصة التمجيد التي كان يأملها. هناك حتى نوع من التهميش المتعمد له في الأوساط السياسية والإعلامية.
الذين قرأوا التقرير، في الضفتين، شعروا بأنه خيّب أملهم. كلٌّ في زاويته أحس بأن التقرير أبقاهم على جوعهم وفضولهم. هذا أقل ما يمكن قوله فيه. وحتما لاحظوا فشل ستورا في التزام الحياد رغم محاولاته إبراز ذلك، فجاء تقريره فرنسيا محضا، خصوصا عندما استبعد توبة فرنسا واعتذارها للجزائريين، الأمر الذي سهّل مهمة الرئيس ماكرون في التعامل مع هذا الملف الملغوم.
ربما كان الانتماء ثلاثي الأضلاع لستورا وعلاقته بالموضوع سيفا ذا حدّين ولا يريح صاحبه مهما كانت آراؤه في الموضوع. فالرجل فرنسي يهودي من مواليد الجزائر (قسنطينة) الذين طردهم الاستقلال في صيف 1962 في ظروف مأساوية يصفونها بالاقتلاع من أرضهم.
كان أمل كثير من الجزائريين أن تقرّ فرنسا بأخطائها ثم تعتذر عنها. هكذا بكل بساطة، على الرغم من أن الموقف الفرنسي هو ذاته قبل تقرير ستورا وبعده.
جزائريا، لا يوجد فرق كبير في الطموح إلى هذا الاعتذار بين النخبة الثقافية والسياسية وعامة الناس في المقاهي وقوافل المهرّجين والانتهازيين السياسيين الذين تهمهم مصالحهم فقط.
أعادت الرئاسة الفرنسية التذكير بنيتها «الحسنة» والإشارة إلى جاهزيتها لبعض الخطوات الرمزية تجاه الجزائر، مثل إعادة جماجم قادة المقاومة الجزائرية الأوائل ومدفع بابا مرزوق، لكن دون الذهاب إلى حد الاعتذار.
لن تعتذر فرنسا لأن ما يسمى في الخطاب السياسي والإعلامي الفرنسي «الذاكرة المشتركة» مع الجزائر، قضية سياسية وثقافية واجتماعية متشعبة في فرنسا. هي قضية فرنسية داخلية قبل أن تكون فرنسية/جزائرية. للتدليل على خطورتها على فرنسا، يكفي التذكير بأن واحدا من كل ستة فرنسيين اليوم له علاقة ما، مباشرة أو غير مباشرة، في الماضي أو في الحاضر، مع الجزائر.
هي قضية يمكن أن تشكل فصلا رئيسيا في أيّ الانتخابات، ويمكن أن تحسم نتيجتها (لهذا يسارع بعض المرشحين للانتخابات في فرنسا إلى زيارة الجزائر وجسّ نبضها، آخرهم إيمانويل ماكرون في كانون الأول/ديسمبر 2016). ويمكن أن تتسبب في قلاقل واضطرابات اجتماعية وسياسية داخل فرنسا (الكثير من أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين الجزائريين يعانون مشاكل عميقة مع المجتمع الفرنسي لا يمكن فصل جذورها عن الماضي الاستعماري). ويمكن أن تمنع وجود علاقة سويّة بين البلدين (بعد 58 سنة من الاستقلال لم ينجح البلدان في إقامة علاقة واقعية متوازنة خالية من شحناء وأحقاد الماضي). وكفيلة بأن تُبقي فرنسا سجينة ماضيها الذي لا يشرّفها، لكنها ترفض مواجهته (إلى اليوم لا تعرف فرنسا ماذا يجب أن تفعل بقضايا الذاكرة، وعجزت عن التصالح مع نفسها وماضيها، فكيف ستتصالح مع الجزائر).
هذه بعض المعطيات والأسباب القوية التي ستؤخر، إن لم تقتل، موضوع التوبة والاعتذار.
هناك أسباب أخرى تجد فيها فرنسا ذريعة للمضي في رفضها وعنادها. من ذلك أن الطرف الآخر، السلطات الجزائرية، لا يبدي جدية كافية في التمسك بمطلبه. ولا يملك استراتيجية وأدوات وذكاء خوض هذه المعركة طويلة النفس. ولا يملك شجاعة الذهاب في هذا الموضوع إلى نهايته لأنه قد يترتب عنه انكشاف بعض الحقائق المؤلمة عن الثورة الجزائرية، مثل بعض الخلافات الداخلية التي وصلت أحيانا إلى حد التصفية الجسدية.
والأهم من كل شيء أن الطرف الآخر ليس في وضع أخلاقي يسمح له بتلقين فرنسا دروسا ومطالبتها بالاعتذار. فهو أيضا نكّل بالجزائر وشعبها وأبقاها تابعة لفرنسا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ولغويا.
يذكر الجزائريون، وحتما سجّل الفرنسيون، أن إحدى حلقات الخلاف المزمن بين تركيا وفرنسا تضمنّت في 2012 إشارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مذابح فرنسا في الجزائر ردا على حديث فرنسي عن مذابح الأرمن في بداية القرن الماضي. كان كلام أردوغان انتهازيا، وبسرعة بادر رئيس الوزراء الجزائري الأسبق أحمد أويحيى (المسجون في قضايا سرقة واختلاس واستغلال منصب) إلى التعبير عن استيائه من الرئيس التركي ومخاطبته بكلام علني خلا من الدبلوماسية، بألا يتدخل في الموضوع.
كيف ستأخذ فرنسا كلام المسؤولين الجزائريين عن الاعتذار على محمل الجد بعد أن نهر أويحيى أردوغان بتلك الطريقة الفضّة؟
على الصعيد العملي لم تُظهر الجزائر استراتيجية واضحة في تعاملها مع هذا الموضوع. حديث الاعتذار مجرد كلام صحف وصالونات سياسية وندوات نخبوية ينتهي بانتهاء الفعالية التي يُذكر فيها.
أقرب مثال على غياب الجدية لدى الطرف الجزائري، غياب تقرير مقابل لتقرير ستورا. في الصيف الماضي كلفت الرئاسة الفرنسية يتورا وكلفت الرئاسة الجزائرية الأمين شيخي، مدير عام الأرشيف الوطني، بالعمل على موضوع الذاكرة. بينما سلم ستورا ثمرة عمله للرائاسة الفرنسية بعد ستة أشهر، غرق الطرف الجزائري في صمت غير مفهوم وغير مبرر.
بين الجزائر وفرنسا ذاكرة مشتركة مثخنة بالجراح، تتشكل تفاصيلها من الكثير من الأوجاع والدماء. أزمة هذه الذاكرة لا يعالجها أمر رئاسي من ماكرون أو أي رئيس فرنسي كان. ولا تعالجها نوبة غضب جزائرية عابرة تُستعمل حيلة لامتصاص غضب داخلي.
الأمر أخطر وأكثر جدية، ويحتاج إلى شجاعة استثنائية في الضفتين وقدرة هائلة على التحلي بالموضوعية. هذا غير متاح في الوقت الحالي لأن «عمل الذاكرة» في البلدين لا يزال في مرحلة ما قبل البداية، وإنْ اختلفت الأسباب وتوفرت النوايا. النية الطيبة وحدها لا تكفي، والحسابات السياسية والانتخابية لا تنفع في شيء.
توفيق رباحي
ما هو رد فعلك؟
مثل
0
لا يعجبني
0
حب
0
مضحك
0
رائع
0
حزين
0
غاضب
0
التعليقات (14)